08-مايو-2020

باربرا ليشا/ بولندا

 

بعد الإعلان عن فوز الروائي الجزائري عبد الوهاب عيساوي بجائزة البوكر للرواية العربيّة سنة 2020، استوقفني خبر كونه مهندسًا في الكهرباء والآليّة. إذ يُعتبر تميّزُ كاتبٍ آتٍ من اختصاص آخر، غير الآداب العربيّة أو الصحافة أو الترجمة، حدثًا لافتًا للأنظار. فلا يزال بعض الكتّاب العرب -سرًّا وعلنًا- يتندّرون بآخرين من ذوي الاختصاصات التقنيّة والعلميّة، ويعتبرونهم دخلاء على الكتابة ومتطفّلين وغير جديرين بالقراءة أصلًا.

بما أن الكتابة فنّ إنسانيّ متاح لكلّ الناس للتعبير عن شواغل الفرد والمجتمع، فإنّه من غير المعقول أن تنحصر عند المختصّين في الأدب

ومن منطلق الإيمان أنّ الكتابة فنّ إنسانيّ ومتاح لكلّ الناس للتعبير عن شواغل الفرد والمجتمع، فإنّه من غير المعقول أن تنحصر كفعل عند المختصّين في الأدب. أظنُّ أنّ هؤلاء نسوا أنّ جوزيه ساراماغو صاحب جائزة نوبل 1998 كان صانع أقفال، وفرانتز كافكا رائد الكابوسيّة عمل في شركة تأمين، وميخائيل بولغاكوف كان طبيبًا، وغيرهم كثير.

الكاتب الثابت والآخر المتغيّر

"ليس الأدب نقطة بل مكانًا"، هكذا عرّف كارلوس ليسكانو هذا الفضاء الذي يلجأ إليه الكتّاب. قد يكون الأدب مطعمًا تدخله لتتذوّق أكلة ما، تأخذ طاولة وتتأمّل قائمة الأطباق وتختار واحدًا دون أن يسألك النادل عن مهنتك. تتلذّذ فيه بالطبق الذي بين يديك، دون أن تتلهّى بمهن الآخرين وصنائعهم. يمكن للأدب أيضًا أن يكون ورشة لصيانة السيّارات أو مشفى أو صيدليّة أو متحفًا أو أيّ فضاء تدخله، إنّه مكان بإمكان أيّ شخص الوصول إليه في أيّ زمان ودون قيود.

اقرأ/ي أيضًا: حوار| المترجم عبد الجليل العربي.. في عشق القطط وساراماغو واللغة والبرتغالية

لماذا إذًا يعتبر بعض الكتّاب في عالمنا العربيّ أنّ فضاء الأدب يجب أن يكون حكرًا على من درسوا الأدب أو الصحافة؟ هل يجب على الكتّاب من الاختصاصات الأخرى أن يقاوموا هذا الفصل العنصريّ الذي ينادي به البعض، ويشبه ذلك الذي طبّق في أمريكا أو جنوب أفريقيا في السابق؟

تسكن الكاتب دومًا شخصيّتان: الكاتب والآخر. الآخر هو ذلك الذي يشغلُ مهنة ما أو يتزوّج بامرأة ما أو يمارس رياضة ما أو... لكن يتغيّر ذلك الآخر ويبقى الكاتب. يؤثر ذلك الآخر على الكاتب يجلب له شخصيّات أو إلهامًا أو يؤثر على بنية كتابته فتجعلها مختلفة.

أذكّر هنا بالكاتب المصريّ علاء الأسواني الذي يشتغل في الأصل طبيب أسنان. أعتبر أنّ بنية روايته الرائعة "عمارة يعقوبيان" تشبه إلى حدّ بعيد فم الإنسان، كلّ شخصيّة لها خصوصيّتها مثلما نجد اختلافًا بين القواطع والأنياب والضروس والنواجذ. عمارة كانت في بداياتها نظيفة وراقية واهترأت بفعل الزمن، مثل الفم تمامًا عندما ينخره السوس وتمرض لثّته وتسقط أسنانه. عمارة أرّختْ التحوّلات التي حفّت بالمجتمع المصريّ انطلاقًا من الحكم الملكيّ إلى بدايات القرن الواحد والعشرين، والتي تشبه تحوّل أسنان برّاقة وصحيّة إلى مريضة ومقتلعة مع الزّمن. نجح علاء الأسواني في بناء شخصيّاته بدقّة شديدة، وهذه الحرفيّة لا تعود فقط لقراءاته وتمكّنه من اللّغة العربيّة فحسب، بل بما اكتسبه من حرفته كطبيب للأسنان. يؤثّر ذلك الآخر دومًا على الكاتب، لأنّه نافذة يطلّ عليها على عوالم غريبة وفريدة تثري النصّ الإبداعي.

اختراعات المهندسين داخل عوالمهم الروائيّة

يتحدّث النقّاد والروائيّون عن مصطلح الحبكة والبناء في الرواية. يحتاج هذا الأخير تخطيطًا وهندسة مثل إنشاء جسر أو عمارة أو طريق أو صناعة محرّك أو آلة. لكلّ تفصيل أو حدث صغير أهمّيته، وسط رواية ناجحة، تمامًا مثل آجرة قصر النعمان بن المنذر التي لو أُزيلتْ لسقط القصر كلّه. يحاول الروائيُّ الناجح أن يحافظ دومًا على حياته، حتّى لا يلقى مصير سنمّار مهندس قصر النعمان المسمّى الخورنق. أقصد بحياة الروائيّ هنا ديمومة عمله الإبداعي. كان لمرور المهندسين أثر لافتٌ عندما كتبوا الرواية، ونذكر على سبيل المثال الروائيّ والمخرج الفرنسيّ ورائد الرواية الجديدة في فرنسا والعالم آلان روب غرييه، الذي يقول عنه الشاعر والصحفي المغربي حكيم عنكر إنّه "المهندس الزراعي الذي حرث أرض الرواية". اعتبرَ روب غرييه أنّ الأدب مثله مثل العلم، وأعتقدُ أنّ الكتّاب الذين يملكون عقلًا رياضيًّا وعلميًّا -خاصّة في الرواية والقصّة- قادرون على النجاح والتميّز في الكتابة. إذ يمتلكون القدرة على كتابة أحداث منطقيّة، مقتصدين في استعمال اللّغة وبارعين في التحكّم بآليّات سير الأحداث، وإحكام ربط التفاصيل الصغيرة وجعلها تتحرّك فيما بينها بكلّ سلاسة وانسيابيّة. وهذا ما دأب عليه المهندس فيودور دوستويفسكي الروائيّ الروسيّ، هل يشكّ واحد من الكتّاب في كونه فلتة في كتابة الرواية؟ من منّا لم يتجوّل في عمق متاهات شخصيّاته المعقّدة والمتنوّعة دون أن كلل أو ملل. كان مثل محرّك ديزل ذا طاقة كبيرة، وكانت حاجته للمال وقوده الذي جعله يحلّق عاليا في سماء الرواية.

يخترع المهندسون الكتّاب لغة داخل اللّغة التي يكتبون بها، وأشهرهم الكاتب الفرنسيّ بوريس ڤيان

بعد سقوط الاتّحاد السوفييتي، لمع في سماء الأدب الروسيّ نجم روائيّ وصار الأكثر شعبيّة في روسيا الآن: إنّه مهندس الكهرباء والآليّة فيكتور بيليفين (Victor Pelevine). تعدّ روايات بيليفين من أكثر الكتب تداولًا على الإنترنت بين الشباب منذ أواخر القرن العشرين. تبادل الشباب كتبه في النوادي والعلب اللّيليّة مثل الساميزدات، تلك المطبوعات المحظورة إبّان الفترة السوفييتيّة. تصدّر بيليفين المشهد الأدبيّ منذ إصدار روايته "السهم الأصفر" سنة 1998، إذ مثّلتْ كتاباته مرآة الروسيّين بعد سقوط الاتّحاد السوفييتي مُظهرةً سرياليّة واقعهم عبر أسلوب ساخر. يقول بيليفين: "أشمئزُّ من كلّ شيء يتعلق ببلدي. في العصر السوفييتي، يمكنك الهروب من شرّ الدولة عبر الانسحاب برأسك إلى الأماكن الخاصة؛ ولكن الآن يبدو أن الشر منتشرٌ في كلّ مكان وكلّنا ملطّخون به".

اقرأ/ي أيضًا: أناييس نين.. فاتحة الكتابة الإيروتيكيّة

يخترع المهندسون الكتّاب لغة داخل اللّغة التي يكتبون بها، وأشهرهم بوريس ڤيان الكاتب الفرنسيّ. "مثّلت اللّغة عند بوريس ڤيان منذ أعماله الأولى محرّك اختراع جبّار"، كما تقول الباحثة الفرنسيّة سيسيل كايول. فقد امتلك قدرة عجيبة على الاختراع وسط رواياته. اخترع آلة لبلع الذكريات في روايته "العشبة الحمراء". كذلك وصف اختراعه الأثير الذي قدّمه في رائعته "زبد الأيّام" وسمّاها البيانو-كوكتيل، وهي آلة تشبه البيانو تتحكّم مفاتيحه بقوارير عصير، تعطي كلّ معزوفة نوعًا متفرّدًا من العصير خاصّ بها. وصل الأمر بڤيان إلى أن يجعل للآلات أحاسيس حين يتحدّث عن الآلة الكاتبة قائلًا إنّها "ترتجف عندما يلامسها الهواء". تؤكّد سيسيل كايول أنّ بوريس ڤيان بـ"رأس وسط السحب وأرجل داخل العلوم".

من القوادة إلى الكتابة: أيسبرغ سليم نموذجًا

يقول موليير: "تشبه الكتابة إلى حدّ بعيد العهرَ، بداية يكتب الواحد منّا حبًّا في الشيء، ثمّ لبعض الأصدقاء وفي النهاية لأجل النقود". إذا كانت الدعارة أقدم مهنة في التاريخ، فربّما تكون القوادة هي الثانية. يشبه فنّ التحكّم بفتاة وجعلها تجوب الأرصفة لجمع المال استخدام الكاتب للكلمات، إنّه سحر عجيب وعلمٌ أثير. ولو سلّمنا بتشبيه موليير هذا، سيكون من الطبيعيّ أنّ نجد كاتبًا مارس مهنة القوادة قبل ذلك وأدار قطيعًا من العاهرات. أتحدّث عن الشهير باسم ايسبرغ سليم أو روبرت بيك، ويعتبر علامة بارزة في القوادة والكتابة معًا. يعود لقبه ايسبرغ (Iceberg) أي جبل الجليد بالانجليزيّة، بسبب حادث عاشه يومًا داخل حانة. كان متكئًا على الكونتوار، وقامت مشاجرة بين رجلين وأطلق أحدهما النار. استقرّت الرصاصة أعلى قبّعة روبيرت بيك العاجز عن الحركة بسبب الكوكايين والكحول. لقّبه أصدقاؤه منذ ذلك الوقت بجبل الجليد، لما أظهره من رباطة جأش خارقة.  

موليير: "تشبه الكتابة إلى حدّ بعيد العهرَ، بداية يكتب الواحد منّا حبًّا في الشيء، ثمّ لبعض الأصدقاء وفي النهاية لأجل النقود"

بعد أكثر من خمس وعشرين عاما في مجال الدعارة، بدأ ايسبرغ سليم الكتابة. وأصدر سنة 1967 كتابه "القوّاد" (PIMP) الذي يروي فيه حياة السود الأمريكيّين، خاصّة حقيقة الشوارع المروّعة في أحيائهم، وعالم الدعارة وتجارة المخدّرات وآثار التمييز العنصريّ بين السود والبيض، وذلك بواسطة لغة راقية جدّا وصادمة أيضًا. أصدر ايسبرغ أعمالًا أخرى بعد ذلك، وترك بصمته في الأدب الافرو-أمريكي ويعتبر من بين أكثر الأدباء تأثيرًا في ذلك العصر. كما ألهم بعد ذلك فنّاني الهيب هوب، وحمل بعض مغنّي الراب اسمه مثل "ICE T" و"ICE CUBE".

اقرأ/ي أيضًا: بين جيمس جويس وهارولد بينتر.. الوساطة التي غيّرت مصير العمل الإبداعيّ

منحنا ايسبرغ سليم الانطباع -من خلال كتاباته- أنّ القوادة مهنة جذّابة وأنّها من أمتع المهن في العالم، ونجح في التوغّل بالقارئ وسط مناخات يصعب على الإنسان العاديّ الدخول إليها. وهذا يحيل إلى الجزم أنّ الكتّاب الآتين من مهن أخرى يضيفون الكثير من العوالم والأساليب إلى الأدب، ويبقى المستفيد الأوّل هو القارئ.

 

اقرأ/ي أيضًا:

تصريحٌ مُوارِب أو كتابةٌ تتجاوزُ شبهةَ اسمِ صاحبها

مكتبة محمد عيسى المؤدّب