ذاكرة على الرصيف

ذاكرة على الرصيف

جاكسون بولوك/ أمريكا

يُخَيَّل إليّ أن درجة الحرارة تجاوزت الأربعين بقليل. ينز عرق مالح من جفوني ويسبب لي حرقة بسيطة. ربما كان هذا هو سبب عجزي عن رفع رأسي. أركز نظري بثقل على خطوات المارة وأحذيتهم وطريقة مشيهم وأعد حتى أرجل الكلاب التي ترافقهم. سحبت نفسًا عميقًا وبكل ما استطعت رَكَزْتُ رأسي؛ أول مرة أجلس على هذا الرصيف المائي، كل شيء يوحي بسكون ثقيل: الإوز الراكد في الخليج الصغير، الزوارق التي لا يهتز لها شراع، صفحة الماء الميتة، وحتى بضع سحابات قد تسطحن على بعد فوق الصواري. يبدو المكان مألوفاً بصورة مملة رغم أنني لا أعرفه!

أفرجتُ أصابعي عن ورقة مجعدة كاد العرق يتلفها وكان الخط في وسطها رديئًا ومنحدرًا: "المُسجّلة في جيبك اليمين". مددت يدي وأخرجت مسجلة ماركة سوني صغيرة من النوع القديم المخصص للكاسيتات. كانت ورقة ملصقة على ظهرها مكتوب عليها اضغطي هنا بينما يشير سهم بجانب العبارة إلى الزر الأخير ناحية اليمين. ضغطت الزر فتدفق صوت امرأة: اسمك ابتسام، متزوجة بلا أطفال، تحبين القطط المنزلية والدوناتس..."، أوقفتُ المسجلة. كان حلقي جافًا وشفتاي مطبقتين كأنما بمغزل وخيط. سلكتُ حنجرتي وحركتُ لساني الثقيل كأنه محشو بصخرة: "اسمك ابتسام، اسمك ابتسام، ابتسام" كان الصوت صوتي بلا شك، لكن الاسم لم يثر فيّ أيّ عاطفة وعلى العكس بدا جافًا كزبيبة مجعدة.

ضغطتُ المسجلة مرة أخرى فتدفق الصوت: "إذا كانت الساعة تشير إلى التاسعة صباحًا أو الثالثة مساءً فهذا وقت الحبة الزرقاء المدورة في جيبك اليسار". نظرتُ إلى الساعة في معصمي كانت تشير إلى الثالثة إلا عشر دقائق. خطر لي أن عشر دقائق لن تؤثر شيئًا في تقويم الحبة الزرقاء، فأخرجتها من ظرفها البلاستيكي الشفاف وابتلعتها بحركة آلية وبلا ماء، وقفت قليلًا في حلقي ثم انحدرت بسرعة. كان الحر قد وصل حدًّا لا يُطاق ربما تجاوز الأربعين بقليل.

ضغطت زر المسجلة: "أنت غالبًا على الرصيف المائي، قريبة من البيت، فقط انحرفي شمالًا باتجاه كافيه دو لا بيه، ثم شمالًا مرة أخرى باتجاه ريج بالاس، أبقي مرآب السيارات على يمينك، امشي سبع دقائق ثم قبل مكتب البريد ادخلي المبنى رقم 57 واصعدي الى الطابق الثاني الشقة رقم 3 المفتاح في جيبك الخلفي.

قمت بتثاقل شعرت معه أن عظام ظهري توشك على التكسر. نظرت حولي، كانت درجة الحرارة تبدو وكأنها تجاوزت الأربعين بقليل، كان رأسي ثقيل وبدا المكان حولي مألوفًا رغم أنني لم أزره قبل الآن. كل شيء كان ساكنًا وميتًا حتى أوراق شجيرات الغاردينيا الصغيرة قبالة الرصيف المائي. كانت ورقة صغيرة مضغوطة بين أصابعي تشير إلى مسجلة في جيبي اليمين. أخرجتها وضغطت حيث يشير سهم على ورقة ألصقت بظهر المسجلة: "اسمك ابتسام، متزوجة بلا أطفال... كررت وراءها اسمك ابتسام، ابتسام، لنا الصوت ذاته رغم أن الاسم يبدو غير مألوف بالمرة. أكملت: "إذا كانت الساعة تشير إلى التاسعة صباحًا أو الثالثة مساءً فهذا وقت الحبة الزرقاء المدورة في جيبك اليسار". نظرت إلى الساعة في معصمي كانت تشير إلى الثالثة وثلاث دقائق، خطر لي أن ثلاث دقائق لن تؤثر شيئًا في تقويم الدواء، مددت يدي الى جيبي اليسار أخرجت كيسًا بلاستيكيًا فارغًا، شعرت بذعر يشتاح حلقي وأطرافي، وكأن حياتي بأكملها معلقة على الحبة الزرقاء المفقودة. اللعنة، أين الحبة. بلعت ريقي وجلستُ على مقعد خلفي أبحلق في خلفيات المارة، هالني التباين الفظيع في استدارتها، وامتلائها، وحركتها الرتيبة ورحت أعد حتى خلفيات الكلاب التي ترافقهم.

كانت الحرارة قاتلة، المكان الساكن بشكل مريب حولي غريب ومألوف. رأسي كقالب إسمنت ويدي تطبق على ورقة مجعدة فتحتها وبحلقت في الخط الرديء المائل بينما كانت تدور في رأسي كرة زرقاء صغيرة بحجم حبة! تساءلت ما الذي تفعله حبة زرقاء في كل هذا البياض الذي يطفو بداخلي.

 

اقرأ/ي أيضًا:

عندنا كنا ضحايا

العرافة