رامبرانت.. يوميات المرح والاضطهاد

رامبرانت.. يوميات المرح والاضطهاد

(Getty) رامبرانت، بورتريه ذاتي

يعتبر الرسام الهولندي رامبرانت (1606 – 1669) من أشهر الرسامين الذين ساهموا في النهضة الفنية الأوروبية في القرن الـ16 حتى أصبحت لوحاته من الأعمال الخالدة في عالمنا المعاصر، وتكمن تلك الأهمية عبر إضفائه قراءته الخاصة للضوء والظلال عليها تاركًا حرية الحركة للألوان، وتحولت لأهم الإضاءات المعتمدة في السينما، واستخدمها العديد من المخرجين.

تكمن أهمية رامبرانت في إضفائه قراءته الخاصة للضوء والظلال في اللوحة

ما دفعنا لاستعادة الحديث في هذه المقدمة كان محرضه "يوميات رامبرانت" (ترجمة ياسين طه حافظ، المدى 2016)، والتي كتبها صاحب "عودة الابن الضال" خلال عام 1661، وهي الفترة التي كان فيها مفلسًا بسبب الكساد الاقتصادي الذي ضرب هولندا، ودفعته بالانتقال للعيش في إحدى المناطق الفقيرة بعد بيعه لجميع ممتلكاته، وأعماله الفنية بأسعار رخيصة حتى يسدد ديونه.

اقرأ/ي أيضًا: مارك شاجال.. ضد الجاذبية

تأخذنا اليوميات إلى تفاصيل حياة رامبرانت الفنان العاشق، المؤمن، العطوف، عاكسًا تفاصيل حياته الداخلية المفعمة بالحب لأطفاله وزوجتيه، ساسيكا المتوفاة عام 1640، وهندريكشه التي تحولت لخليلته، وصورها في عدد من الأعمال، وأصبحت بعدها زوجته، يقول رامبرانت عن نفسه: "أنا أومن بالحرية ودائمًا ما أنالها (...) لي يقينياتي، مخاوفي واحتياجاتي... لي جُبني وكسلي ورخاوة هذا اللحم البشري علي... لي تبجحاتي العالية وتذمراتي وتطرفاتي وما أزال بعواطفي وأحلامي وفورات أحاسيسي، التي أثور ضدها أحيانًا، وأحيانًا استسلم لها... نعم، أنا هكذا نعم".

يصف رامبرانت مشاهد الإعدام شنقًا المنفذة بشكل كبير في تلك الحقبة في يومياته بأنها "مشهد موجع" فهو رأى الكثير منها، وقام برسمها إلا أنها في النهاية لم تكن غير "امتهان لمشاعر الإنسان، لمحبته" جعلته يتمنى رؤية "إنسانًا بجناحين"، في تدوينة آخر يستعرض أسماء رسامين إيطاليين تأثر بهم مثل رافائيل وكارافاجيو، فهو يقول عنهم: "أُفعمت دهشة من أولئك الذين سلكوا الطريق قبلي والذين أقتفي أثرهم الآن".

تعكس اليوميات في صفحاتها حياة الفنانين الخالدين الذين كانوا يكابدون للحصول على المال من أجل الاستمرار في أعمال جديدة، ما أودى بهم للعمل على تدريس الأطفال مختلف الفنون بحسب اختصاصاتهم، نكتشفها مع رامبرانت حين ذهب لتدريس أحد الأطفال الفاقدين للموهبة، يقول عن أحد طلابه: "... هذا لا يعني أني أفضل صحبته مطفأ النباهة هذا مثلما أُفضل أُجوره. هو ابن رجل ثري وكان يدفع جيدًا. أما بالنسبة لموهبته، فليس هنا ما يدفع للبكاء على افتقادها".

الكساد الاقتصادي الذي ضرب هولندا في تلك الفترة من ضمنها أمستردام مكان إقامة رامبرانت، جعلته يعمل على رسم "فتيات من أولئك اللائي يدفعنّ لتعانقهنّ" كونه كان من ضمن الشروط التي فرضها قبل بدء العمل رغم أنه لم يكن "تجاريًا"، لأنه في النهاية "لكي تكون رسامًا تحتاج أيضًا إلى يدين قويتين مثلهما. تحتاج إلى باصرة وقلب قوي"، حتى أنه يصف لوحاته في 23 أيار/ مايو بعد مشاهدته لهندريشكة، وتسجيل أنه عليه رسمها مثلما رآها "أنا اكتسح المشكلة باللون أمسحها كأي خط غير مرغوب فيه، أُغيبها كأي موضوع لا أهمية له".

جاءت علاقة رامبرانت مع الألوان من الأرض، كما يقول في يومياته

عندما يلتقي رامبرانت مع طلبته أول ما ينظر إليه عيونهم وأيديهم قبل أن يصغي لما يقولونه، كما أنه عانى كثيرًا من بعض الطلاب الذين أخذوا ما قدمه لهم وباعوه "متباهين مهاراتهم وأرواحهم ليرضوا الذوق العام"، ومنهم من وضع لوحاته إلى جانب لوحات رامبرانت حتى يحصلوا على مبلغ أفضل، ما جعله موضع تساؤل "كيف يميز المشترون الاختلاف فهذا ما يقطع أنفاسي حتى اليوم".

اقرأ/ي أيضًا: غرنيكا.. اللوحة التي ألهمت العالم

نعيش في اليوميات لا تفاصيل رامبرانت الرسام فقط، إنما الشاعر العاشق لزوجته الثانية التي خلدها مثل الأولى في بعض أعماله، وذكرها قليلًا في بعض الصفحات مع الإشارة لتجنب الحديث عنها بسبب ما يشعر من ألم، أما هندريكشة فيقول عنها: "تنام/ ذراعها حول رأسها/ مثل هالة/ إحدى يديها/ مشدودة القبضة/ إبهامها إلى الداخل/ اليد الأخرى/ مبسوطة/ مستسلمة ناعمة/ لهما شخصية مزدوجة/ مثلما/ لقلم الفحم/ سأذهب وأُقبل/ راحة يدها/ فأنا أعرف/ شذّاها/ الدافئ/ العفيف/ الناعم"، وفي الـ15 من أيلول/ سبتمبر  يعود ليكتب عن هندريكشة بعد ممارستهما الجنس بكلمات حميمية يصف ما عاشه معها بأن "حبها ليس خطيئة. مشاركتي لها حياتها ليست خطيئة (...) أول مرة ضاجعتها حين كانت خادمتي ثم صارت خليلتي. الآن نحن متساويان".

خلال اليوميات المدونة نكتشف أن علاقة رامبرانت مع الألوان جاءت من "الأرض التي نأتي كلنا منها. تتحول مما كان ينمو في رحم أرضنا، إلى ألوان حيّة (...) هي تتم بمهارة الإنسان، مهارته هي التي تحدث التغيير"، هذه العلاقة مع الأصباغ اللونية دفعته للكتابة في وصيته بعد وفاته بأن توضع فرشاة الرسم والأصباغ الزيتية عند قدميه، وعند رأسه قطع واسعة من أقمشة الرسم لأنها تلك هي إشارات التقى والإخلاص في نفسه، إذ يرى أنه عند الرسم "نحتاج إلى مسامير لخامات الرسم، نحتاج لأصباغ زيتية نحتاج لشموع من شمع لا من شحم. نحتاج إلى يد أقوى وقلب أنقى".

آخر تدوينة في اليوميات يرجع تاريخها لـ31 كانون الأول/ ديسمبر، وبها تنتهي تفاصيل عام كامل نعيشها مع رامبرانت في إحدى المناطق الفقيرة بأمستردام حيثُ كان يقيم، وذات الحقبة التي كانوا فيها "ينظرون للفنان نظرتهم للحلاق وصانع الكراسي أو للفتاة التي تسوي ياقات الرجل الثري"، ولهذا ربما عاش حياته "لم يكف عن قياس الفرح المر بالاضطهاد، وكما لو أن الحرمان من الأبدي لم يكن إلا واعيًا مؤسفًا أكثر بنهايتنا".

 

اقرأ/ي أيضًا:

فهد الحلبي.. فنان على الحافة

عبد الرزاق شبلوط.. الأشياء كما هي