ذيب ... هكذا تُصنعُ السينما

ذيب ... هكذا تُصنعُ السينما

من الفيلم

من يغوص البحر الأحمر.. فلا يلحق مداهْ
والبحر يا ذيب.. ما كلّ رجلٍ ياصلهْ
الخَوي لا من بدالك .. لا تخيّب له رجاهْ
كون يمّه في يمينه.. بالمراجل واصلهْ
والذّيابه لو بَدت لك.. ما تحقق لك نجاهْ
كلّهم ما ينفعونك.. والمنايا حاصلهْ

بأبيات الشعر النبطي هذه، يبدأ فيلم ذيب الأردني للمخرج ناجي أبو نوّار، وقد قام بكتابته بنفسه بالتعاون مع منتج الفيلم باسل غندور. الفيلم الذي حازَ، قبلَ أيام، على الجائزة الأولى لأفضل فيلم روائي طويل في "مهرجان مالمو للسينما العربية"، تدورُ أحداثُه في إقليم الحجاز، في شبه الجزيرة العربية عام 1916 إبان الثورة العربية الكبرى.

في "ذيب"، قرابةَ أربعٍ وعشرينَ ساعة فقط، كانت كفيلةً بتغيير حياة الطفل، وفرض رجولة مبكرة جدًا

يسردُ الشريط حكايةَ "ذيب" الطفل الذي ينتمي لعشيرة بدوية تقيمُ في المنطقة، لأبٍ متوفٍّ يبدو أنهُ كانَ من الوجهاء المعروفين. وذيب هو ثالثُ شقيقين، كبيرهما ورثَ زعامة القبيلة، والثاني حسين، هو الأقرب للطفل عمرًا وعلاقةً، حيثُ يبدأ الفيلم بمشاهدَ تجمعُهُ بشقيقهِ الأصغر في أكثرَ من نشاط، مما يتكفّلُ بمعرفة المشاهد أنّهُ من تكفّل بتربية ذيب بعد وفاة والدهما.

اقرأ/ي أيضًا: مالمو السينمائي.. ما يريده حزب الكنبة

تبدأ الحكايةُ مع وصولِ ضيفينِ إلى مضاربِ عرب الشيخ أبو حمود، أحدهما بدويٌّ والآخرُ إنجليزيٌّ بلباسٍ عسكريّ (وهذا من الأخطاء القليلة جدًا التي وقعَ فيها الفيلم، حيثُ يصعبُ أن يمشي إنجليزيٌّ بلباسٍ عسكريّ في صحراءٍ عربيةٍ آنذاك بهذه البساطة)، ويتّضحُ أنهما أُرسِلا من قبل الشريف حسين إلى البئر الرومانيّ على طريقِ الحجّاج، فيرسل الشيخُ شقيقَهُ حسين لإرشادهما، لكنّ خصوصيّة العلاقة التي تجمعُ ذيب بشقيقه تجعلهُ يمضي في إثره، وهنا تبدأ المغامرة، حيثُ يتعرّضُ الأربعةُ لهجومٍ من قطّاعِ طرقٍ قربَ سكّة قطار "خطّ الحديد الحجازي"، ويُقتلُ ثلاثةٌ منهم ليبقى الفتى ذيب وحيدًا في فضاءٍ مفتوحٍ على التوحُّش.

قرابةَ أربعٍ وعشرينَ ساعة فقط، كانت كفيلةً بتغيير حياة الطفل، وفرضت عليهِ رجولةً مبكرةً جدًا، هو الذي لم يكُ قد تعلّم استدلالَ الطريقِ بواسطةِ النجومِ أو سواها جريًا على عاداتِ البدو ليعود إلى أهله، اضطٌرّ للبقاء وحيدًا في منطقةٍ يتناهبُها الوحوشُ وقطّاعُ الطرق. وبدقّةٍ محسوبةٍ لكاتبَي النصّ، نرى علائمَ هذا التغيير، فذيب لم يستطع إطلاقَ النارِ حتى في التمرينِ مع أخيه بدايةَ الفيلم، ولم يستطع ذبحَ الشاةِ لقرى الضيوف، ولم يستطع استخدامَ البندقية حين تعرّضوا لهجومِ المارقين، ها هو الآنَ مع سلاحٍ يفوقُهُ طولًا، مضطّرٌ لاستخدامِهِ للمرة الأولى إذا اقتضت الحاجةُ، ومجبرٌ على دفنِ أخيهِ الأقرب، لا بحكمِ معرفةِ آلياتِ الدفنِ بل بحركاتٍ فطريّة بشرية.

ظلّ الحالُ كما هوَ إلى أن ظهرَ شخصٌ على ظهرِ جملٍ، مصابٌ بطلقةٍ في فخذه، إنهُ أحدُ أولئكَ الذين هاجموا ذيب ومن معهُ، وكان قد أصابهُ حسين بطلقةٍ قبل أن يُقتل.

حسنًا، يواجهُ البدويُّ الصغيرُ قاتلَ أخيهِ للمرةِ الأولى، وباستطاعتهِ أن يثأرَ على الفور، غيرَ أنهُ لم يفعل، فالتقاليدُ والفطرةُ معًا، تجرّمانِ قتلَ الأسيرِ أو المصاب! هكذا يترافقُ المُعتدي والمُعتدى عليهِ ليومين، جوعًا وعطشًا ووحشة، كلّ منهما يأخذُ حكمةَ الآخر، ويبدو جليّاً إعجابُ الأخيرِ بشجاعةِ ذيب وتصرفاتِهِ، وأسئلتهِ أيضًا. إلى أن يصلا معًا إلى مخفرٍ تركيّ، حيثُ يدخلُ الأخيرُ إلى الضابطِ التركيّ وفي حوزتهِ بعض الأشياء كان قد غنمها من الضابطِ الإنجليزيّ الذي قتلهُ (من بينها صندوقٌ لطالما لفَتَ ذيب، وتبيّنُ أنّه كان يحوي متفجراتٍ جلبها الضابطُ الإنجليزيُّ لمساعدة الثوار)، مدّعيًا أنّهُ حصلَ عليها من مصر، مشهدٌ يجري أمام عيونِ ذيب الذي كان وللمرةِ الثانية، قد دفعهُ فضولهُ الطفوليّ للحاق بالرجلِ إلى الداخل. يُقدّمُ الضابطُ العثمانيّ بضعةَ قطعٍ نقدية لذيب وللرجل، ولكنّ الطفلَ يرفضُ أخذها.

يواجهُ البدويُّ الصغيرُ قاتلَ أخيهِ، وباستطاعتهِ أن يثأرَ لكنه لا يفعل، فالتقاليدُ والفطرةُ تجرّمانِ قتلَ الأسيرِ أو المصاب

باتَ القرارُ محسومًا الآن، وما أجّلتهُ مروءةُ البدويّ الصغيرِ، صارَ واجبًا بعدَ اكتشافِ خيانةَ الرجل وكذبه. يخرجُ الفتى ويتناولُ مسدسًا من خرجِ الجمل، وينتظرُ في الخارج إلى أن يظهرَ قاتلُ أخيهِ خارجًا من المخفرِ التركيّ يعدّ نقودهُ في صورةٍ تُشبهُ كثيرًا صورةَ "شايلوك" في تاجر البندقية. ليطلقَ ذيب النارَ للمرّةِ الأولى في حياتِه، ويرديهِ قتيلًا.

هي باختصارِ قصّة الفيلم الذي حاول شريطه الممتدّ لمئة دقيقةٍ كاملة، تحقيقَ شرط الدهشة (الشحيح في السينما العربية) وأظنّهُ نجحَ فعلًا، إذ تكادُ لا تمضي خمسُ دقائق طوال العرض بدونِ حدثٍ يشدّ المتابعَ بكلّ حواسه، وبطرقٍ مختلفة، من المشاهد الرائعة التي استحقّ عليها المخرجُ جائزة أفضل تصوير في مهرجان القاهرة السينمائي 2014، وجائزة أفضل مخرج عن قسم "آفاق" في مهرجان فينيسيا العام ذاته، إلى الحبكةِ الدراميةِ الممتازة في السيناريو المشغول بعنايةٍ ودقة، مرورًا بالموسيقى التصويرية التي كتبها الإنجليزيّ جيري لين مستوحيًا إياها من فكرة "الفراغ في صحراء تلك المنطقة" حسبَ ما قالَ في أحد اللقاءات الصحفية.

اقرأ/ي أيضًا: الرؤساء المهووسون بأفلام الرعب

كما وحاولَ ولو من بعيدٍ، مُلامسةَ العلاقة الملتبسة بينَ البدوِ وخطّ الحديدِ الحجازيّ، حيثُ فرضَت سكّةُ القطارِ تغييرًا كبيرًا على حياةِ بدو المنطقةِ آنذاك.

على ذلك، يبدو منطقيًّا جدًا فوزُ الفيلم بالجائزةِ الأولى في مهرجان مالمو للسينما العربية مؤخرًا، وقبل ذلكَ يبدو منطقيًا أيضًا ترشّحُهُ لمسابقة الأوسكار عن أفضل فيلم بلغةٍ أجنبية في دورتها الـثامنة والثمانين التي ستجري في شباط 2016. حيثُ أنّه استوفى شروط الترشّح للمسابقة الأرفع عالميًا. لقد استمدّ "ذيب" صدقهُ من حقيقية البيئة واللهجة والشخصيات، حيثُ لعبَ سكّانُ المنطقةِ نفسها، أدوارَ الفيلم بعد حوالي ثمانية أشهر من العمل معهم من قبل صنّاعه. فلعبَ الطفل جاسر عيد دورَ ذيب، وشاركهُ في التمثيل كلّ من حسن مطلق، حسين سلامة ومرجي العودة (وهذان لعبا دوريهما باسميهما الأصليين)، إضافةً إلى الممثل جاك فوكس.

يبقى التذكيرُ بأنّ الفيلم صُوِّرَ في منطقة وادي رمّ الأردنية، بكاميرات استوديو النمساوي "والفغانغ تالر"، مع فريق عالمي، مثل مصممة الديكور البريطانية آنا لافيل، وروبرت لويد مونتاج، بينما كان الإنتاج لشركة "بيت الشوارب" التي أسسها الأردني باسل غندور، بالتعاون مع نور بيكتشرز من خلال المنتج البريطاني روبرت لوي"، وشركة الخلود للإنتاج الفني، وقد شارك في الإنتاج ناصر قلعجي وليث المجالي، وتقوم نادين طوقان بدور المنتج المنفذ.

اقرأ/ي أيضًا: أفلام قصيرة.. تونس تضحك