13-أكتوبر-2016

الفنّان نذير إسماعيل (1948- 2016)

خسرت الحركة التشكيلية السورية أمس الفنّان نذير إسماعيل (1948-2016)، الذي ولد في دمشق وعاش فيها. درس الراحل الفن دراسة خاصة، وقدّم خلال رحلته أكثر من خمسين معرضًا فرديًا، ونال جوائز وثناءات عربية ودولية، وقد أعطاه انغماسه في جماليات الوجه فرادة.

كان نذير إسماعيل يرسم الكائن الإنسانيّ نحيلًا شاحبًا، من أجل التأكيد على عزلته ووحدته

بدأ الفنان رحلته بالعمل على علاقة الإنسان مع الواقع، من خلال التركيز على البيوت الطينية، وما يعطيه العيش فيها من فرح وتعاسة. وقد كتب الفنان الراحل نعيم إسماعيل، معبّرًا عن ذلك على بطاقة معرض نذير الأول: "من قرانا المنسية تأتي الريح شاحبة كئيبة. في هذه القرى منازل يسكنها بشر. هادئة كالتراب لكنها ليست صماء، تحكي قصصًا مخنوقة عن القحط والعطش والضجر، وفي أعماقها كلّ الحب وكل التحدي، نفوسنا تحب العطاء، ولكن ما يمكننا إعطاؤه قليل ويا للأسف! حياتنا هناك مختصرة وأبسط من بسيطة، بخيوط قليلة وألوان أقلّ، عفوية كالمشي والتنفس والخوف، ولأننا في قرانا النائية والمنسية نعيش بالحد الأدنى من وسائل العيش، وبالحد الأدنى من وسائل الرسم.. نرسم".

اقرأ/ي أيضًا: نذير نبعة.. مرسومًا بتراب الأرض

انتقل إسماعيل في مرحلة تالية إلى التركيز على العنصر البشري، فبات يرسم الكائن الإنسانيّ نحيلًا شاحبًا، من أجل التأكيد على عزلة هذا الكائن، بأسلوب لا يخلو من التراجيدية، يسوده اللون الأسود في الغالب. المهم في ذلك الكائن الناحل والمحاط بالوحشة أنه دومًا كان يظهر واقفًا في فضاء اللوحة، في دلالة على التحدي.

بعد ذلك انتقل نذير إسماعيل إلى الاشتغال على الطبيعة الصّامتة، وكانت له طريقته الخاصة في التعامل مع الطبيعة بوصفها منمنمة هندسية، وهو ما جعل العناصر التشكيلية تطغى على الخلفية، ولا يخلو هذا التوجّه من لمسة صوفية.

بعد ذلك كله، سوف يصل الفنان الراحل إلى مرحلته الأهم؛ مرحلة رسم الوجوه، التي باتت علامة فارقة على خريطة تجاربه، وعلى خريطة التشكيل السوري ككل. كانت تلك الأعمال البسيطة التي لا تمل من التكرار تحمل مفاجآت على الدوام، من حيث قدرتها على قول تعقيدات الحياة المعاصرة، أو الحالات النفسية المعقّدة، أو الأخيلة والتهيؤات الشخصية، بأبسط الخطوط والألون.

كتب الناقد طارق الشريف قبل عشر سنوات مقالًا يعلق على هذه التجربة: "أصبحت اللقطاتُ سينمائيةً بعد أن كانت مسرحية في الماضي، وبدأ يلحّ على العوالم الداخلية، بعد أن كان التوزيع المسرحي هو الغالب، وكانت الشخصيات موضوعة ضمن مساحات سوداء أصبحت عبارة عن خشبة مسرح. تكرار المشاهد وتماثلها يعطينا إيقاعًا حزينًا ومأساويًا، ولكن الإيقاع الذي ينتج عن تكرار الشكل، وحركته ضمن المساحة. وأصبحت المشكلة الذاتية التي يعاني الشخص ضمن المساحة هي من السعة والشمول بحيث أصبحت تشمل الإنسانية بمجموعها، بل أصبحت تصل إلى الحيوانات، وبعض العناصر الأخرى، دون أية محاولة للخروج من الإطار الذي يفصل الناس عن بعضهم، أو الحيوانات، وهكذا يصبح الفيلم السينمائي المقطع إلى مشاهد متلاحقة عبارة عن دراما الحياة الإنسانية، وملحمة هذا الإنسان في صراع من أجل البقاء".

اقرأ/ي أيضًا:

عمر حمدي "مالفا".. ميراث من وهج الألوان

محمد الوهيبي.. صورة فلسطين البدوية