رسائل هاملت المتأخرة
7 سبتمبر 2026
“وإلا فمن ذا الذي يقبل صاغرًا سياط الزمان ومهانته، وأن يرضخ لظلم المستبد، ويسكت عن زراية المتغطرس، وصلافة أولي المناصب، والازدراء الذي يلقاه ذَوو الجدارة من كل من لا خير فيه، في حين أنه يملك القدرة على تحقيق الراحةَ الأبدية، بطعنةٍ واحدة من خِنجرٍ مسلولٍ في يده، لولا الخوف والهلع، من أمر ما بعد الموت".
في هذا الخطاب، يتأمل هاملت، ولي عهد الدنمارك المُتخيل، فكرة تواترتها البشرية من قديم الأزل: الانتحار، كخيار واضحٍ وسهل لتفادي الألم، ولكنه، في الوقت ذاته، يعترف بأن هذا البديل قد يكون فخًا، لأن الموت رحلة إلى المجهول، وهو آتٍ لا محالة، فلم التَعجُّل إذن؟
ولذلك كان لابد له من التعامل مع الواقع، ثم محاولة ترويضه بأفضل الأشياء المُتمكن منها: "مناجاة نفسه"، وعلى وقع الموسيقى التي يحب، أم كلثوم وربما تقى طارق أو جورج وسوف، تمكن أخيرًا من كتابة قصيدة شعر، استكمل بها الأسطورة.
بكائيةٌ لن تكتمل
"لا بد أن قصيدة في جيبي"
أمسكتُ أوراقي التي تحوي أنينَ الياسمين،
وطرقعة الكؤوسِ في البارات
أعددتُ قهوتيَ السريعةَ
أشعلتُ آخرَ ما تبقّى من علبةِ التبغِ
وجلستُ منتظرًا نزولَ الوحي.
مرّت أمامَ البحرِ فاتنةٌ بعمرِ الورد
أوفيليا
لها الضحكُ البريء،
احمرار الخدّ عند سماعها نبرةً الإعجابِ بروحها الطفلة
- غازلتَها؟
- غازلتُها، قبلَ قصفِ الطائراتِ لجسدها الممشوق
لم يبق منها
سوى بعضُ العظامِ تفرّقت بينَ المتاريس
وضحكةٌ نسختها خدودُ الشمسِ تقليدًا
ربما سأطوِّعُ اللغةَ العصيةَ لأرثيها
أو لأبحثَ عن حلولٍ قد تصدُّ الطائرات
أو لأسردَ قصّتي عبثا
أو لأنسى.
..
(لا أدري لماذا الشعر تحديدًا هو المخرج)
أرى رامبو يئنُّ الآن في المقهى
ليبحثَ عن حقيقتنا
ويصرخ من أعماق إفريقيا: "عالمٌ عبثيّ".
أرى معين بسيسو
يجرُّ القمحَ والزيتونَ صوبَ القدس
ويكتبُ شعرَهُ مطرًا على الأقصى.
أرى بودلير
يحملُ على كتفيهِ طياتَ الحداثةِ
ويصنع من جلدِه لغةً ومنفى.
وأرى نفسي
تحرقُ أعقابَ السجائرِ واحدًا واحدًا
ولا تدري
أتكتب في الله ذمًا؟
أم تكتب لله تمجيدًا؟
لا تدري لماذا الشعر تحديدًا.
الشِعرُ خَمرُ البَائسِين
فاحمل حكاياتِ الذين تُحِبُّهم،
دمَّ العبيدِ، وهيكلَ "سبارتكوس"
ودَاعِب التَاريخَ والأسفارَ بحثًا عن لغة
لابد أن قصيدةً في جيبكَ الدّامي
فتّش هنا
وشوّه حواسَك حتّى تصلَ إلى الحقيقة
شوّه حواسك حتى تكون
كن أنتَ حتى نكون
حتى يكونَ الفلُّ والزيتون.
كن أنتَ
حتى تفرّ العناكبُ إلى مخابئها
حتى يخرجَ العمالُ من محاجرهم إلى السلطة
كن أنتَ
حتى يموتَ الرصاصَ
حتى يكون المدى للفصحى وللحكماء
كن أَنتَ
حتى يكونَ الشعرُ،
حتى يكون الشعر في صفِّ الجنون
كن أنتَ حتى نكون.
قالت ليَ العذراء بعدَ ولادتي: كُن أنت
وأسهبت في شرحِ الحكمةِ الأولى
كبرتُ
ولم أستطع حملَ الدماءَ ولا الهياكل
كبرتُ
ولم أستطع حملَ القصيد على يديّ
كانت للوركا يدانِ تفتتانِ الصخرَ
لذا استطاعَ السّير مع القصيدِ صوبَ طفولةٍ أخرى
صوبَ مجهولٍ ينادي على الشعراءِ: ادخلوا
كبرتُ
ولم أستطع دخول النايَ أو المعارك
وحيدٌ
لا أرى نفسي سوى بعض الشّظايا
لا أرى الشعر محوّطًا بالياسمين
بل أراه مقنعًا
يحملُ القتلى من الشعراءِ صوبَ حقيقةٍ صماء
ليشتروا بها أملًا وناي
وحيدٌ
قالت لي العذراءُ بعد ولادتي:
كن كالسّحاب رحّالا
ملمًّا بأحداثِ الطبيعةِ
كُنْ كالسحاب
وأملأ الدنيا برائحةِ الربيع
افتح القلبَ الجميلَ إلى المدى
تبسّم في وجوهِ الناس
وقل: الحمد لله حتّى تصل
لم تكن تعلم
أن قلبي ستقصفُهُ الطائرات
وأن دبابةً ستمرُّ من فوقي لتجعلَ أضلعي هشّة
لم تكن تعلم
أن جنديًا سيضعُ حذاءً على جبهتي
ليكون سببًا في نموِّ التجاعيد
ولم تكن تعلم
أنني أكذوبةٌ كبرى
وأن الشعر في شفتي مفتاحٌ لبدءِ الحرب
وأن السنابلَ أطهرُ من ألفِ بيتٍ مقفّى
لم تكن تعلم، ولم أكن
قدَّمَت إلىّ النصّ،
ولم أهن
لا بد أن قصيدة في جيبي
أمسكتُ أوراقي التي تحوي دماءَ الشارعِ العربيّ،
أشعلتُ آخرَ ما تبقّى لديّ من المخدِّرِ
وكتبتُ بالعربيةِ الفصحى
ما يؤرخ أنني عبءٌ على ما يقفَّى
كتبتُ:
"سقطَ القناعُ عن الجميعِ.. سَقَط
الشعرُ للرسل،
وأنا مجذوبٌ
فقط".
والذّكرياتُ تسيرُ بين وسادتي واللحاف
لأصحو بلا اسم أو هوية
وظيفتي شاعرٌ والمدى يسحقُ الشُّعراء
أكتبُ ليزيدَ الدمّ قربَ نبعِ الماء
فأكتبُ
وأكتبُ
لا وقتَ للشعرِ؛
فالذِكرياتُ تئن،
في حبرٍ جليلٍ وأوراقٍ جَميلة
لا وقت للشعر
فالشعر في المنفى قليلُ الحيلة