ultracheck
  1. قول

رثاء الأشياء الصغيرة

19 نوفمبر 2015
شارع في طهران (Getty)
رائد وحش رائد وحش

نعيش في عالم تصنعه الغيابات، أشياء كثيرة تواصل اختفاءها أكثر مما تواصل عيشَ حياتها. مفهومٌ للجميع لماذا اختفت الآلة الكاتبة، ولماذا تقلّص حضور الكمبيوتر المكتبيّ، الذي ربما سيصبح قريبًا جدًّا من كلاسيكيات عصر التكنولوجيا. لكنّ من غير المفهوم أنّ اللابتوب نفسه بات مهددًا أمام طغيان الأجهزة أخفّ حملًا وأكثر عملية. يبدو أن لعنة التطوّر تريد أن تضع لمستها، فكما تفعل كل شيء بسرعة، صار على حياة الأشياء أيضًا أن تصير قصيرة وعابرة.

البريد فقط هو من كان يجعل الانتظار جميلًا. بعده، كما قبله، عاد الانتظار لعنة إنسانية لا تطاق

اختفت الصّور الفوتوغرافية مفسحةً المجال لحضور الصور الرقمية، سهلة الالتقاط والتناقل، لكنّ الكارثة أنّ هذا الجديد ولّد استخفافًا بالماضي، فالألبومات الشخصية والعائلية التي جمعتها سنواتٌ من الحياة المشتركة، وباتت بمثابة تدوين تاريخي بصري للعائلة، باتت لدى البعض موضةً انتهى زمنها.

اختفت شرائط الكاسيت في المسجّلات، اختفت المسجّلات أيضًا. اختفت شرائط الفيديو "في إتش إس"، كما اختفت أجهزة عرض الفيديو كذلك. ثم وصلنا إلى عصر القرص المرن "فلوبي ديسك" الذي لم يطب له المقام عندنا وسرعان ما مضى تاركًا ذكرى صغيرة، باتت غير مفهومة لدى كثير من الناس، وهي ما يوضحها حوار أب يرفع "فلوبي ديسك" في وجه ابنه ويسأله واثقًا من أن الفتى لن يعرف: "هل تعرف ما هذا؟"، فيجيبه: "هذه علامة الحفظ في نظام ويندز".

السي دي لم يعد مهمًا ولا الدي في دي إلا في ما يخصّ الأفلام والبرامج، لأنّ الإيميل والفلاشة، أو وحدة الذاكرة USB، قد أطاحا بهما شرّ إطاحة.

اختفى البريد والرسائل والساعي. عصر كامل من الوله بات على قائمة الفراديس المفقودة. بين كل الاختفاءات التي أحدثها عصرنا تبقى هذه هي الأكثر قسوة والأكثر مرارةً والخسارة التي لا تعوّض، فلا مقارنة بين المكاتيب من جهة، والإيميلات والـ SMS ودردشات واتساب من جهة أخرى. تلك خسارة للروح والحواس في آن. البريد فقط هو من كان يجعل الانتظار جميلًا. بعده، كما قبله، عاد الانتظار لعنة إنسانية لا تطاق.

القلم في خطر. ثمة حرب وطيس بينه وبين الكيبورد لكنها لم تحسم بعد. النتائج الأولية تقول إن كيبوردات اللابتوب والموبايل والآيباد.. إلخ، تتقدم فيما يخسر القلم مواقعه. صحيح أن انتصار الكيبورد عزّز مكانة الإملاء بين الناس، حيث اقتناءهم هاتفًا ذكيًّا يحتّم عليهم التواصل كتابةً في برنامج الدردشة، ما يعني أنهم يحسنون كتابتهم مع الوقت، بينما على عهد القلم الذي لم يكن ضروريًا للجميع كانت تهديد الأمية لمن يعرف القراءة والكتابة من البسطاء أكبر، لأنهم سينسونها من قلة الاستعمال. فليذهب القلم وليأتِ الكيبورد.. لا مشكلة في الأداة، المشكلة فقط أننا نخسر جمال الخطوط. قيل "الخط لسان اليد"، الأيدي التي تتقافز أصابعها على شاشات الهواتف الذكية باتت شبه خرساء.

الموبايل هو الأداة الغول، استولى على مهمات غالبية أسلافه: الهاتف والرسالة البريدية وكاميرتي الفيديو والفوتوغراف والمسجّلة والبوصلة.. إلخ، والآن يكاد يكون الشخص نفسه. يكفي أن تعرف رقم شخص لكي تصل إليه، صار الموبايل، بمعنى أو آخر، هو عنوان الإنسان، وبالنسبة لحامله هو الشخص نفسه.

المول أطاح بالسوق. السوبرماركت أحال الدكاكين إلى التقاعد. ماكينات القهوة تخوض حرب تطهير عرقي ضد الركوات والدِّلِال. التكنولوجيا تتقدم، ووحده الإنسان من يخسر.

اقرأ/ي أيضًا:

دشداشة أول العمر

في مقهى المحطة

كلمات مفتاحية
الجيش السوري

الجيش السوري ومعارك اليمن: لماذا تتجاوز الحرب قدرات دمشق؟

تضع التقارير المتداولة عن طلب سعودي محتمل لإرسال جنود سوريين إلى اليمن مسألة الجاهزية العسكرية السورية أمام اختبار يتجاوز حجم القوات وأعداد الفرق المعلنة

احتجاجات الطلاب في فرنسا

عن غضب المدارس الفرنسية والمصعد الاجتماعي المكسور

لم تكن الإغلاقات والمظاهرات الطلابية الحاشدة التي شهدتها باريس والمحافظات الفرنسية مؤخرًا سوى شرارة لأزمة أعمق تتسارع تفاصيلها في الشارع

أم درمان

السودان وأسئلة ما بعد الحرب.. معالجة الآثار أم أسبابها؟

تتقاطع رؤية غراس الساخرة بشكل صارخ مع واقع السودان اليوم، وما ينتظره عند وضع الحرب أوزارها

كأس أمم أفريقيا
رياضة

نهائي أمم أفريقيا أمام "كاس".. هل يبقى اللقب في المغرب أم يعود إلى السنغال؟

النتيجة النهائية ستحدد ما إذا كان لقب أمم أفريقيا سيبقى للمغرب استنادًا إلى قرار "كاف"، أم أن "كاس" ستلغي القرار وتعيد الاعتبار إلى النتيجة التي انتهى إليها النهائي على أرض الملعب

النفط
أعمال

هامش الأمان يتقلّص.. العالم يقترب من استنزاف مخزونه النفطي الاحتياطي

أقل من 6 مليارات برميل من المخزونات التجارية النفطية لا تزال موجودة عالميًا، والجزء الأكبر منها غير متاح عمليًا للاستخدام الفوري

نوبل
علوم

جائزة نوبل للكيمياء.. عالمان يحلان لغزًا عمره أكثر من قرن

فاز العالمان الفرنسي هنري كاغان والياباني كينسو سواي بجائزة نوبل للكيمياء لعام 2026، تقديرًا لاكتشافاتهما المتعلقة بالتأثيرات غير الخطية والتحفيز الذاتي في التخليق العضوي غير المتناظر

صورة تعبيرية
تكنولوجيا

تصاعد مقلق.. الذكاء الاصطناعي يوسّع إنتاج مواد الاعتداء على الأطفال

لا تكمن المشكلة في كمية المحتوى وحدها، بل في سهولة إنتاجه وتعديله باستخدام أدوات أصبحت متاحة على نطاق أوسع