غرافيتي في نيوزيلندا

"كيف سأتمكن من أكل السمك بالشوكة؟". ظلّ هذا السؤال يحوم فوق رأسه كعقاب فوق جيفة، أحس أنه سيتقيأ من كثرة التفكير والصداع الذي لم يفارقه منذ ليلة البارحة. ابتلع كل ما وجده بالأدراج من أقراص لكنّ الألم لم يخفّ.

بعد أن تجاوزت السيارة ازدحام وسط المدينة، انطلقت تلوي الطريق نحو الجهة الشرقية من المدينة، كانت المنازل متباعدة تظهر لتختفي وكأنها تنبثق من جوف الأرض لتغوص فيها من جديد. تراءى لهما الميناء من بعيد، ثم تلته سلسلة المطاعم البحرية. تخلصت من الحزام الذي يعيق حركتها، وأطلت برأسها خارج نافذة السيارة تاركة الهواء يعبث شعرها ليصبح فوضويًا أكثر مما زادها جمالًا كلما وضعته كله على جانب واحد.

نزلا من السيارة أمام مطعم "القرش الصغير". دخلا واختارا طاولة ملاصقة لشباك الذي يطل على البحر. رفعت شعرها بكلتا يديها وجعلته على الجهة اليسرى لا أحد يمكنه أن يأتي هذه الحركة بتلك الدقة، تفعلها بطريقة تجعل أقراطها الثلاثة تظهر أمامك، كان القرطان الأول والثاني عبارة عن حلقين صغيرين فضيين، أما الثالث فكان على شكل مرساة، لقد رسى قاربك هنا على ضفافها فلا مفر الآن من الهروب.

فقط صوتها انتشله من خيالاته عندما سألته إذا أعجبه المكان أو لا، فأجابها راسمًا على وجهه ابتسامة عريضة جعلت على خديه غمازتين تُذهبان عقلها كلما تبسم.

حاول إلهاء نفسه بمشاهدة البحر من الشباك، وطرد ذلك السؤال الذي يضرب رأسه كمطرقة، عندما وقف النادل أمامهما أراد أن يسأله إذا كان لديهم ولو من قبيل الصدفة دجاجًا أو سمانًا، أو أي شيء غير السمك، ولكنه عدل عن سؤاله لسببين، أولهما أن الموقف سيكون محرجًا، كيف لك أن تطلب دجاجًا في مطعم للأسماك، وثانيهما تلك اللمعة التي رآها على وجهها وهي تنصت للنادل وهو يملي عليها أسماء أنواع الأسماك التي يقدمونها في المطعم.

"سآخذ نفس الطلب" قال للنادل راجيًا إياه في قلبه أن تكون السمكة قليلة الأشواك مثل رجل سقطت أسنانه أو تساقط شعره. أقل من نصف ساعة وكانت السمكة ممدة أمامه في صحن أبيض تجاورها بعض السلطات وقطعتا حامض على شكل دائرتين وكأنهما عينا وحش أسطوري.

طرطقت أصابعها ثم أخذت السمكة بين يديها، وبحركة مثيرة فصلت الرأس عن باقي الجسم. كانت تمسكه بين سبابتها وإبهامها ضاغطة عليه بحركة رشيقة إلى الخلف إلى أن انفصل.

وضعت الرأس جانبًا على حافة الصحن، وبأصابعها الرقيقة بدأت تأكل بقية السمكة، حاول الالتفات جانبًا أو الاهتمام بالسمكة التي أمامه، لكن الصوت الذي تحدثه وهي تمتص أصابعها بعد كل لقمة كان مثيرًا لدرجة جعلتنه يرفع راسه نحوها. كانت تضع السمك بأصابعها الثلاثة في فمها ثم تمتصها الواحدة بعد الأخرى، رفعت رأسها مبتسمة وهي تحمل لقمة بين أصابعها مقربة إياها من فمه حاثة إياه بعينيها أن يأكلها، فما كان منه إلا أن فتح فمه داسّة هي اللقمة فيه، ابتسمت وهي تلقمه قطعة السمك ثم أخذت تمص أصابعها مثل ما فعلت أول مرة، فأثاره المشهد جدًا إلى أن سقطت الشوكة من يده محدثة صوتًا جعله ينتفض ويعود للواقع. لا شيء في فمه غير ريقه الذي ابتلعه بصعوبة.

لم ترفع رأسها عن السمكة إلا بعد أن جعلتها هيكلًا شوكيًا يشبه تلك الحفريات التي نجدها بين طبقات الصخور لأسماك قد مضت عليها آلاف السنين. اعتقد أن العرض قد انتهى وأنها قد اكتفت وسيحين دور السلطات الآن إلا أنه تفاجأ عندما رفعت بصرها موجهة إليه الكلام "الآن يأتي أهم جزء في السمكة" قالتها وهي تمسك بالرأس بين سبابتها وإبهامها. لم يتذكر يومًا أنه جرب أكل رأس السمكة، بل إنه لم يتعد جزءها السفلي خوفًا من الشوك فكان يبدؤها من الذيل ويتوف عند المنتصف. منذ أن اختنق بشوكها عندما كان في السابعة من وقتها لم يتذوق السمك إلا وهو في الثلاثين، فقد لازمه هذا الرّهاب حتى الآن. واليوم ها هو يجلس أمام ملتهمة الأسماك تذكر لحظتها رواية موراكامي "كافكا على الشاطئ" عندما هطلت السماء أسماكًا عوضًا عن المطر. تأكد ساعتها أنها لو كانت هناك لن تنتبه إلى هذه الظاهرة الغريبة بل ستستمتع فقط بشيِ السمك وأكله، وتفكيك الرأس بحثًا عن مخ لا يتجاوز حجمه حبة الفاصولياء.

ضغطت بإصبعيها داخل تجويف العينين إلى أن تدحرجت مقلتا السمكة سوداوين وسط الصحن، وكأنهما لؤلؤتان، ثم فصلت الفكين، رمت السفلي في الصحن وأخذت العلوي، قلّبته وجست بأصبعها مكانًا معينًا لا يمكن إلا لخبير أن يجده بسهولة، وضغطت إلى الخلف قليلًا فانقسم إلى جزئين وظهرت لها كتلة بيضاء صغيرة، قرّبتها من شفتيها وارتشفت ما بداخلها، ثم لعقت شفتيها ومصت أصابعها وعلى وجهها ابتسامة الرضا. 

منذ ذلك اليوم لم ينقطعا عن زيارة مطعم الأسماك فيأكل هو نصف السمكة، وتأكل هي سمكة ونصف ورأسين.

 

اقرأ/ي أيضًا:

ما باليد حيلة إلّا الاستسلام

قشرة بصل