رسائل إليوت إلى إيميلي هيل.. حرب بين ميتَين

رسائل إليوت إلى إيميلي هيل.. حرب بين ميتَين

(Getty) ت. س. إليوت

انفجرت السوشيال ميديا بالسخرية، حين كشفت الكاتبة غادة السمان عن رسائل الشاعر أنسي الحاج إليها. كان الأمر أشبه باستعادة حبّ من القبر من أجل العودة مرة أخرى إلى الذاكرة الجمعية. كثيرون انتقدوا الفعل واعتبروه سعيًا بائسًا إلى الشهرة، وآخرون رأوا فيه زخمًا جديدًا أيضًا في المعارك الأدبية العربية التي باتت تفتقد إلى زخم "شعبي"، يمكن أن يتناوله الناس عامةً.

أما إذا أردت معركة يمارسها طرفان من القبر حقًا، فعليك متابعة القصة المثيرة التي تم فيها الكشف عن رسائل الشاعر ت.إس. إليوت (1888 - 1965) إلى إيميلي هيل، معشوقته القديمة التي قابلها عام 1914. وهي، كما جاء وصفها في النيويرك تايمز، امرأة مشرقة أنجزت الكثير في حياتها، وقامت بتدريس الدراما والخطابة في عدة مؤسسات تعليمية بما في ذلك كلية سميث العريقة، وحين قابلت إليوت كانت طالبة دراسات عليا في قسم الفلسفة في جامعة هارفارد.

التحضير لمعركة ما بعد الموت.. إليوت و إيميلي

لا يمكن أن يمر ذكر إليوت دون الحديث عن كونه أهم شاعر كتب باللغة الإنجليزية في القرن العشرين. عملاق الشعر، فتن بشعره ملايين دراسي الأدب والشعر بالغة الإنجليزية على مستوى العالم، حتى قيل إن شعره ألهم بعض كتاب الموسيقى. لكن يبدو أن إليوت بكل فتنته الشعرية عانى رفضًا من إيميلي هيل، ويبدو أنه فكر بجدية في كيفية تقديم حجة على عدم حقيقة حبه لها، خاصة بعد أن علم أن رسائله التي كتبها لها سلمتها هيل إلى جامعة برنستون، وهي رسائل تصوره إلى حد كبير كعاشق بائس، يهدر حبه على عتبة امرأة لا تبالي.

رسائل إليوت التي كتبها إلى إيميلي من عام 1930 إلى عام 195، والتي أصبحت متاحةً اليوم، حسب لها إليوت نفسه حسابًا قبل موته، حيث أصدرت مؤسسته بيانًا يقول في نهايته "لم أحبها أبدًا على أي حال".

لا يمكن أن يمر ذكر إليوت دون الحديث عن كونه أهم شاعر كتب باللغة الإنجليزية في القرن العشرين

"لم أكن على علاقة عاطفية بإيميلي هيل"، بيان كتبه إليوت في الخامس والعشرين من تشرين الثاني/نوفمبر عام 1925، وأمر بأن يتم إصداره فور نشر الرسائل. أضاف إليوت إلى بيانه عن إيميلي: "لقد لاحظت أنها لم تكن من محبي الشعر، وبالتأكيد لم تكن مهتمة بشعري، لقد كنت قلقًا بالفعل مما بدا لي منها أنه انعدام للحساسية والذوق الرفيع من جانبها".

اقرأ/ي أيضًا: "الأرض الخراب".. ترجمة توفيق صايغ المجهولة

كما هو مخطط له، أصدرت مؤسسته البيان، تزامنًا مع إعلان مكتبة جامعة برينستون بأن أكثر من 1100 رسالة كتبها الشاعر إلى هيل أصبحت متاحة أخيرًا للعرض على الجمهور. أما إيميلي هيل فقد سلمت الرسائل إلى جامعة برنستون في عام 1956 مع تعليمات بأن يتم فتحها بعد 50 عامًا من وفاتها هي وإيليوت (توفيت هيل عام 1969، أي بعد أربع سنوات من إليوت).

إليوت وإيميلي والأدب.. نافذة للجميع

الرسائل بطلة المشهد تم تحريرها من محبسها في تشرين/أكتوبر الماضي، حيث كانت مربوطة بأشرطة نحاسية وموضوعة في صنادبق خشبية من الطراز القديم . خروج الرسائل إلى النور جرى في مشهد مهم أمام مجموعة صغيرة من أساتذة جامعة برينستون بمكتبة جامعة فايرستون.

الواقع أن العديد من أساتذة الأدب والمتخصصين توقعوا أن تكون الرسائل عبارة عن ثرثرات أدبية لإليوت، وتأملات تخصه في الشعر والأدب، حيث عُرف أنه شخص متحفظ وكتوم، وأنه ليس من النوع الذي يمكن أن يسكب من شغاف روحه شيئًا في خطابات الحب ذلك، وفقًا لما قاله أنتوني كودا، أستاذ اللغة الإنجليزية في جامعة نورث كارولينا.

المثير واللافت للانتباه أن بعض الأساتذة الذين اطلعوا على الرسائل وجدوا فيها مقاطع وفقرات شديدة الشاعرية، تشي برجل غارق حتى أذنيه في الحب. تذكر الجارديان في هذا السياق مقطعًا يقول فيه صاحب "الأرض الخراب": "لقد جعلتني في منتهى السعادة.. سعادة لم أشعر بها طوال حياتي". ويقول في مقطع آخر: "لقد حاولت التظاهر أن حبي لكِ قد انتهى، لكن لأفعل ذلك عليّ التظاهر بأن قلبي نفسه قد مات".


صناديق الرسائل (مكتبة جامعة برينستون)

الرسائل الموجودة في المجموعة، والتي تتضمن أيضًا صورًا وسردًا موجزًا ​​وصفت فيه هيل علاقتها مع إليوت، ستكون متاحة للعرض فقط في مكتبة فايرستون، ولن يتم نشرها على الإنترنت حتى عام 2035 على الأقل، حيث تكون خاضعة لحقوق الطبع والنشر.

إليوت العاشق.. يتنكر لنفسه!

تُرى لماذا تنكر إليون لحبه لإيميلي هيل؟ يقول مايكل وود، الأستاذ الفخري في قسم اللغة الإنجليزية في جامعة برينستون، والذي كان واحدًا من الحضور عند الكشف عن الرسائل، يبدو أن إليوت كان يحاول الادعاء بأن العلاقة برمتها كانت ضربًا من الوهم.

تصور الرسائل التي كتبها إليوت إلى إيميلي هيل عاشقًا بائسًا يهدر حبه على عتبة امرأة لا تبالي

في بيانه، قال إليوت إنه أخبر هيل أنه كان يحبها في عام 1914، لكنها لم ترد بالمثل على مشاعره في ذلك الوقت. بعدها هاجر إلى إنجلترا والتقى بزوجته فيفان هاي وود. ووصف علاقته بزوجته وقتها أنها "علاقة بائسة".

اقرأ/ي أيضًا: القصيدة الأخيرة لبيكتور خارا

أثناء زواجهما، كتب إليوت بعض قصائده الأكثر شهرة، بما في ذلك "الرباعيات الأربع"، والتي يعتقد كثير من الباحثين أنها مستوحاة جزئيًّا من هيل. الجدير بالذكر أن مراسلاته مع هيل تواصلت خلال زواج إليوت من هاي وود، الذي انتهى في 1947 عندما توفيت فيفان في مصح عقلي. وتوقعت هيل أنه بمجرد أن أصبح إليوت حرًّا فقد يرتبطان. لكن هيل فيما بعد كتبت إلى صديقة لها تقول إن علاقتهما وصلت إلى طريق مسدود غريب.

في بيانه، قال إليوت إنه أدرك بعد وفاة زوجته أنه كان فقط يحب في هيل ما يحتفظ به في ذاكرته عنها، وأنه لو كان تزوج من هيل وهو شاب يافع لتحول إلى أستاذ فلسفة تقليدي. وأضاف: "إيميلي هيل كانت لتقتل الشاعر بداخلي"، وقال أيضًا: "صحيح أن فيفان قتلتني لكنها أبقت على الشاعر بداخلي". أما تعليق أحد الأساتذة على هذا الجزء من البيان فهو: "هراء"، ثم أوضح: "نظريتي هي أنه لا يستطيع تحمل فكرة السعادة"، و"أنه أحب إميلي حقًا، لكنه كان خائفًا جدًا من تطوير علاقة إلى مستوى أعمق".

وقال البروفيسور كودا إن البيان الذي كتبه إليوت في عام 1960 يبدو أن له غرضين. أولهما أن إليوت أراد أن يثبت أنه لم يكن أبدًا ضعيفًا كما بدا في الرسائل، وربما كان أيضًا حريصًا على حماية مشاعر زوجته الثانية، إيمي فاليري فليتشر، التي تزوجها عام 1957.

الحب يشعل المعارك، والموت يحرر البشر من كل ما يظنون أنه يقيدهم

في حاشية صغيرة كتب إليوت في بيانه يقول: "لقد تم تدمير الرسائل التي وجهتها إيميلي لي بناء على طلبي من خلال أحد زملائي".

اقرأ/ي أيضًا: ديريك والكوت: أنا الكاريبي أو لا أحد

الحب وحده قادر على إشعال هذا النوع من المعارك، التي يغيب فيها أبطالها الأساسيون عن المشهد ليحضر آخرون يتحدثون باسم الأبطال ويحللون المشهد، ويحاولون قراءة تلك العقول التي تدافع عن نفسها وسمعتها، وتتاح لها هذه الحرية التي لا يقف الموت عائقًا أمامها. أما الرابح الأكبر في المشهد هو أولًا الذاكرة الأدبية التي ستستدعي يومًا ما هذا المشهد في محفل أدبي أو في فيلم ما أو في رواية، وثاني الرابحين هو المتابع المعني الأول بالقصة الشيقة وملابساتها. أما الأبطال الحقيقيون فقد تحرروا بموتهم من كل ما يظنون أنه يقيدهم.

 

اقرأ/ي أيضًا:

تشارلز سيميك.. ذبابة السيرة الذاتية

غينسبيرغ وفيرلنغتي.. تحية المسيرة العظيمة