رحلة تخصص جامعي من الهندسة إلى المسرح!

رحلة تخصص جامعي من الهندسة إلى المسرح!

طالبة في بيروت (Getty)

بعد نهاية المرحلة الثانوية يستعد الطالب للانتقال إلى الدراسة الجامعية وأمامه لائحة تخصصات طويلة. وبسبب غياب التوجيه، يعيش الطالب حيرة اختيار تخصص يناسبه، بالنظر إلى الكم الهائل المتوافر من التخصصات. غالبًا، يكتشف الطلاب أن خيارهم لم يكن صائبًا.

غالبًا، يكتشف الطلاب أن اختيارهم التخصص الأكاديمي لم يكن صائبًا

بترا (20 عامًا)، تخرجت من الثانوية عام 2012، تقول :"كنت أريد أن أدرس التصميم الداخلي ولكن والدي أقنعني بأن الهندسة الزراعية خيار أفضل، وتتوافر فيه فرص عمل أكثر". هكذا تسجّلت بترا في كلية الزراعة والطب البيطري، في الجامعة اللبنانية في بيروت.. "لاكتشف أن هذا الاختصاص لا يشبهني"، في السنة اللاحقة عادت إلى البقاع ودخلت كلية الحقوق في زحلة، تحت ضغط من والدها أيضًا، ولم تنجح. أخيرًا، أقنعت بترا عائلتها بالتخصص الذي لطالما أحبته، "التصميم الداخلي"، وتسجّلت في جامعة خاصة.

من جهته، عاش حسين (22 عامًا) تجربة مشابهة. فبعد عدم تمكنه من اجتياز امتحان الدخول لكلية الهندسة في الجامعة اللبنانية، درس الأحياء في كلية العلوم الجامعة اللبنانية في البداية، كون الدخول إليها لا يستدعي إجراء امتحان دخول، ثم في السنة التالية غيّر تخصصه، درس إدراة الأعمال في جامعة الحكمة. لاحقًا، غيّر مرة أخرى تخصصه إلى هندسة الاتصالات في الجامعة الأنطونية. رحلة طويلة ووقت في الهواء. أما ليتيسيا (21 عامًا)، فدرست في سنتها الجامعية الأولى علم الأحياء في الجامعة اللبنانية، وتقول: "لم أحب هذا الاختصاص فبدأت أبحث عن اختصاصات بديلة حتى  قررت دخول معهد الفنون الجميلة لدراسة المسرح الذي يشبهني إلى حد كبير".

ضياع أم تعدد؟

السبب المشترك لتشتت الطلاب الثلاثة، والذين يشكلون عينة من مجتمع طلابي عريض، هو "النقص في الثقافة الضرورية لاختيار الاختصاص الأفضل". ليتيسيا وحسين يلقيان اللوم على "غياب التوجيه التربوي في المدرسة". أما بترا فتقول إن "عدم توافر معلومات تفصيلية عن كل اختصاص هو سبب أساسي لهذا الضياع".  

وتعتبر المختصة في علم النفس المدرسي، ماجدة ياسين، أن "طبيعة النظام المدرسي في لبنان يصنف التلاميذ على أساس مجموع العلامات التي يحصلها الفرد، من دون الالتفات إلى ما يحب الطالب القيام به وتشجيعه على ذلك". برأيها، غياب توجيه الطالب، منذ الصغر الثانوية حتى نهاية المرحلة الثانوية، إلى المجالات التي يبرع فيها، سينعكس سلبًا على توجهاته الجامعية، لأنه لا يعرف ماهي ميوله ومواهبه الفعلية. إلى ذلك، تأتي الضغوط من قبل الأهل لتزيد طين الضياع بلة. وهذا ما تؤكده ياسين: "بعض الأهل يرغبون بتحقيق طموحاتهم وأحلامهم من خلال أولادهم فيدفعونهم نحو دراسة اختصاصات لا تكون ضمن قدرات الطالب أو ميوله".

هذا ليس كل شيء. ثمة سبب آخر يضاف إلى اللائحة. بترا مثلًا، وقعت في مشكلة تعدد الاختصاص لأنها "أرادت أن تدرس تخصصًا متوافرًا في سوق العمل". لم تكن على دراية حقيقية بالمستقبل العملي للاختصاصات التي جربت دراستها. ترى ياسين أن عدم توافر دراسات واحصاءات عن حاجات سوق العمل هو جزء من المشكلة، لأن الطالب لا يعرف ماهية الاختصاصات التي لها مستقبل عمليّ في بلده.

يتحسر حسين على السنتين الضائعتين من عمره: "لو أنني درست منذ البداية هندسة الاتصالات لكانت السنة المقبلة هي سنة تخرجي"، على عكس بترا التي تعتبر أن "تعدد الاختصاصات تجربة أضافت لشخصيتها ونمّتها خاصة اختصاص الهندسة"، ولكنها لا تتردد بالقول إن "السنة التي أمضتها في كلية الحقوق كانت بلا جدوى". الأمر نفسه ينطبق على ليتيسيا التي ترى أنها خسرت سنة من حياتها الدراسية ولكنها غير نادمة لأنها اليوم تدرس ما تحب .

تجاوز تعقيدات اختيار التخصص الجامعي يبدأ من المدرسة

الحل راديكالي

تقترح ياسين العديد من الحلول التي من شأنها مساعدة الطالب في تحديد الخيارات الجامعية. البداية من المدراس، التي يتوجب عليها إنشاء ورشات عمل تحت اشراف مختصين نفسيين وتربويين، وذلك لتنمية مهارات ومواهب الطلاب منذ المراحل الدراسية الأولى، وهو الأمر الذي يساعدهم مستقبلًا على اختيار الاختصاص الملائم.

كذلك، تعتبر ياسين أنه وفي مجتمعات كمجتمعاتنا العربية، الأهل هم جزء من الحل. ينبغي أن ينظروا إلى أبنائهم باعتبارهم كيانات مستقلة، وأن يحترموا قراراتهم، من دون أن يكونوا تابعين لهم، مشددة على أن "يقتصر دور الأهل على النصح وحسب، من دون ممارسة الضغوط والإجبار"، ولا يفوتها التأكيد على ضرورة وجود إحصاءات متعلقة بسوق العمل، وهذه المسؤولية تقع على مراكز الأبحاث والدراسات الرسمية بالدرجة الأولى، فوجودها سيساهم في توجيه الطالب نحو اختصاصات موجودة بسوق العمل.

في المحصلة، ظاهرة تغيير الاختصاص المنتشرة بين الطلاب الجامعيين اللبنانيين، بمثابة مرآة لبلد غير مستقر، من جميع النواحي، وتاليًا من الناحية التربوية، وتؤدي إلى مراكمة متخرجين غير مدركين لصحة خياراتهم ولأهدافهم الحياتية، والتي تشكل الجامعة بوابةً رئيسة لها.