30-يناير-2017

(Getty) إبراهيم عيسى في جريدة الدستور، القاهرة 2007

بعدما أنهيت "رحلة الدم- القتلة الأوائل" (الكرمة، القاهرة 2016) لإبراهيم عيسى، عُدت للصفحات الأولى لأراجع الإهداء الذي لم أكن قد تبينته في البداية، فوجدته "هي لله". تبسمت وأنا أعود بظهري إلى الوراء وأتذكر المنافقين قتلة عثمان وهم يصرخون بذات الكلمة، وهم يحطمون أضلاعه ويبقرونه حسب الروايات!!

في روايته "رحلة الدم"، اعتمد إبراهيم عيسى على الروايات المكذوبة إسلاميًا

في بدايات المرحلة الثانوية بحثت طويلًا عن سيدي عمرو بن العاص ولم أوفّق في بحثي، حتى وجدت كتاب العقاد عنه فقرأته مرة واثنتين، وكرهت سيدي عمرو بن العاص! رأيته بعين غير التي كنت أرى بها بقية الصحابة.. لم أكن أعرف وقتها ما هي الأحاديث الموضوعة والصحيحة وغير الصحيحة ومناط الأخذ بها. استمر الأمر معي سنوات، حتى أدركت أن العقاد لم يكن يعتمد على اختيارات علمية دقيقة، ولا مؤكدة، ولم يكن يشغله الأخذ من محب أو كاره، ولا سُني أو شيعي. كان كل مايهمه إعداد مصدر تاريخي مليء بالحكايات، التي يفسر على أساسها شخصية الصحابي الجليل دون اعتبار إن كانت هذه الحكايات موثقة أم لا. وسقط العقاد من نظري كما سقط زيدان حين تحدث عن حكاية لأحد الصوفية، ثم ضحك وقال بأن السلفيين لايأخذون بها لضعف الرواة، وعدم معقولية الحدوث، ولكن هذا لا يهمه وجل ما يهمه هي الحكاية نفسها.

اقرأ/ي أيضًا: جورج ر. ر. مارتن: صنعة البستانيّ

وهذا مافعله إبراهيم عيسى بالضبط، اعتمد على الروايات غير المحققة، والمكذوبة، حتى يستطيع أن يجمع هذا العمل ما بين دفتي 700 صفحة، ويجرد الحكايات من مصداقيتها مقابل أن يصنع عمله الأهم في رأيي في سلسلة ضربه على قيم المجتمع وأفكاره، كما يعتقد في أن تلك الزعزعة هي ما ستقيم الأمر وتقومه. 

الأشد من اعتماده على الروايات المكذوبة هو إضافاته الفلفلية التخيلية عن العلاقات والحوارات البسيطة والساذجة ما بين الأبطال لتسخين أجواء الرواية، وإعطائها بعض المصداقية البشرية في الأخذ. عيسى في الكتابة والحكي واللغة، لا نستطيع وصفه إلا أنه سيل هادر ومنطلق.. يمتلك كمًا هائلًا من المترادفات والمتضادات ويستعملها بأسلوب قوي، بل شديد القوة والثراء لأنه مع كثرتها فهو يستخدم المعاني الأقرب للقارئ أيضًا فلا يرهقه بالبحث والتمحيص في معاني أو خلافه، بل يزيد من حصيلة القارئ من مترادفات الكلمة بسبب اعتياد القراء على قراءته وفهمه لما يريد شرحه وإسهابه فيه، بل إنه يؤثر على بقوة مفرداته وتعبيراته ويترك فيه (القارئ) أثرًا ملموسًا في حكاياته بعد ذلك.

هنا سقط عيسى في فخ تسطيح الشخصيات كأفلام الأبيض والأسود المصرية تمامًا. كانت رغبته في أن يظهر فجاجة الشخصية العربية البدوية وصلافتها الواضحة، وأن يظهر الشخصيات بأنهم بشريون تمامًا، وأن يُظهر أن نزعتهم الربانية ما هي إلا وهم اختلقه الشيوخ والدينيون، فلم يكن محايدًا أبدًا في توصيف الشخصيات، بل وكما قلنا سقط في فخ التسطيح الأحادي فجعل الشخصيات إما ساذجًا قحًا، وإما عميقًا وإما شريرًا وإما طيبًا مستكينًا. كل شخصية كانت تحمل بعدًا واضحًا، وكأننا أمام قصة للأطفال بلا أي عمق فكري أو إنساني، وهذا مايهدم أي عمل روائي.

ظهر تسطيحه للشخصيات بشدة في تناوله لحُفاظ القرآن، حين وصفهم في فهمهم وعلاقاتهم وأخذهم للأمور بأنهم حفاظ لا يفهمون ولا يتعمقون، ولكنهم يأخذون الأمور كما يقرؤونها دون فهم ولا محاولة الفهم. وحتى من يحاولون أن يشرحوا لهم يسأمون من ضيق عقولهم وعدم فهمهم، ولا استعدادهم للفهم، وكأن حفظ القرآن يغلق على الفرد إعمال العقل، وهذا إن كان يحدث بنسب فلا نستطيع أن نُصدر كل الشخصيات في نفس الرواية، بذات التيمة والرؤية، وإلا كان سقوطًا في بنية الرواية وتهتيكًا لها.

سقط عيسى في فخ تسطيح الشخصيات كأفلام الأبيض والأسود المصرية تمامًا

عرقه المصري "نَفر" عليه في شخصية صالح القبطي، والمصريون المتواجدون بشكل عام حيث أظهرهم دومًا هم المتسامحون والمتفهمون والطيبون، والذين لا يختلف أحد في الحبكة على مصداقيتهم وطيبة عنصرهم، ومرادهم من الحياة.

اقرأ/ي أيضًا: نهلة كرم.. الموت وأشباحه

في النهاية لا تصلح أن تُسمي العمل تأريخيًا لتلك الفترة، لكنه مجرد قصص وحكايات عن مجموعة من الشخصيات التي سطحها الكاتب، وربطها بشخصيات حقيقية لتكون أكثر إثارة ومدعاة لتهييج آراء الناس، ولكنها تبتعد عن الحياد في تكوين الرأي، وفي التأصيل لكل شخصية من حيث موافقتها ومعارضتها ورغباتها. ابتعد عن العلاقة الدينية تمامًا لكل شخصية وتأثيرها على مواقفها واستدعاءاتها في الأحداث وادعى أنه يتعامل مع بشرية الصفات فقط ليشرح أسباب ما فعلوا، وما حدث ولكنه سقط في فخ الوجه الواحد للشخصية، فظلت روايته رواية مسلية ومفخخة بالأحداث الجسيمة والمشاعر المحببة، التي تمس العواطف، لكنها أبدًا ليست رواية محققة مقاربة لأي طالب للمعرفة أو لشبه الحقيقة.

الغريب ألا يعتقد بوجود عبد الله بن سبأ، أحد أقرب الناس إليه.

 

اقرأ/ي أيضًا:

صدر وعتبة "ويكيبيديا" لي

لماذا يغيب الرئيس المصري عن معرض الكتاب؟