ذكرى انقلاب تركيا.. مؤسسة دحلان وغولن لهندسة الانقلابات الفاشلة

ذكرى انقلاب تركيا.. مؤسسة دحلان وغولن لهندسة الانقلابات الفاشلة

مرّ عام تصدي الشعب التركي لمحاولة الانقلاب الفاشل (Getty)

يصادف اليوم السبت، 15 تموز/يوليو 2017، الذكرى السنوية الأولى لمحاولة الانقلاب الفاشلة التي تعرضت لها تركيا، على يد ضباط برتب عالية، وعناصر من داخل المؤسستين العسكرية والمدنية، والتي كانت تسعى للانقلاب على الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وحكومة العدالة والتنمية. 

ومباشرة بعد أن فتحت السلطات التركية تحقيقًا لمعرفة الشخصيات التي وقفت وراء محاولة الانقلاب الفاشلة، تبيّن ضلوع جهات خارجية من بينها دولة الإمارات، وضباط استخبارات أمريكيين، فضلًا عن فتح الله غولن، المقيم في الولايات المتحدة الأمريكية.

انقلاب الـ16 ساعة

في 15 تموز/ يوليو العام الماضي، كانت أنظار العالم مثبتة على محاولة الانقلاب الفاشلة التي بدأها عناصر من الجيش التركي بزعامة قائد القوات الجوية التركية السابق أكين أوزتورك. وعلى شاشة التلفاز كانت الصور تنقل تحليقًا مكثفًا لمقاتلات ومروحيات حربية يستخدمها الانقلابييون، بينما انتشرت عناصر الجيش على الأرض في أكثر المناطق الاستراتيجية، مثل جسر "البوسفور"، الذي يصل بين الشطرين الأسيوي والأوروبي في إسطنبول. وتمكن الانقلابييون من أخذ رئيس هيئة أركان الجيش التركي، خلوصي أكار، رهينة لديهم.

16 ساعة فقط هي مدة الانقلاب الفاشل، فبعدها استطاعت الحكومة التركية استعادة السيطرة على الأوضاع في البلاد

وفي الوقت الذي أعلنت فيه وسائل إعلام عربية، بينها قناة الميادين اللبنانية المقربة من النظام السوري، وقناة سكاي نيوز العربية الممولة من الإمارات، وقناة العربية الإخبارية السعودية، نجاح الانقلابيين بالسيطرة على الحكم في تركيا، كان أردوغان يدعو من تطبيق "فيس تايم" عبر محطة "سي إن إن ترك" نزول الشعب إلى الشارع كي يتصدى للانقلابيين.

اقرأ/ي أيضًا: شهادة تونسية في إسطنبول ليلة الانقلاب التركي

وبالفعل لم تمضِ 16 ساعة إلا وكانت الحكومة التركية الشرعية تستعيد السيطرة على المؤسسات التي تمكن الانقلابيون من اقتحامها، وباشرت بعملية اعتقالات في صفوف الجيش والمؤسسات الحكومية والمدنية التي ثبت ضلوعها بمحاولة الانقلاب الفاشلة, وطالت الاعتقالات جنرالات وضباطًا برتب عالية في الجيش التركي، بات المتابع لقضية الانقلاب الفاشل في تركيا على دراية بهم.

ويوم الخميس الماضي، أعلنت وزارة العدل التركية، أن السلطات القضائية اتخذت إجراءات قانونية بحق 169 ألف و13 مشتبهًا، وأنه جرى إلقاء القبض على 50 الفًا و510 شخصًا بعد محاولة الانقلاب الفاشلة، فضلًا عن إصدار مذكرات قبض بحق 8087 شخصًا من ضمنهم 152 عسكريًا، و392 شرطيًا وقائم مقام، و265 شخصًا يعملون داخل الأجهزة القضائية المختلفة، فيما قضى على إثر محاولة الانقلاب الفاشلة 250 شخصًا أثناء تصديهم للانقلابيين، وأصيب 2193 شخصًا على الأقل، وفق ما نقلت وكالة الأناضول التركية.

دحلان وغولن.. تناغم الهاربين الفاشل

أظهرت تحقيقات السلطات التركية التي تقفت أثر الجهات الواقفة خلف محاولة الانقلاب الفاشلة، أن جماعة الخدمة أو ما تُسمى بـ"الكيان الموازي" بقيادة الداعية فتح الله غولن الذي يقيم في ولاية بنسلفانيا الأمريكية، تقف وراء محاولة الانقلاب الفاشلة، وأنّ غولن نفسه كان على تواصل مع رجل الأمن والأعمال القذرة المفصول من حركة فتح محمد دحلان، والذي أصبح بعد هربه من فلسطين مستشارًا لولي عهد أبوظبي محمد بن زايد آل نهيان.

وفي آذار/مارس الماضي نشر الصحفيان التركيان، يلدراي أوغور وجيرين كينار، تحقيقًا استقصائيًا كشف عن وقوف جماعة غولن بالأدلة خلف محاولة الانقلاب الفاشلة، إذ أظهر التحقيق سفر قيادات في الحركة إلى الولايات المتحدة أكثر من عشرة مرات، وهناك من سافر نحو 109 مرات بين أعوام 2002 و2016، وكانت "المصادفة" عودة معظمهم إلى تركيا في أخر مرة سافروا فيها بتاريخ 13 تموز/يوليو 2016، أي قبل يومين من حدوث الانقلاب الفاشل.

وتتبع التحقيق مسار شخصيات عسكرية ومدنية كانت مشاركة في عملية الانقلاب الفاشل، وكيف نمت داخل منظمة غولن، واستطاعت أن تتغلغل في الجيش. ويستذكر الصحافيان في تقريرهما حديثًا للقنصل الأمريكي في إسطنبول "شارون أ.وينر"، في عام 2009، قال فيه إنّ "مجموعة أخرى تشعل غضب الكماليين، هم أتباع فتح الله غولن، تتفق مصادرنا على أنهم في كل مكان داخل الدولة التركية والمجتمع، بما في ذلك أعظم قلاع الكمالية، أي الجيش". 

وفي الحقيقة لا يمكن اختزال التحقيق هنا نظرًا لتسليطه الضوء على منظمة غولن من الداخل، والنظام الداخلي المفروض عليهم بشكل صارم، حتى أن العضو الواحد في الجماعة لا يعرف أكثر من ثلاثة أعضاء، وأن الجميع يُعرّف عن نفسه بأسماء حركية، أي لا أحد يعرف أسماء الأعضاء الحقيقية.

كان الشعب التركي حائط الصد الأول لمحاولة الانقلاب الفاشلة (Getty)
كان الشعب التركي حائط الصد الأول لمحاولة الانقلاب الفاشلة (Getty)

لكن ماذا عن القيادي الفتحاوي المطرود محمد دحلان؟ يعتبر الأخير من مهندسي الثورات المضادة التي وقفت في وجه تطلعات شعوب ثورات الربيع العربي، وتُعد تركيا إلى جانب قطر من أكثر الدول التي دعمت حراك دول الربيع العربي المطالب بانتقال ديمقراطي للسلطات. وفيما كانت محطات إخبارية تبث خبر وصول أردوغان لمطار "أتاتورك" في إسطنبول، كتبت قناة "سكاي نيوز" الإماراتية على شريطها الإخباري الأصفر، أن أردوغان يطلب اللجوء إلى ألمانيا، وإلى ذلك يقول رئيس تحرير صحيفة "يني شفق" التركية، إبراهيم قراغول، إن الإمارات خصصت مبلغ 60 مليون دولار أمريكي لمحاولة الانقلاب الفاشلة بقيادة دحلان.

وكذلك كشف تقرير أعده رئيس تحرير موقع "ميدل أيست أي"، ديفيد هيرست، عن أن الحكومة التركية على ثقة بوقوف دحلان وراء عملية الانقلاب الفاشلة، إذ نقل عن مصدر مقرب من جهاز المخابرات التركية، أن "حكومة دولة الإمارات تعاونت مع الضالعين في محاولة الانقلاب الفاشلة التي حدثت في تركيا مؤخرًا، وقدمت لهم أموالًا قبل أسابيع قليلة من المحاولة الانقلابية"، مُضيفًا أن دحلان كان على اتصالات بغولن قبل أسابيع من وقوع الانقلاب بوساطة رجل أعمال فلسطيني يقيم في الولايات المتحدة.

وكانت الإمارات قد انتظرت 16 ساعة حتى أصدرت بيانًا يدين عملية الانقلاب الفاشل في تركيا، وجاء توقيت صدوره بعد ساعة من إصدار السعودية بيان إدانة. وقال هيرست عن مصادر خاصة، إن الإمارات نأت بنفسها عن دحلان، وأنها أجبرته على مغادرة أراضيها حيثُ على الأرجح توجه إلى مصر. وفي محاولةٍ لتحسين علاقاتها مع الحكومة التركية، قامت الإمارات بتسليم قائد القوات التركية في أفغانستان جاهد باقر، وقائد مكتب التدريب والدعم والاستشارة في القوات التركية بكابول ،شنر طوبشو، بناء على طلب من السلطات التركية بعد علمها بفرارهما من أفغانستان إلى دبي.

 عقدة الانقلابات الإماراتية

لم يعد غائبًا أن الأزمة الخليجية التي بدأتها دول الحصار الأربع، باتخاذها سلسلة إجراءات ضد دولة قطر للضغط عليها من أجل تغيير قرارها السياسي، حملت بصمات إماراتية، كما أظهرت التقارير أن الانقلاب الناعم في الرياض، بإعلان محمد بن سلمان وليًا للعهد، وعزل ابن عمه محمد بن نايف، وقفت خلفه أبوظبي التي وقفت أيضًا في ظهر السيسي وانقلابه على محمد مرسي.

نصّبت الإمارات نفسها عرابةً للانقلابات والثورات المضادة في المنطقة، لكنها إذ نجحت في ذلك مع دولة كمصر إلا أنها فشلت مع تركيا وقطر

فالإمارات هي الدولة التي نصّبت نفسها على قمة صف الدول المناهضة لحراك الربيع العربي، لكن المفارقة أن الامارات نجحت في تغيير نظامي الحكم بالرياض والقاهرة، وفشلت خططها مع تركيا وقطر في ذات الهدف، فكان من نتائج فشل انقلاب تركيا أن الامارات لا تزال تبحث عن دور إقليمي أكثر شأنًا، بينما استطاعت أنقرة والدوحة أن تظهرا مدى حجمهما الإقليمي على الساحة الدولية، بإفشالهما المخطط الإماراتي.

اقرأ/ي أيضًا: هل تورطت الإمارات في الانقلاب التركي؟ لنسأل دحلان

وظهر منذ فشل المحاولة الانقلابية، عمق التقارب التركي القطري في وجهات النظر، وقد وبرز هذا التقارب بعد فرض الحصار على قطر، لتقوم تركيا بالرد عليهم عبر دعمها لحكومة الدوحة، وتأكيدها على أنّ الأزمة يجب أن تُحل بالجلوس على طاولة مفاوضات.

تركيا.. بعيدًا عن أوروبا قريبًا من روسيا وقطر

وفي الوقت الذي بدأت فيه تركيا استعادة ثقلها الدولي، أصبحت أكثر بعدًا عن مقعد الاتحاد الأوروبي، بعد انتقادات وجهتها دول أوروبية لأنقرة مرتبطة بحقوق الإنسان، لكن الأمور أخذت منحى مختلفًا عندما جاءت نتيجة الاستفتاء على التعديلات الدستورية في نيسان/أبريل الماضي، بالإيجاب، وهي التي توسع من صلاحيات رئيس تركيا الذي سينتخب في 2019.

ومنعت دول أوروبية وزراء في حزب العدالة والتنمية من دخول أراضيها لإلقاء كلمات خلال تجمعات للجالية التركية تدعم التعديلات الدستورية، ما نجم عنه الأزمة الأوروبية التركية المعروفة. وبعد انتهاء قمة مجموعة الدول العشرين، أعلنت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل عن وجود "خلافات عميقة" مع تركيا، كما أقر الجيش الألماني سحب الجنود الألمان من قاعدة "إنجرليك" التركية التي تتمركز فيها قوات الناتو، بعد منع أنقرة وزراء ألمان من زيارتها بسبب علاقتهم مع حزب العمال الكردستاني الموضوع على قوائم الإرهاب في تركيا ودول أُخرى، ما يدل على أن حكومة العدالة والتنمية قد تدخل في أزمة طويلة مع الاتحاد الأوروبي.

لكن تركيا في مقابل ذلك أعادت علاقاتها الدبلوماسية مع روسيا بعد قطيعة سابقة، ناتجة عن إسقاط الدفاعات التركية مقاتلة روسية دخلت الأجواء التركية. وتقود أنقرة وموسكو حاليًا مباحثات أستانا بهدف الوصول لحل سياسي في سوريا، علاوًة على توقيع اتفاقات اقتصادية وتجارية بين الطرفين، ولدى أنقرة قاعدة عسكرية في قطر على خلفية اتفاقية سابقة تم تفعيلها بعد الحصار الذي فرض على الدوحة. 

في مقابل الخلاف مع  أوروبا، اتجهت تركيا لتوطيد علاقاتها مع روسيا وقطر التي تستضيف قاعدة عسكرية تركية منذ فرض الحصار عليها

وردًا على دعوة دول الحصار لإغلاقها، قال وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو: "أود التأكيد على إنه لا يمكن القبول بالمطالب (مطالب دول الحصار الـ13) وخصوصًا تلك التي تتعلق بقاعدتنا العسكرية في قطر".

اقرأ/ي أيضًا: قطر وتركيا.. القصة وراء أقوى تحالفات المنطقة

من هذا المنطلق يظهر أن تركيا رغم أنها أفشلت محاولة الانقلاب على الحكومة الشرعية، إلا أنها لا تزال هدفًا لدول إقليمية بسبب سياستها الخارجية، ومن بين فصول الصراع الإقليمي محاولة حلف دول الحصار تغيير القرار السياسي القطري، إلا أن ما يتضح هو فشلها إما في محاولة الانقلاب، أو في حصار الدوحة للضغط عليها، وفي كلا الأمرين خرجت تلك الدول بلا أي غنيمة سياسية.

 

اقرأ/ي أيضًا:

الانقلاب التركي ظهر قبل 4 أشهر من حدوثه

الجدول الزمني لصعود وهبوط الانقلاب في تركيا