رجل الحقيبة

رجل الحقيبة

تشيهارو شيوتا/ اليابان

توقف القطار في محطته الأخيرة، ووجدتني على الرصيف وسط حشد من الغرباء بملامحهم التقليدية وخطواتهم السريعة، تأملت الممر الضيق الطويل المؤدي إلى الخارج وقررت حمل حقيبتي، فهي خفيفة ولا أحتاج استعمال عجلاتها في هذا الزحام. 

تقدمت قليلًا فجذبني صوت عنيف من الخلف، التفتنا جميعًا إلى مصدر الصوت وكان لعجلات حقيبة كبيرة يجرها رجل تبدو عليه علامات التعب والإنهاك كحقيبته، نظرنا نحوه فتوقف وبادلنا النظر، وزّع نظراته بيننا وبين حقيبته ولم يتحرك لثوان، حاول جر حقيبته مرة أخرى فأصدرت نفس الصوت المزعج المباغت، فتحولت إليه الأنظار للمرة الثانية، وقف الرجل وحاول حمل حقيبته وفشل.

توقفت لمشاهدة الرجل، رأيته يفتح الحقيبة الكبيرة ويخرج منها بعض الحجارة والرمال والأحذية البالية، ومجلدًا ضخمًا أسود اللون، ويضعها بعناية على الرصيف. حاول حمل حقيبته وفشل مرة أخرى، استسلم حينها لجر الحقيبة وسط صراخ العجلات وصراخ الدم في وجهه. تابع السير لخطوات قليلة، مقلبًا نظره بين الطريق أمامه تارةً، وبين ما تركه على الرصيف تارةً أخرى، بينما تكسوه ملامح التوتر والشعور بالحرج، أو هكذا رأيت. 

عدت إليه وعرضت عليه المساعدة، وضعت الأحمال التي تخفف منها في حقيبتي وسرت إلى جواره، أردت بذلك رفع الحرج عنه، أو على الأقل مشاركته في ذلك، إذ لن يتم تصويب النظرات إليه وحده بينما أجر حقيبتي بمحاذاته، سرت إلى جانبه متصنعًا الضيق من حقيبتي كلما التفت لنا أحدهم، نظرت له مبتسمًا فبادلني الابتسام متصنعًا الارتياح، لعله فهم اللعبة وقبض على مقصدي، أخبرته باسمي وسألته عن اسمه، قلت له: "إن الشعور بالحرج خطأ كبير، هؤلاء جميعًا بلا ذاكرة يا أستاذ، هل تظن هذا الذي خلفنا يذكر أول قصة حب في حياته ليتذكر غريبًا بحقيبة بالية التقاه في محطة قطار؟ أو هذا الذي بالخلف، يذكر مذاق أول قبلة وأول محاولة للغزل أو أي شيء؟ هؤلاء جميعًا بلا ذاكرة، هذا مؤلم حقًا، خاصة بالنسبة لأمثالنا ممن تعذبهم الذكرى ولا تنفعهم، لكن علينا على الأقل استغلال ذلك والمراهنة على النسيان.. وألا نشعر بالحرج".

نظرت ليميني فوجدته قد توقف وجلس على ركبتيه وفتح حقيبته الضخمة، قال محتجًا: "لا لا.. نحن نتذكر كل شيء، انظر معي هنا، هذا الحجر أول من شهد قصة حبي لها، حينها كتبت لها أحبك ورسمت لها فراشة بقلم الكحل الخاص بها وسجلت التوقيت والتاريخ، وهذا الدفتر كان صديقي الوحيد الذي أقص عليه تطورات علاقتي بها فلا يحاكمني أو يوبخني بغلظة كما يفعل الآخرون، أما الرمال فهي لتلك البقعة من شاطئ المعمورة الذي شهد أول قبلة لنا، كلنا لدينا ذاكرة.. نحن لا ننسى أبدًا، أنا لا أقبل هذا الكلام، أبعد كل هذا العمر تقول أننا بلا ذاكرة.. وهل قتلنا غيرها؟ هل يقتلنا غيرها؟".

أحسست بسخافة ما تفوهت به، فأخبرته، كمحاولة لتغيير الموضوع، أنني أسبقه لهذا السبب، فحقيبته ما تزال ثقيلة، طلبت منه وضع المزيد في حقيبتي وفعل. وكرر ذلك بعدها عدة مرات إلى أن أصبحت حقيبتي ثقيلة للغاية! صار الرجل يسبقني بخطوات تزيد لتكون أمتارًا، يسبقني ويبتعد ولا ينظر خلفه إلى هذا المسكين الذي يجر حقيبته، ولو لمرة واحدة! 

اختفى وسط الزحام كأنه نسي أمري وأمر ما أحمله له، قلت لنفسي كيف ينسى ولا يوجد في حقيبتي غيره؟ لكنه عاد بعد ذلك، عاد ليضع حقيبته بجانبي ويخبرني بحاجته للتبول والسير بأسرع ما يمكنه. لما أشرت له بالموافقة فتح حقيبته وأخرج منها نموذجًا مصممًا لأريكة صغيرة، وقال: "سامحني، هذه الأريكة هي أهم ما لدي، لقد صنعتها بنفسي في نصف شهر عندما كنت أخطط للبيت الذي سأعيش فيه معها، اعذرني.. أخشى أن تضيع، فهي كل ما لدي.. وشكرا يا أستاذ أأ.. أأ".
قلت : أليس لي حظ من ذاكرتك؟
فقال "سامحني.. أنا لا أذكر كل شيء"، وأعطاني ظهره وانصرف.

 

اقرأ/ي أيضًا:

السابع من نيسان

راية فوق قبر