ذكريات الدراسة السيئة.. في البال

ذكريات الدراسة السيئة.. في البال

ليست كل ذكريات الدراسة جيدة (محمد حسام/الأناضول)

هناك ذكريات محفورة في أذهاننا ولا يمكننا نسيانها، خاصة لو غرست في سن مبكرة، وخاصة لو كانت في أحلى فترات العمر، كما يراها الكثيرون، مرحلة الدراسة الابتدائية الأولى. ذكريات بعضها مؤلم، أبطالها اليوم انحرفوا عن أهدافهم والسبب كلمات قاتلة من أفواه معلميهم، وقد كانت هذه الكلمات قاسية لدرجة أنهم حملوها معهم بقية العمر.

عديدة هي الكلمات السيئة والجارحة التي يوجهها بعض الأساتذة للتلاميذ، دون أن يعلموا أن أثرها بالغ على نفسيتهم وعلى مستقبلهم أيضًا

"لن أنسى أنني كنت في نظر معلمتي بالمرحلة الابتدائية لا أساوي شيئًا، لقد جعلت مني تلميذًا فاشلاً وبقيت كذلك إلى غاية المرحلة الثانوية لأسقط في شهادة البكالوريا/الثانوية العامة، اليوم وبعد مضي أزيد من أربعين سنة لا أزال أحتفظ بذكرى سيئة عن أستاذتي تلك، اليوم أطمح أن ينجح أبنائي الثلاثة فنجاحهم يعني أنني انتصرت على معلمتي وعلى جرحها".

اقرأ/ي أيضًا: نظرة إلى التعليم الأساسي والثانوي في سوريا

كانت هذه كلمات رياض بوعلي، 49 سنة، صاحب محل لتصليح الأجهزة الكهربائية في الجزائر. يسرد ذلك الجزء "المظلم" من حياته، في سنوات الطفولة الأولى المرتبطة بالدراسة الابتدائية، ويضيف لـ"الترا صوت": "أستاذتي أو آنستي، كما نسميها آنذاك، كانت تصفني بـ"الغبي"، كانت تنتقدني في الصف الدراسي وتتهكم على أجوبتي، وإن أخفقت في الرد على أسئلتها توجه لي التوبيخ بشكل متكرر وكأنني ارتكبت جريمة كبرى، وهذا فعلًا ما كنت أشعر به حينها".

هي "معاناة"، كما يقول، عاشها رياض ويتذكرها وكأنها حوادث وقعت بالأمس، بقيت محفورة في ذهنه لأنها غرست في قلبه الصغير حينها كرهًا لكل ما له علاقة بالدراسة. صار يكره الذهاب إلى المدرسة، وكان يجر جسده إلى قاعة الدروس غصبًا وليس حبًا في التعليم. يتأسف رياض اليوم أن هذه المعلمة رافقته خلال كامل السنوات الست من المرحلة الابتدائية، وصارت بالنسبة له "الكابوس اليومي" في زمن الطفولة، وبسببها لم يكن مواظبًا على الدروس.

عديدة هي الكلمات السيئة والجارحة التي يوجهها بعض الأساتذة للتلاميذ، دون أن يعلموا أن أثرها بالغ على نفسيتهم وعلى مستقبلهم أيضًا. يراها الكثيرون عبارة عن سهام قاتلة أو علامة من علامات الفشل مع مرور الزمن، هي تسطر للبعض منهم طريق السقوط الحر خلال سنوات العمر. في هذا السياق، يقول لخضر ساحلي لـ"ألترا صوت" إن "عبارة "أنت حيوان" لا تزال ترن في أذنه، رغم مرور ثلاثين سنة كاملة منذ إتمام مرحلة الدراسة ويعبرها السبب في خروجه مبكرًا منها".

ويضيف لخضر ساحلي، 54 سنة: "نظرة أساتذتي في المرحلة المتوسطة كانت سيئة، لأني تربيت يتيم الأم وتزوج والدي وأنا صغير السن، ما أذكره هو أنني لم أجد الرحمة من زوجة أبي ولا من أساتذتي". لم يكن لخضر يولي الدروس أي اهتمام إلا درس الفيزياء، والسبب، حسب قوله، إن "أستاذ الفيزياء الذي لا يزال يتذكره كان يحاول معه يوميًا ليتعلم وينتبه ولا يهينه كبقية الأساتذة".

منعت وزارة التربية الجزائرية كل أشكال العنف اللفظي والمعنوي والمادي ضد التلاميذ، كما أقرت توجيه عقوبات صارمة ضد الأساتذة في ذات السياق

اقرأ/ي أيضًا: في تقييم المدارس التجريبية في مصر..

كان من المؤلم الاستماع لذكريات كبار في السن، من رجال ونساء، وهم يتحدثون عن فشلهم في الدراسة وما كان وراء ذلك من كلمات ومعاملة سيئة تلقوها من بعض المعلمين أو الأساتذة في فترات من العمر. بعض هؤلاء استطاع تجاوز الضعف الدراسي ونجح في حياته لكن الذكريات السيئة عن مراحل الدراسة بقيت راسخة في ذهنهم. تروي الممرضة أمينة نوي لـ"ألترا صوت" أن "أسوأ مرحلة في حياتها هي المرحلة الابتدائية خصوصًا وأن معلمتها في تلك المرحلة كانت تهين التلاميذ كثيرًا".

تضيف أمينة: "من فرط قسوة معلمتي كنت أرفض أن أكون في المستقبل أستاذة أو معلمة". من حسن حظها، أنها تجاوزت تلك المرحلة ونجحت في إتمام دراستها، ودخلت بعد نيلها شهادة البكالوريا لتدرس المجال شبه الطبي، وصارت اليوم ممرضة بإحدى مستشفيات العاصمة الجزائرية، إلا أنها لا تزال تتذكر تفاصيل دقيقة عن سنوات الدراسة في مختلف الأطوار.

يُذكر أن وزارة التربية الجزائرية كانت قد منعت، خلال السنوات الأخيرة، كل أشكال العنف اللفظي والمعنوي والمادي ضد التلاميذ، كما أقرت توجيه عقوبات صارمة ضد الأساتذة والموظفين، الذين يعتمدون أساليب عقابية منها الشتم والتعدي بالعنف وكل ما يلحق بالتلاميذ ضررًا ماديًا أو معنويًا، لكن رغم هذه العقوبات، الكثير من التلاميذ يشتكون، إلى اليوم، من ألفاظ قاسية، يحملونها معهم أينما ذهبوا وترافقهم طيلة سنوات.

اقرأ/ي أيضًا:

مناهج التربية الإسلامية في المغرب.. نحو المراجعة

السودان.. اغتراب طلبة المدارس الأجنبية