ultracheck
  1. قول

رئيس العالم.. مرحبًا أيها الإمبراطور

26 يناير 2026
مجلس السلام
مجلس السلام (الترا صوت)
رائد وحش رائد وحش

قيلت العبارة في دمشق وجرى تطبيقها في واشنطن.

حدث ذلك تحت قبة البرلمان السوري، حين نهض برلمانيّ اشتُهر بامتلاكه محطة وقود أكثر مما اشتهر بموقف أو فكرة، وقال لرأس النظام، الذي سيهرب لاحقًا بطائرة روسية، إنه قليل جدًّا عليه أن يحكم سوريا، والأصحّ هو أن يحكم العالم.

انتهى الشخصان لكنّ الفكرة لم تنته. دارت في أرجاء العالم. تجولت في غرف صناعة القرار السياسي، عاينت أبرز الفاعلين السياسيين في هذه المعمورة، وبعد تفكير طويل ألقت بنفسها على من سيصبح رئيس الولايات المتحدة، والذي لم يُخفِ يومًا شهوته لامتلاك كل شيء: دونالد ترامب.

ومنذ تبنّى تلك الفكرة، انتظر طويلًا للإعلان عنها، مثلما انتظرتْ حتى عثرت عليه، إلى أن وجد في حرب الإبادة على غزة فرصته المثالية لإطلاقها، وبدا ذلك حكيمًا للغاية، فبحجة إيقاف إطلاق النار، وتحرير المحتجزين الإسرائيليين، وإعادة الإعمار، أمكن تسويق تأسيس مجلس السلام على أنه سينهي الحرب، ويشرف على تنفيذ بنود الاتفاق الذي توصل إليه الجميع بصعوبة.

لكن إطلاق المجلس الفعليّ لم يأت إلا بعد أن قصفت الولايات المتحدة فنزويلا، واعتقلت رئيسها وزوجته، وساقتهما مخفورين للمحاكمة، ثم وَجّهت أنظارها نحو غرينلاند، وهدّدت إيران بعبارات قادمة من غضب الجحيم.

هرعت الدول والزعماء إلى فعل ما يمكن لوقف جنون غاليغولا المعاصر، الذي يقول كلَّ ما يقوله، ويفعل كلَّ ما يفعله، في الوقت الذي يتحدث فيه عن السلام، مع أن السلام، بحسب فهمه، هو الشرط الأهم لشنّ الحروب وليس لإنهائها.

مرَّ ذلك والعالم برمته يشاهد مشدوهًا مسلّمًا بعجزه، فكل شيء يُبث بثًّا مباشرًا: القصف والتصريحات والاعتقال وتهديدات الضم. وكيف لا ينشده الجميع وهم يشاهدون كيف بدا رئيس الولايات المتحدة وكأنه يلعب بلاي ستيشن على خريطة العالم، فمن بكبسة زر فتسقط دولة، وبحركة غاضبة تندلع حرب، ثم ينظر إليهم مبتسمًا بوقاحة باسم السلام.

 بمجرد أن رُفع شعار "أميركا أولًا" حتى خرج من ثناياه مشروع أكثر صدقًا هو "ترامب أولًا"، حيث تصبح أميركا هي العالم، ويصبح العالم هو ترامب

ومع أنّ الأمور مضت في فنزويلا وفق المطلوب، بحسب الرؤية الترامبية، حدث تغيير بسيط في مسألة أكبر جزيرة في العالم، وهو حصول الأمريكان على حقّ أن يفعلوا فيها ما يريدون دون حاجة إلى الضم، أما ملف إيران فلا يزال مفتوحًا على نحو مرعب، وكما في الروايات البوليسية ما من أحد يعرف كيف ستنتهي الحبكة.

في هذا السياق المدروس للغاية، أو ربما العبثي للغاية، ولد هذا المجلس الجديد حتى لا يكون فيه مكان للضعفاء أو الحقوق، أو حتى للفيتو، وبالطبع لا مكان على الإطلاق لتلك المؤسسات التي تربك الأوضاع الجارية بأسئلتها حول من ماتوا، ومن بدأ الاعتداء، وتدفع نحو تنظيم حملات المساعدة الغذائية والطبية. ولد المجلس بالشكل الذي يجعله يشبه عالمنا في هذا الوقت، حيث تكون هناك دولة أمّ تعمل بمنطق الشركة العابرة للقارات، وكل دولة أخرى هي مجرد فرع منها، أما الزعماء الذين يديرونها فمجرد موظفين.

ورغم نجاح الخطة وانطلاق المشروع كما أريد له، إلا أنه بات واضحًا أن ترامب فعل ذلك كلّه لأجل ترامب نفسه، وليس لأجل أميركا كما يزعم على مدار الساعات التي يتحدث فيها. بمجرد أن رُفع شعار "أميركا أولًا" حتى خرج من ثناياه مشروع أكثر صدقًا هو "ترامب أولًا"، حيث تصبح أميركا هي العالم، ويصبح العالم هو ترامب.

والعالم الذي هو ترامب قرأ القيم كما يُقرأ عقد شركة تأمين وبدأ باصطياد الثغرات واحدة واحدة، وهنا أدرك أن ما يحتاجه هو تحطيم القيم وتحقيرها أمام الكاميرات، وليس دعمها وتوطيدها، لأنها أدوات انتهازية اختلقها الخاسرون كي يبطئوا من تقدم خطى المنتصر. فحقوق الإنسان، على سبيل المثال، ليست سوى قيد في معصم الإمبراطور الذي عليه أن يبطش ليصنع العالم الذي يشتهيه. والعدالة المناخية مجرد كذبة للنيل من الإنتاج والربح. ومثلها يمكن النظر بريبة إلى المساواة الجندرية التي تسعى للتشويش على التراتبية الطبيعية.

في تصوّره، لم تعد الليبرالية قادرة على إدارة العالم، وهذا هو أوان استبدالها بالمال والقوة، وبالعرق الأبيض كرمز للانضباط والسيطرة والتفوق.

إذن، ورغم الحروب والعمليات العسكرية التي يعد بها، حصد ترامب، كما فعل الرجل الأبيض دومًا، مكاسب من السلام أكثر مما حصد من الحرب. ولو حسبنا الأمور على نحو بسيط، لوجدنا أن مكاسب النفط الفنزويلي والمعادن النادرة في غرينلاند ستؤول إلى شركات تدور في فلكه، وبالتالي يمكن الحديث عن مساعٍ جرت باسم السلام، وإن شابتها أشكال العنف والتهديد كلها.

في المقابل، ستنعكس مكاسب "مجلس السلام" عليه بالدرجة الأولى، وعلى أعوانه والمقربين منه بالدرجة الثانية، إذ يمنحه سلطة موازية يقرّر من خلاله كل ما يصعب تقريره أو تثبيته من داخل المكتب البيضاويّ. وفوق ذلك كلّه، يحقق المعجزة التي وعد بها ناخبيه: أن يجعل أمريكا عظيمة مجددًا، لا بتوسيع نفوذها فحسب، بل بتحويلها إلى العالم كلّه، على أن يكون هو رئيس ذلك العالم.

منذ أفلاطون، راود الفلاسفة حلم بحكومة عالمية رشيدة. سلطة عقلانية ترعى البشرية، وتحفظ السلام والاستقرار، وتوزّع الموارد بعدل. وتشكّلت مقابلها أسطورة معاكسة لحكومة خفيّة تُدير العالم من وراء الستار، يهودية أو ماسونية، متآمرة أو تقنية، لا يُعرف لها اسم ولا وجه، لكنها تصلح لتُفسّر كل شيء بدءًا من الأوبئة والحروب وأسعار العملات، وصولًا إلى مواعيد الكسوف.

وبين هذين الخيالين، جاءت الأمم المتحدة بوصفها مشروعًا حداثيًا مستمدًا من أفكار فلاسفة التنوير، لكنها وُلدت مشوهة، إذ رُهنت لمجلس أمن يحتكر القرار ويحاصر العالم بالفيتو. كما تحوّلت مؤسساتها التنفيذية إلى أدوات محكومة بإرادة الدول المموِّلة، وحين عجزت عن فرض قراراتها راحت تعتذر نيابة عن العالم، بدلًا من أن تحكم باسمه.

وهنا يمكن أن ننظر إلى ترامب على أنه جاء ليخلط بين هذين الخيالين، فمن جهة يريد أن يجعل الحكومة الخفية علنية، بحيث يمنح السلطة الكونية وجهًا واضحًا، بصوت ساخر وفاجر وقبعة حمراء، ومن جهة أخرى سيمارس كل ما زُعم أن حكومة الخفاء العالمية تمارسه من فساد وموبقات.

مزجَ ترامب الشر الذي تخيّله الناس في الماسونية، بالخير الذي تخيّله الحالمون في حكومة عالمية نبيلة.

وبدلًا من أن يخضع العالم لقوى غامضة، عليه أن يخضع لرجل واضح جدًا، فظّ جدًا، لا يخفي نواياه ولا يعتذر عنها، ويؤمن أن الحقيقة عبء، وأن العدالة كلفة غير ضرورية إلا حين تُعطى للبعض، وأن العالم يُحكم بالقوة لا بالحق.

هذا تقريبًا ما فكّر فيه ذلك المنافق السوري وهو يمتدح طاغيته الضاحك. ومثل كثير من المُطبلين للديكتاتوريين آمنَ أن الشعوب لا تخضع إلا لمن يجلدها على نحو جيد، إلا أن الطاغية المحليّ الذي راهن عليه، ورأى سوريا قليلة عليه إلى حدّ الظلم، فشل في حمل الرسالة، لأنّ قوته بلا غطاء اقتصاديّ وبلا شرعية نووية، ولا تقف خلفها ترسانة إعلامية مستعدة لصنع عقول إن عجزت عن صنع الحقائق.

خطأ المنافق السوري هو خطأ في الحساب فقط. ذلك أنّ فكرته الصحيحة كانت تحتاج إلى الرجل الصحيح. لأنّ منطق حكم العالم يتطلب شخصًا يمتلك ما لم يمتلكه طغاة الجنوب، وهو باختصار شديد تلك القوة القادرة على تقديم القمع باعتباره نظامًا سياسيًا، وتسمية الجور بمجلس السلام.

ربما لم يكن المنافق السوري مهرّجًا كما حسبناه طوال هذه السنين، إنما صاحب نبوءة احتاج إلى من يعتبر عبارته برنامج عمل.

كلمات مفتاحية
يرى المخططون في تل أبيب أن حالة "التماهي" الراهنة مع الإدارة الأميركية في التخطيط والتنفيذ تمثل "نافذة فرص ذهبية" قد لا تتكرر

الخوف الوجودي والطموح الإمبراطوري: لماذا يُجمع الإسرائيليون على ضرب إيران؟

هذه الحرب التي بادرت إليها إسرائيل يعني أنها تراهن على احداث تحول جيوسياسي قد يعيد رسم الخارطة لسنوات طوال؛ فالمواجهة لم تعد تتمحور حول أجهزة الطرد المركزي أو الصواريخ الباليستية فحسب، بل حول أحقية صياغة مستقبل الاقتصاد والطاقة في شرق المتوسط

طهران

ما بين طهران وبيروت: كيف تتشكّل المدن تحت ضغط الحروب

كل مواجهة راكمت وراءها طبقة أخرى من الذاكرة، وأعادت صياغة العلاقة بين الناس ومدنهم

وسط بيروت

حرب السرديات: لبنان في قلب صراع المخيّلات الإقليمية

صار لبنان أحد أكثر الساحات حساسية في الصراع الجاري. فالمواجهات بين إسرائيل وحزب الله لم تعد محكومة بقواعد الاشتباك التي استقرت بعد حرب تموز عام 2006

ألغام بحرية
سياق متصل

ما أنواع الألغام التي تمتلكها إيران وكيف يمكن مكافحتها؟

يرى عدد من خبراء حرب الألغام أن إيران قد تكون أقدمت بالفعل على نشر عدد محدود من الألغام في قاع البحر، يمكن تفعيلها في أي وقت لتهديد حركة السفن

مضيق هرمز
سياق متصل

تحالف بحري في مضيق هرمز.. هل تحاول واشنطن تدويل المواجهة مع طهران؟

تسعى إدارة ترامب لتشكيل تحالف بحري في مضيق هرمز لحماية الملاحة، وسط تصاعد المواجهة مع إيران واستمرار تهديدات طهران للسفن.

صورة تعبيرية
أعمال

الاقتصاد العالمي بين النفط والتضخم.. تداعيات حرب إيران تتسع

تتزايد المخاوف من تداعيات اقتصادية واسعة للحرب الدائرة مع إيران، وسط اضطرابات كبيرة في أسواق الطاقة العالمية

صورة تعبيرية
أعمال

انتعاش قصير وتباطؤ مفاجئ.. كيف أربكت حرب إيران سوق الغاز في أوروبا؟

يتسارع التحول الطاقي في أوروبا مع توسع استخدام الطاقة المتجددة، ومع ذلك، من المرجح أن يظل الغاز عنصرًا رئيسيًا في مزيج الطاقة الأوروبي خلال السنوات المقبلة