رحيل قاسم عبد الرحيم.. حياة شعبولا

رحيل قاسم عبد الرحيم.. حياة شعبولا "بس خلاص"

الفنان الراحل شعبان عبد الرحيم (صحف مصرية)

لأن ولادته جاءت في شهر شعبان الهجري، اختار لنفسه الاسم الفني "شعبان". أما اسمه في شهادة الميلاده فكان قاسم عبدالرحيم. وهكذا بدأت قصة أحد أبرز فناني الأغنية الشعبية في مصر شعبان عبدالرحيم.

تبدو حياة شعبولا سلسلة متكررة من طريقة اختياره لاسمه الفني "شعبان" الذي اختاره لأنه ولد في شهر شعبان الهجري

تبدو حياة شعبولا سلسلة متكررة من طريقة اختياره لاسمه الفني. عندما كوّن "ثروة"، بالنسبة لمكوجي سابق وابن أصيل لمنطقة الشرابية الشعبية في القاهرة، بنى عمارة في منطقة المريوطية بشارع فيصل في الجيزة، وجعل فيها "مقلة" لبيع اللب والمكسرات.

اقرأ/ي أيضًا: نوستالجيا التسعينات.. 10 من أشهر فناني الكاسيت انحسرت عنهم أضواء الشهرة

و"المقلة" من التجارات المربحة في مصر. وهي أيضًا من الأعمال التجارية التي يفضلها العصاميون أبناء الأقاليم الذين جاء بهم طلب الرزق للقاهرة المركزية، فاشتغلوا في أصناف الأعمال اليدوية، وجمعوا القرش على القرش ليفتتحوا مقلة أو معصرة، واتخذوا لهم بيتًا؛ وهكذا فعل شعبان عبدالرحيم.

ولد شعبان عبدالرحيم في إحدى أحياء القاهرة الشعبية عام 1957. لم يتلق تعليمًا مدرسيًا، فكان لا يجيد الكتابة أو القراءة، لكنه أجاد التعبير عن نفسه بعفوية، فكان يغني في أفراح منطقته ليلًا، ويعمل صباحًا في كي الملابس وتوصيلها رفقة والده، الصنعة التي ظل يشتغلها حتى بعد البدايات الأولى لاحترافه الغناء.

أكثر من "إييييييه"

يرتدي شعبان عبدالرحيم ملابسه للقاءات الإعلامية والظهور الفني، من "مصمم الأزياء" أشرف فجلة، والذي يبدو أنه مصمم حصري لملابس شعبولا الفريدة، علامته المميزة. أما الأحذية فلا يفضلها عادة إلا من عبده صالح. وكان شعبولا يحب إهداء الأحذية التي يصممها صالح لزملائه في الأعمال الفنية.

شعبان عبد الرحيم

بدأ شعبولا مشواره الفني شبه الاحترافي بـ100 جنيه، بشرائط كاسيت كان ينتجها له صاحب محل شرائط كاسيت استمع إليه وهو يحيي إحدى حفلات الزفاف بمنطقة شبرا. ثم تعرف على المطرب الشعبي أنور العسكري الذي ساهم في صقل صوته وطريقته الغنائية، مستلهمًا من عبده الإسكندراني.

كل ما خلا ألبومه الأول، اعتبره شعبان "صفر"، يتجلى ذلك في اسم الألبوم "شعبان فوق الصفر". لكنه لم يكن فوق الصفر تمامًا على مستوى الشهرة الفنية، فللآن يُعرف الألبوم باسم أغنيته الأشهر "أحمد حلمي اتجوز عايدة". وشعبان نفسه ظل اسمًا مغمورًا، رغم انتشار الأغنية، حتى هلت 2000.

ما قبل الـ2000 كان شعبان عبدالرحيم أكثر من لازمته الأشهر "إيييييييه". يظهر ذلك في أغنيته "أحمد حلمي اتجوز عايدة"، تحديدًا في كلمات موالها: "إوعى يا غلبان تروح لجبان وتشكيله"، وفي صوته الشاب، القوي، المتمكن من أدائه الذي يبدو شعبولا مدركًا بشكل جيد لمن يتوجه به، ولماذا.

بعد الموال الذي يستلهم خطاب الشارع الشعبي، وقضيته الأخلاقية الأبرز: الخيانة، وبطرق مختلفة، في العديد من الأغاني الشعبية اللاحقة، وبعض السابقة على أغنية "أحمد حلمي اتجوز عايدة"؛ يدخل شعبان في الأغنية بالرتم السريع، الفرايحي، وبصوت لا يخلو من الشجون، يمثل طبيعة نبرة صوت عبدالرحيم، والطريقة الأقصر للوصول لقلوب جمهوره.

وفي نفس ألبوم "شعبان فوق الصفر"، غنى شعبولا أغنية المفارقة "تحت الصفر": "أنا لو ساعدني زماني لأحلف يمينين ما أحط قلب على قلبي/ قال واستحمل القساوة يا ناس قال وأدوس على قلبي/ ده أنا بضحك من الفم لكن ببكي من صميم قلبي"، فيما تبدو تمهيدًا مؤسسًا لـ"فوق الصفر".

 لذا سنجده في أغنية "أحمد حلمي اتجوز عايدة"، يقدم نفسه، بخليط من التنافس والسخرية الكامنة، البديل الجديد للأغنية الشعبية وهرمها أحمد عدوية، فيقول: "اسمع مني يا بلدية.. وسمعوني لعدوية"، مستدعيًا المنافسة بحس لا ينكر تفرد عدوية. و"اسمع مني كلام شعبان.. فيه ناس تقول على الغنا توهان"، ليقول: أنا الطريق. و"اسمع مني أنا بالمزيكا.. كلام مفيش منه في أمريكا"، واستدعاء العدو الضروري، معترفًا بسيادته ضمنيًا بوضعه في موضع المقارنة الفوقية، لكنه أيضًا يحيل إلى أنها سيادة يمكن تجاوزها بمزيكا شعبان ابن الشرابية.

وأخيرًا: "اسمع مني كلام على أبوه.. مفهوش السح الدح امبو"، في إشارة لأغنية عدوية الشهيرة. وللمفارقة أيضًا، أنّ في نفس الأغنية انتقد شعبان عبدالرحيم ما وصل إليه الفن في رأيه: "يا ناس خلاص الفن باظ"، وهو نفس الوقت انتقاد قد يحال في تحليله سخريةً ممن ينتقدون الفن الشعبي والغناء لـ"الميكروباص"!

على كل لم يخفي شعبان عبدالرحيم حبه لأحمد عدوية وأغانيه وما يمثله، سواءً بطريق الوصول للجمهور باستدعاء المنافسة معه، بما لم يخلو من حس الفكاهة، أو باستدعاء أوكرديون المميز لأغاني عدوية، في أغانيه، وحتى بأن سمى أحد أبنائه عدوية.

ومن "شعبان فوق الصفر" وحتى بداية الألفية الثالثة، أطلق شعبولا عدة ألبومات، يصل عددها إلى قرابة الـ20 ألبوم، لم ينل بها الشهرة الكافية، وإن حظيت بعض أغانيها بانتشار واسع في الشارع الذي جاء منه، ومحال بيع أشرطة الكاسيت فيه، ربما على رأسها أغنية "كداب يا خيشة"، وظهور أول "إييييه" معروفة لشعبان عبدالرحيم، وإن على استحياء.

في "كداب يا خيشة"، يرسم شعبان عبدالرحيم ملامح أكثر وضوحًا لطريقته في الغناء الشعبي، مستلهمًا الأداء الكازينوهاتي والكباريهاتي، ومن هنا يمكن استنتاج سر "إيييييه"، وبعين غارقة في التفاصيل الغنائية لعدوية، وأخرى تلتمس حالة متفردة لـ"شعبولا" على ساحة سمح غياب عدوية عنها، في ظهور أصوات شابة متطلعة، بقي منها شعبان عبدالرحيم بشكل أساسي، وإن لم يكن أقوى أصواتها فنيًا.

"راعٍ للكراهية"

بالتزامن مع المظاهرات التي عمت الشارع المصري والعربي، دعمًا للانتفاضة الفلسطينية الثانية، كان شعبان عبدالرحيم يجهز لأغنيته الأشهر على الإطلاق، وطريقه للعالمية "أنا بكره إسرائيل" التي أطلقها في 2001. 

عرّفت "أنا بكره إسرائيل" الناسَ على شعبان عبدالرحيم، ربما أكثر مما كان يتوقع هو، لدرجة تداول اسمه سياسيًا على مستوى عالمي، وبطبيعة الحال شعبيًا. وكانت الأغنية من بدايات تعاونه مع رفيق مشواره اللاحق، الشاعر إسلام خليل.

قبل "أنا بكره إسرائيل"، طل شعبان بأغنية أثارت جدلًا واسعًا بطريقتها وكلماتها، وهي أغنية "هبطل السجاير" في عام 2000. بدأ ظهوره الإعلامي لأول مرة على إثر هذه الأغنية، وبدأ اسمه كذلك في التداول على نطاق أوسع. لكن لم يكن مثل "أنا بكره إسرائيل" التي قال عنها شعبولا: "كانت فاتحة خير عليّ، وهي سبب ما أنا فيه الآن".

كما كانت سببًا في وصمه بـ"راعٍ للكراهية" على لسان كينيث باندلر من اللجنة اليهودية الأمريكية ، ومن أسباب إبعاد عمرو موسى عن وزارة الخارجية المصرية بترشيحه أمينًا عامًا للجامعة العربية، وفق ما ذكره موسى في مذكراته، التي كُتب وطُبع عنوانها خطأً "كتابيه".

يسرد موسى في مذكراته كيف بدأ الخوف من شعبيته وزيرًا للخارجية المصرية، يتفاقم في الرئاسة المصرية، بسبب مواقفه السياسية بشأن القضايا العربية، لتأتي أغنية شعبان عبدالرحيم، التي قال فيها: "وبحب عمرو موسى بكلامه الموزون"، لتفتح على موسى "أبواب جهنم"، على حد تعبيره في مذكراته.

"أنا بكره إسرائيل.. وبقولها لو أتسأل/ إنشالله أموت قتيل.. أو أخش المعتقل"، لكن ذلك لا يعني أن شعبولا لم يكن يخشى تمامًا دخول المعتقل، فلاوَع كابن شارع أريب بذكر اسم الرئيس: "وبحب حسني مبارك علشان عقله الكبير".

لكن الأهم في الأغنية ليست محبات شعبان عبدالرحيم في حسني مبارك وعمرو موسى وكذلك ياسر عرفات "غالي يا ناس عليا"، وإنما التعبير عن "شعب مصر الحزين والدمعة رايحه جايه"، وتلخيص الصراع الفلسطيني الإسرائيلي في جملة تحيل إلى انعدام "الرجولة" برؤية "الجدعان" في إشارة للصراع غير المتكافي: "ناس ماسكين سلاح (الإسرائيليين) وناس ماسكين نبوت (الفلسطينيين)"، والتي جاءت بعد "إيه ذنب الأطفال إللي يوماتي تموت".

كما يكره إيهود باراك بسبب "دمه التقيل"، ويكره إسرائيل كقضية عربية شاملة: "علشان جنوب لبنان.. والقدس والعراق.. وسوريا والجولان".

الضرب في العراق

احتفى الشارع بشعبان عبدالرحيم وما يمثله من حالة شاملة بأغانيه وأدائه وهيئته وحتى تصريحاته. لكن ذلك الاحتفاء لم يمنع من تعرضه للهجوم من بعض الأسماء الفنية التي اعتبرت ما يقدمه "فنًا هابطًا"، وهكذا فعلت، تقريبًا، مع كل لون غنائي خارج الإطار المؤسسي للفن.

 لكن في معظم الأحيان، وأيضًا على نفس طريقة اختياره لاسمه الفني "شعبان"، أظهر شعبولا عدم مبالاة. في لقاء تلفزيوني جمعه بثنائي أغاني المهرجانات أوكا وأورتيغا والموسيقار حلمي بكر، وردًا على انتقاد حلمي بكر له ولطريقته في الغناء ولـ"إيييييه"، قال شعبان عبدالرحيم: "عملت لحن مفهوش إيييه"، ثم غنى: "خلاص غيّرت اللحن اللي أخدتوا عليه.. عملت لحن تاني علشان مقولش إيييه.. مش إيييييه"، فصفق له الجميع، بما في ذلك المذيع طوني خليفة، ما عدا حلمي بكر بطبيعة الحال!

وبالجملة، يبرز هذا اللقاء كثيرًا عن شخصية شعبان عبدالرحيم، من خلال طريقة تفاعله مع انتقادات حلمي بكر التي وصلت في بعضها للإساءة الشخصية لعبدالرحيم.

وفي حين يبدو بكر منفعلًا، كعادته، يرد شعبولا بهدوء، ردودًا مقتضبة، محرجة في أغلبها، وغير متهاونة إذا اقتضى الأمر، ثم يلحقها بما يقلب الطاولة على بكر. فيقول لحلمي بكر بعد إحراجه بفقرة "مش إييييه": "إنت في القعدة دي أخونا الكبير وحبيبنا وبنتعلم منك". ينفعل بكر مجددًا ويقول مرتبكًا: "يا واد اسكت" و"أنا مرضاش ألحن ليك"، فيرد عليه شعبولا: "إنت أخويا الكبير وعلى دماغي"، ثم: "بس انت متعرفش تعملي لحن"!

في خضم ذلك، كان شعبان عبدالرحيم قد دخل عالم التمثيل، بالعديد من المسرحيات والمسلسلات والأفلام التي شارك فيها بالتمثيل والغناء، أشهرها: "رشة جريئة" في 2001 من بطولة أشرف عبدالباقي وياسمين عبدالعزيز، وظهر فيه بشخصيته الحقيقية، و"مواطن ومخبر وحرامي" من إخراج داوود عبدالسيد، وظهر فيه بشخصية الحرامي، وغنى أغنية باسم الفيلم. كما شارك في بطولة فيلم "فلاح في الكونغرس" في 2002، من إخراج فهمي الشرقاوي.

ثم جاء الغزو الأمريكي للعراق في 2003، ليقدم شعبان عبدالرحيم أغنية تعكس كلماتها درجة أعمق من الوعي. هو نفس اللحن، وهي نفس الطريقة الغنائية التي اعتبرها شعبولا دليلًا على أنه "شعبي جدًا" أكثر من غيره من المطربين الشعبيين، لكن مع تشريح مركب للواقع، يقدمه لسمِّيعته ببساطة غير مخلّة في مجملها.

"كفاية بقى تلاكيك"، يتحدث شعبان عبدالرحيم إلى أمريكا، العدو القديم، ويهدده ضمنيًا: "خلاص الخلق ضاق"، والكورال من ورائه يصدح بـ"كفاية" لأول مرة. ويضع يده على التفاصيل، ببديهية بسيطة غير تبسيطية: "هننزع السلاح (النووي)؟ وماله، شيء جميل". لكن لو "هتفتش العراق، روح فتش إسرائيل"، حيث "سلاح دمار وشامل، موجود هناك كتير (أي لدى إسرائيل) والضرب عيني عينك، مبيحترموش كبير"، إذًا فـ"كفاية بقى تلاكيك"، أي أعذار واهية.

ووقع الغزو، رغم أن تقارير المفتشين أفادت بعدم وجود أسلحة دمار شامل، الأمر الذي اعترف به جورج بوش الابن في 2008، بعد الغزو بخمس سنوات، وعلق عليه شعبان عبدالرحيم أثناء الغزو في أغنيته: "تفتيش وفتشوها ما لقيوش سلاح دمار.. وبرضة بيضربوها بالليل والنهار".

وعندما أعلن الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب، في 2017، اعترافه بالقدس المحتلة عاصمة لإسرائيل، بنقل السفارة الأمريكية في إسرائيل إليها، أطلق شعبولا أيضًا أغنية تواكب الحدث: "ترامب خلاص اتجنن"، يصفه فيها بـ"الرذل" ويطالبه بالاعتزال لأنه "كبر خلاص"، أي فقد الأهلية، وهي إشارة أيضًا تعكس نظرة الشارع للعجوز إذا حَكم، كان يتردد صداها بقوة في الشارع المصري في أواخر عهد حسني مبارك.

اللافت في أغنية "ترامب خلاص اتجنن" هو التهديد المبطن لأمريكا ترامب بكوريا الشمالية، كون العرب أو "إحنا" "دلعناك"، لذلك "مفيش غير بس كوريا (الشمالية) هي اللي مأدباك.. مفيش غير كيم يونغ أون هو اللي بيقدر عليك"!

"بس خلاص"

صباح اليوم الثلاثاء، الثالث من كانون الأول/ديسمبر 2019، قال الفنان الشعبي المصري شعبان عبدالرحيم، كلمته الشهيرة في ختام أغانيه "بس خلاص"، لكن هذه المرة للدنيا، عن 62 عامًا، في إحدى مستشفيات القاهرة، بعد تدهور حالته الصحية.

وقبيل وفاته بأيام قليلة، ظهر شعبان عبدالرحيم للمرة الأخيرة على المسرح، محييًا حفلًا غنائيًا في السعودية، على كرسيّ متحرك، حيث كان قد تعرض لكسر في ساقه بعد أن نطحه خروف من ظهره.

عرّفت أغنية "أنا بكره إسرائيل" الناسَ على شعبان عبدالرحيم وكانت طريقه للعالمية، حتى وصمه سياسي يهودي بـ"راعٍ للكراهية"

وبحسب أسرته، تعرض شعبولا لوعكة صحية "بسيطة" عقب عودته من السعودية، ما لبث أن تفاقمت قبل أن يرحل عن الدنيا، دون ربط مباشر بين حادثة كسر الساق وبين وفاته.

 

اقرأ/ي أيضًا:

فنّ المهمشين في دولة الفضيلة.. معارك الإقصاء باسم القانون

كايروكي وحمو بيكا.. من يغني للشارع المصري؟