ذلك المُهان

ذلك المُهان

بوتين "يستضيف" الأسد في دمشق

سوريًّا، بات معروفًا أن مفردات مثل: إذلال أو إهانة أو تحقير، إلخ... حين تُطلق فإنها تخص النظام السوري -رأسه حصريًا. بدأ ذلك قبل أن يقوم بهذه المهمة الرئيس الروسي بوتين  على نحو يقلع العين من وضوحه، بدأ منذ أن صرّح حسن نصر الله رئيس ميلشيا حزب الله أن الأسد كان سقط لولا تدخله، ومنذ أن عمّت تلك المقولة إعلام مدّاحي حزب الله، وبدأت أيضًا منذ أن وجه عناصر حزب الله المقاتلين في سوريا إهانات عديدة لكبار ضباط جيش النظام السوري نتيجة الخلافات على السيطرة على منطقة ما.

عندما تهين شخصًا فإن ذلك يعني أنك تجعله تابعًا لك، تتحدد علاقتك به انطلاقًا من علاقة التابع والمتبوع

بدأ مع صفقات "تبادل الأسرى" بين مجموعات مسلحة مقاتلة والنظام حيث بدأت المبادلات بإطلاق معتقلين سوريين لدى النظام مقابل إطلاق أسرى إيرانيين لدى تلك المجموعات دون المطالبة بإطلاق جندي سوري واحد. أيضًا بدأ ذلك منذ أن تمت تنحية ضباط من جيش النظام عن قيادة عمليات هنا وهناك، وانتزاعها منهم من قبل الحرس الثوري الإيراني ومجموعات أخرى تابعة له. كذلك منذ أن أعلنت إيران أنها أنقذت نظام البراميل من سقوط محقق لولا تدخلها. والإعلان الايراني المتكرر بأن سوريا تحولت إلى محافظة إيرانية، وأن إيران تتحكم بأربع عواصم من بينها دمشق.

اقرأ/ي أيضًا: من هو المهزوم؟

وسنعثر في التفاصيل على الكثير من ممارسات شتى تنطوي على إهانة النظام ورأسه، وسنكتشف أنها إهانات مقصودة على التوالي. فعندما تهين شخصًا فإن ذلك يعني أنك تجعله تابعًا لك تتحدد علاقتك به انطلاقًا من علاقة التابع والمتبوع. هذه العلاقة تحددها اللغة أيضًا. ففي اللغة يتبع التابع المتبوع في التذكير والتأنيث والتثنية والجمع والإفراد، وفي حركات الإعراب أيضًا في الرفع والنصب والجر، إلخ... فلا شخصية للتابع، لا شكل له، ولا دور مستقلًا... إن وجوده مشروط بوجود التابع. هذا الوجود المشروط هو ما يحدد انصياع التابع على نحو مطلق لمتبوعه، إذ في اختلال العلاقة اختلال للوجود، وهذا ما يحرص عليه التابع كهدف وحيد.

اللغة أهانت التابع باضطراد وأطلقت عليه من الصفات ما لا يمكن أخذ واحدة منها على نحو إيجابي. وإمعانًا في إهانته تدخل الفقه القانوني ليجعل التابع مسؤولًا عن أعمال وتصرفات المتبوع على الرغم من أنه مجرد تابع بلا شخصية، وبلا مقدرة على التصرف. اللغة والقانون، بوصفهما من نتاجات البشر ومحددان لسلوك البشر أيضًا، شكّلا فضاء عامًا يحتقر التابع بلا هوادة. 

ضمن هذه العلاقة، علاقة التابع بالمتبوع، تتحدد علاقة النظام السوري ورئيسه بإيران وميليشياتها، وبروسيا -بوتين حصريًا. فمنذ أن أعلنت روسيا، كباقي الأطراف المساندة للنظام، أنها هي التي أنقذته من سقوط محقق، لم تتوقف عن إهانة الأسد شخصيًا، ولم تتوقف عن إبلاغ العالم بذلك عبر بث الصور والفيديوهات التي تُظهر الأسد كـ"صبي" بوتين. وإمعانًا في إهانته جعلت الأسد يتلقى أوامر التحرك والتكلم ليس من بوتين شخصيًا فحسب، بل ليس من بوتين أبدًا، إنما من مساعديه! أعلن الإعلام البوتيني خلال أول زيارة يقوم بها الأسد لروسيا أنها أقلته بطائرة "شحن"! ثم واظبت على بث صور إهانته بلا توقف.

في الدول، خاصة تلك التي تتبع النظام الرئاسي، يأتي الرئيس في الدرجة الأولى كرمز لسيادة البلد وقوته، يليه وزير الدفاع كرمز للقوة. وسّع بوتين دائرة تحقيره لرموز النظام، فأضاف هذه المرة (خلال وجود بوتين الأخير، منذ أيام، في سوريا) رمز القوة وأهانه وهو وزير الدفاع. فبدا وزير الدفاع الروسي، كرمز لقوة روسيا، جالسًا بجانب رئيسه على كرسي مواز لكرسيه، فيما بدا وزير دفاع النظام جالسًا على كرسي صغير يظهر منه رأسه وكتفاه فقط، في إشارة إلى أن القوة الوحيدة في سوريا هي القوة الروسية. إضافة إلى صور وفيديوهات أخرى تُظهر مدى تقزّم الأسد وانكفائه واضمحلاله أمام بوتين، وتُظهر الاحتقار بوزير القوة عبر إلباسه فردة واحدة من حذاء الوقاية في قدمه! وهذه الصور والفيديوهات منتشرة بكثرة بين السوريين وغيرهم في وسائل الإعلام وفي وسائل التواصل الاجتماعي.

ضمن علاقة التابع بالمتبوع، تتحدد علاقة النظام السوري ورئيسه بإيران وميليشياتها، وببوتين حصريًا

التابع مُهان. وهذا ما تقوله اللغة والقانون والتاريخ والواقع الراهن.

السوريون ينسبون صفة المُهان للنظام ورأسه، المعارضون والمؤيدون أيضًا، لكن المؤيدين يبررون ذلك بأن الحرب تقيّد عمل البروتوكول. إلا أننا لسنا أمام انهيار بروتوكول بسبب الحرب، بل أمام سلسلة لا تنتهي من الإهانات المكشوفة والعلنية والتي لا تقبل تأويلات أخرى. فليست عملية بروتوكولية أن يجلس وزير دفاع على ذلك الكرسي المهين، وليس بروتوكول أن يتقدم بوتين الجميع ويدخل مقر قواته في دمشق ويلحقه الأسد كأنه عنصر مرافقة! الصور والفيديوهات التي بثها الروس تقصدوا منها إظهاره كمُهان، وليس متجاوزًا لأي بروتوكول.

اقرأ/ي أيضًا: "بدل فوات الخدمة".. مجاهرة الأسد بتشريع نهب سوريا

روسيا تعمدت بث صور وفيديوهات الإهانة بإصرار، ولم تبث صورة واحدة ولا فيديو واحد يظهر فيه الأمر على أنه مجرد تقييد لبروتوكول.

 

اقرأ/ي أيضًا:

بوتين.. الشعبوية في أقبح تجلياتها

رأسمالية قيصر روسيا.. عن سياسات بوتين للنَّيل من الفقراء