رثاء لأشياء فقدناها

رثاء لأشياء فقدناها

غرافيتي لـ بانسكي

عزيزتي نور، ربما لأنني شاعر، أو على الأقل أدعي ذلك في مكان ما من مخيلتي؛ أعرف جيدًا كم هو سخيف أن يكتب المرء مقالًا عن كتاب، وخاصة إذا كان الكتاب لا يحتوي سوى القصائد. بل إنني أمقت الفكرة لدرجة الاشمئزاز، وأرى أن كل ما يكتب من مقالات يمتدح فيها كتاب أو يذم، تشبه أوراق النعي تلك التي لا طائل منها سوى الإدلاء بمعلومات افتراضية لا تقدم ولا تؤخر. وذلك لأن الشعر ليس موتًا تقليديًا يستوجب توزيع أوراق نعي له، بل انتحار، وكلانا يؤمن أن الانتحار مختلف تمامًا عن الموت، فمن جماليات الانتحار أن العالم لا يستطيع أن يلوم مرتكبه، ولا يملك أن يغير من قراره شيئًا، أو يضيف عليه أو ينقص منه شيئًا، وكأن المنتحر يقول لهذا العالم جملة واحدة: أنا لم أعد هنا.

لقد قرأت الكتاب كله في المقهى الذي أعمل فيه، لأنني لا أملك الكثير من الوقت كما تعلمين، وقد يخصم ذلك الوقت من راتبي لأنني محاط بكاميرات المراقبة، لكن لا عليك، سأعتبر أنني اقتنيت الكتاب من مكتبة، ودفعت ثمنه، أما الإهداء سأبقي عليه سرًا، وتلك رغبة لم أجد لها تفسيرًا منطقيًا، سوى ما أكنه لك من مشاعر يتيمة في داخلي. 

وما زلت مصرًا على رأيي. لن أكتب شيئًا عن محتوى الكتاب، ولكنني رأيت أنها فرصة للبحث عن تفاسير لما أحس به تجاهك، وما أحسست به بعد أن تجرأت أخيرًا وقمتي بنشر تلك القصائد. 

"أردتك عندما رحلت" عنوان بائس. ولكنني لا أخفي عليك أنني أحببته. لأنه وللوهلة الأولى جرّ مخيلتي الى فهم ماهية الشاعر في دواخلنا. ذلك الساذج الذي لا يترك حماقة إلا ويقحمنا بها، كأن نتعلق بالأشياء فور رحيلها. فيتركنا لمصير أشبه بمصير ذلك الصبي المبتور الأرجل، الذي شاهدناه معا في شارع الحمراء، والذي يقضي نهاره يتفرج على خطا المارة، ثم لا يخطو خطوة واحدة.

قرأت القصيدة الأخيرة "المدينة الطائشة" عدة مرات، وفي المرة الأخيرة اقتنعت بأن بيروت فعلًا أصغر من حبة القمح.

لم تزعجني كثيرا تلك الدلالات العاطفية في غالبية النصوص، وذلك لأنني اكتفيت بالتفكير من زاوية واحدة، وهي أن الشاعر غالبًا ما يكون إشارة مرور في شارع لا سيارات فيه ولا مشاة، يضيء وينطفئ دونما سبب أو فائدة، فكل الذين مرت أسماؤهم بين تلك السطور لا وجود لهم، على الأقل عندما نلتقي. 

عزيزتي نور، ابتسمي كلما جئتِ وأحضري معك ذلك القلق كله، وتلك المواعيد التي لطالما فشلنا في ترتيبها، ولا تنسي عينيك الواسعتين في المصعد، أو في "الفان رقم 4"، فكلانا بحاجة إليهما، لكي تلقي نظراتك الخاطفة إلى الشارع من على طاولة المقهى، وأنتهز أنا الفرصة للنظر إليهما. هذه التفاصيل الصغيرة هي التي يتشكل منها العالم حولنا، ولعلنا كغيرنا من الشعراء، قارب مليء بالثقوب، مربوط قرب الشاطئ، ستنتهي حياته وهو يحلم بالإبحار.

 

اقرأ/ي أيضًا:

ابن اللّيل

كآخر غريبٍ في المحطّة