رثاء متعثر بالضحايا

رثاء متعثر بالضحايا

طفلة تفتش في أنقاض بيت قرب صنعاء (Getty)

اهتز المكان وصحوت على صوت انفجار مروع، صرخت امرأة بالويل "ولدي.. أسعفوا ولدي"، صرخ رجل "إسعاف.. اطلبوا الإسعاف" نطقت الأم مبحوحة الصوت "ماء.. شربة ماء". قالت جارتنا العجوز التي كانت ترقب المشهد من النافذة" انشطرت جمجمة الفتى وطارت كقبعة، جزء من دماغه ارتطم بنافذتي.. كان الفتى المراهق يسير مع والدته في الشارع حين سقطت قذيفة الهاون ومزقت شظاياها أحشاءه ورأسه، وأسقطت شابين على دراجة نارية كانا يعبران في الشارع، وأصابت طفلًا من النازحين المقيمين في الدكان المقابل للبيت.

قالت العجوز: انشطرت جمجمة الفتى وطارت كقبعة، جزء من دماغه ارتطم بنافذتي

تبعد هذه القذيفة ثلاثين مترًا، ولحسن الحظ أنها سقطت صباحًا حيث كانت اﻷركان خالية من الشباب اليائسين الذين يسهرون كل ليلة بالعشرات في اﻷرصفة المتاخمة، يمضغون القات ويلعنون البلد والحياة وأنفسهم.

خلال يومين سبقت هذا الحدث وإلى اليوم سقطت عشرات القذائف على حينا المزدحم بالسكان المدنيين، أقربها تبعد عن الجدار الذي أتكئ عليه اﻵن بمقدار متر ونصف، وأسقطت بلكونة جارنا التي دحضت عنا اﻷذى، على بعد ثلاثين مترًا في الاتجاه المقابل سقطت قذيفتان على سطح منزل أحد الجيران ولم يصب أحد من أسرته، غير أن ابنة جاره القريب ذات العشرين ونيف طار نصف وجهها بسبب الشظايا التي لفحتها في غرفتها فيما كانت تتفحص ملابس العيد الذي بعد عنا لساعات وعنها إلى يوم الدين.

في ذات التوقيت، وعلى بعد نصف كيلو متر تقريبًا، سقطت قذيفة هاون على سوق ملابس مكتظ بالأطفال والنساء المتأهبين للعيد، ترك عبود زبائنه في صالون الحلاقة الذي يملكه قرب مكان الحادثة، وهرع لإسعاف ضحايا، بعد نقل الضحية اﻷولى، عاد عبود لنقل اﻷخرى، لكن قذيفة تالية نقلتهما وآخرين إلى اﻵخرة ليبلغ ضحايا الحادثة اثني عشر شهيدًا وعشرات آخرين أغلبهم من النساء واﻷطفال كما تقول اﻷرقام التي ستظل أولية إلى ما شاء الله.

التاسعة من صباح العيد، وعلى بعد خمسمائة متر أخرى في الاتجاه المقابل قتل ثلاثة عشر شخصا بقذيفة سقطت على شارع التحرير قرب سوق صغير لبيع المواشي بينهم خمسة أطفال ومدير شركة مياه محلية ومقاول في التسعين كان ينتوي إجراء عملية لركبته اليسرى.

 إذ أصبح كلنا في "الموت" شرق.. فلنقتسم معًا ما تيسر من الرثاء

هذا فقط ما طرأ على بالي وأنا أكتب مقالًا كهذا عن أصدقاء أفجع بمقتلهم يومًا فآخر، يأتي نبأ مقتل صديق وسط كومة أشلاء لأناس أراهم وأسمعهم وأعيشهم يموتون هنا، تحت ناظري أو أجل انتظاري. يسرقني هذا التداعي عن استشهاد جلال عبد الباسط، الذي عرفته وعرفته ثورة فبراير خدومًا حيويًا، مفتول البنية والقلب طفولة وتفاؤلًا، يسرقني هؤلاء الجيران عن نبيل العبادي الإعلامي الشاب والخجول الذي قسرته عاطفته النبيلة لينظم للمقاومة، رغم ولع اﻷب الذي خرّ صريعًا بعد استشهاده، ولهف اﻷخ الذي راح في غيبوبة واﻷم التي لا علم عنها.

يسرقني هذا التداعي المر، عن فجيعتي بالعشرات من أصدقائي الذين قتلتهم هذه الحرب وتلك الثورة وما بينهما من وطن زعاف يفتك بخيرة أبنائه. اعذروني يا أصدقاء.. ففي طريقي إلى رثائكم أتعثر بعشرات الضحايا الذين أحاكي مقتلهم، وأحيا هلاكهم. لم يميز القاتل نبلكم وعظمتكم، عن بساطتهم ومسكنتهم، فلا نميز نحن إذ أصبح كلنا في "الموت" شرق. فلنقتسم معًا ما تيسر من الرثاء.

اقرأ/ي للكاتب:

إبراهيم الحمدي.. الزعيم الأسطورة

الحوثيون والكلاب