ذاهبون إلى الليل

ذاهبون إلى الليل

لوحة لـ جانيس كونيليس/ إيطاليا

عندما تنفد مواردي

كأن ينطفئ الضوء في عيني

أو تنهدم الجسارة في قلبي

أخرج إليك

أتمشى في دربك

وحيثما لا أجدك

أترك لك علامة

أطبع بالطين خطواتي

والشمس تأسرها هناك.

*

 

بِعصا طويلة في نهايتها خُطّاف

أهز أكواز الصنوبر

حيث أعلى الشجرة

مليء بها

تباعًا

تسقط الأوراق الإبرية والأكواز

على الأرض

قبل أعوام

تعلمت كيف أصنع بالأخيرة شمعدانات

وكيف أجعل من نزهة عابرة

حدثًا متقدًا ودافئًا

حيث الأغصان ترفرف بخفة وحزن كلما غادرنا

وجذور السروة التي تعثّرنا بها

تلك التي انتشرت ـ من حيث لا نرى ـ

في الأرض

كالثعابين.

*

 

هناك في بيتي

شجرة ليمون

وشجرة زيتون

أدل الناس بهما عليّ

لكنني عندما أفكر بالتقاط صورة لي

أو لأولادي

فإنني أختار شجرة غريبة

وحيدة وملهمة

تصنع مفترقًا

على الطريق الصاعد إلى البيت

جذعها كالبرميل

يحمل مشهدية قديمة

توحي بخلود اللحظات.

*

 

أَكتب لحظات قديمة

لمشاعر أعرفها

أكتب بأثر رجعي

حوادث الماضي

حيث لم أكن مرة

ابنة ذكية للّحظات

حيث لم أحفل بمرورها

إلا في هامش اليوم والتاريخ

حيث لم أقطف مرة أضواءها

إن كان هناك وقت لذلك

إلا بعد فواته

ببطء خلاّب

وتثاقل.

*

 

قبل أيام

عرفت نسخة مفاجأة

من نفسي

وردتني رسالة قصيرة

تقول إن أحدهم يموت

في مكان بارد وبعيد

كنت آنذاك في صالون التجميل

مصففة فوق رأسي تخلط الأصباغ

وأخرى قرب يدي تحف أظافري

ظللت أحملق بالمرآة

كأنني صورة لامرأة تتزين

معلقة هناك منذ زمن

قلبي يدق بانتظام

يداي دافئتان

عيناي ساهمتان

وشفاهي رطبة

حيث لا أثر لأي فاجعة أو مأساة

بعد ساعة صار لدي شعر زيتي

وأظافر جميلة

لساعة أخرى تزيد أو تقل

مشيت في رام الله

أخذتني قدماي بفعل التكرار

إلى محطة الحافلات

في المقعد الأمامي

مع الغيم وأضواء الشوارع

كان الماضي يعود من حيث أتى

بينما أمضي بتسارع

نحو اللحظات القليلة التي

تفصلني عن حاضر آت

ومستقبل مريب.

*

 

بينما كنتَ نائمًا

زورت إحدى إجابتك

كان ذلك صعبًا للغاية

لقد ظلت لمستي بارزة وفاضحة

غداً

عندما تبدأ معلمتك في تدقيق الإجابات

ستجد رقمًا لا يخصك

رغم أنني تدربت مرات على فعل ذلك

حاولت مثل محتال أن أتقنه

دون جدوى

في نهاية الأمر

قررت أن أتبع حيلة خطيرة

حرصت دومًا على تجنبها

شيئًا فشيئًا

بدأت أشبهك

تخيفني المعلمة والصف والشرطي والغريب

تقلقني أمي وأبي وواجباتي

أحب البيت والأرقام والخيل والعناكب،

والنجوم وإن كانت من ورق

وبينما كان الأمر ينجح بسرعة

واضطراد

والخط فائق التشابه يصير

ظلت تراودني فكرة واحدة

كان على أحدنا أن يتغير

أن يتماهى في سبيل مشاركة الآخر خوفه

محتضنًا إياه دون انفصال

ومضيعًا نسخته الخاصة

إلى الأبد.

*

 

لا تظل الشجرة شجرة

عندما يجيء الخريف

وتفقد كل أوراقها.

عندما يجيء الليل

وتصير الظلمة شائعة

في كل شيء تدركه

ستضللك الشجرة

وهي تطلق أغصانًا مشحوذة

وحرة

إلى السماء

فتقول:

ظننتها شاعوبًا أو مذراة،

والقطة التي تموء هناك

في أعلى الشجرة بتحامل

وألم.

*

 

ذاهبون إلى الليل

يلحق كل منا قلقه

الشبان كل صوت يطرق بالمخيلة

كعوبا رفيعة أو رصاص

والأمهات خيال صغارهن إلى البيت

والقطط جوعها الذي لا يكف

ومثل أي هاربة خلف تناقص أثر الناس أمضي

وراء أقدام الجِمال

أقراصًا على التراب مخبوزة بالشمس

توصلني لمن لا يسألونني

من أين؟

للنجم جليًا وسط السماء أعود

ولحاجة سحيقة قرب النبع.

*

 

هنالك دومًا لمسة نهائية

لإكمال المشهد

تصنعها الطبيعة

أو نُحدِثها نحن

عربة مشروبات ساخنة في شارع ركب

نجمة تكمل امتدادًا بعيدًا لأضواء المدن في المدى

بائع مناديل ورقية قرب موقف الضاحية

عشر كلاب تنبح على الطريق ناد الفروسية

وعيناي معلقتان كثمار نيئة على شجرة غريبة

أقطع الطريق ملتفة حولها

أَنظر

للورق الفريد

يُسرِّح الريح

والنظرات

بعدما كادت حافلة مسرعة

أن تصدمني.

 

اقرأ/ي أيضًا:

الصدأ الذي أكلنا

الموت صار عكّازًا