ديون فنزويلا المتعثرة بالمليارات: من يطرق أبواب كاراكاس لتحصيل مستحقاته؟
5 يناير 2026
أعاد سقوط الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو تسليط الضوء على واحدة من أعقد أزمات الديون السيادية غير المحسومة في العالم، وهي أزمة الديون الخارجية لفنزويلا التي تراكمت على مدى سنوات من الانكماش الاقتصادي والعقوبات الأميركية، والعزلة عن الأسواق المالية الدولية.
وحسب تقرير لوكالة "رويترز"، تُعد فنزويلا منذ أواخر عام 2017 في حالة تخلّف عن السداد، بعد أن أخفقت في الإيفاء بالتزاماتها تجاه السندات الدولية الصادرة عن الحكومة وشركة النفط الوطنية "بتروليوس دي فنزويلا" (PDVSA)، ما فتح الباب أمام موجة طويلة من النزاعات القانونية والمطالبات الدولية.
حجم الدين: أرقام تفوق قدرة الاقتصاد
يقدّر محللون أن قيمة السندات الفنزويلية المتعثرة تبلغ نحو 60 مليار دولار، إلا أن إجمالي الديون الخارجية، بما يشمل التزامات PDVSA، والقروض الثنائية، وأحكام التحكيم الدولية، يتراوح بين 150 و170 مليار دولار، بحسب طريقة احتساب الفوائد المتراكمة والأحكام القضائية.
هل ستدخل فنزويلا تسوية ديون طال انتظارها، أم سيبقى ملف الديون الخاص بها واحدًا من أعقد ملفات الإفلاس السيادي في العالم؟
ويضع هذا العبء فنزويلا في وضع مالي بالغ الهشاشة، إذ يقدّر صندوق النقد الدولي الناتج المحلي الإجمالي الاسمي للبلاد في عام 2025 بنحو 82.8 مليار دولار فقط، ما يعني أن نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي تتراوح بين 180% و200%، وهي من أعلى النسب عالميًا.
ومن بين أكثر الأصول حساسية في هذا الملف، شركة "سيتغو" الأميركية لتكرير النفط، والتي رُهنت غالبية أسهمها كضمان لسندات PDVSA المستحقة في عام 2020، لتتحول لاحقًا إلى محور رئيسي في معركة قضائية بين الدائنين.
من يملك الديون؟
أدّت العقوبات الأميركية، لا سيما حظر تداول الديون الفنزويلية، إلى تعقيد معرفة هيكل الملكية الحالي للسندات. غير أن التقديرات تشير إلى أن الشريحة الأكبر من الدائنين التجاريين تضم مستثمرين دوليين متخصصين في الديون المتعثرة، يُعرف بعضهم بـ"صناديق النسور".
وتبرز أيضًا مجموعة من الشركات التي حصلت على تعويضات بمليارات الدولارات عبر التحكيم الدولي بعد مصادرة أصولها في فنزويلا خلال سنوات حكم سابقة. وقد أقرّت محاكم أميركية أحكامًا لصالح شركات مثل كونوكو فيليبس وكريستالكس، ما حوّل مطالباتها إلى ديون قابلة للتنفيذ القضائي على أصول فنزويلية في الخارج.
وفي هذا السياق، سجّلت محكمة في ولاية ديلاوير الأميركية مطالبات بنحو 19 مليار دولار للمشاركة في مزاد شركة "PDV Holding"، المالكة لشركة سيتغو، وهو رقم يفوق بكثير القيمة التقديرية لأصول الشركة، ما يعكس شدة التنافس بين الدائنين.
إلى جانب ذلك، تمتلك فنزويلا دائنين ثنائيين، في مقدمتهم الصين وروسيا، اللتان قدمتا قروضًا كبيرة خلال عهدي الرئيس الراحل هوغو تشافيز وخلفه نيكولاس مادورو، وسط غياب بيانات رسمية دقيقة عن حجم هذه الالتزامات.
إعادة هيكلة بعيدة ومعقدة
يرى مراقبون أن أي عملية إعادة هيكلة شاملة للديون ستكون طويلة ومعقدة للغاية، نظرًا لتعدد المطالبات، وتشابك المسارات القضائية، واستمرار الغموض السياسي.
ومن المرجح أن تتطلب أي تسوية سيادية برنامجًا بإشراف صندوق النقد الدولي يضع أهدافًا مالية وافتراضات واضحة لاستدامة الدين، إلا أن فنزويلا لم تخضع لمشاورات سنوية مع الصندوق منذ قرابة عقدين، ولا تزال محرومة من التمويل الدولي.
وتبقى العقوبات الأميركية عائقًا رئيسيًا، إذ إن القيود المفروضة منذ عام 2017 تمنع فنزويلا من إصدار أو إعادة هيكلة ديونها دون تراخيص خاصة من وزارة الخزانة الأميركية. وحتى الآن، لا يزال مستقبل هذه العقوبات غير واضح، رغم تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب بأن بلاده "ستدير" الدولة المنتجة للنفط.
قيم الاسترداد: تفاؤل حذر في الأسواق
شهدت السندات الفنزويلية المتعثرة ارتفاعًا ملحوظًا خلال عام 2025، محققة عوائد تقارب 95% على مستوى المؤشرات، مدفوعة برهانات المستثمرين على تغيّر سياسي محتمل.
وتتداول معظم هذه السندات حاليًا بين 27 و32 سنتًا للدولار، وفق بيانات MarketAxess. وفي تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، قدّر محللو "سيتي غروب" أن استعادة الاستدامة المالية تتطلب خفضًا لا يقل عن 50% من أصل الدين.
وبحسب السيناريو الأساسي لـ"سيتي"، قد تُعرض على الدائنين سندات لأجل 20 عامًا بعائد يقارب 4.4%، إلى جانب سندات بدون فائدة لمدة 10 سنوات لتعويض الفوائد المتأخرة، مع قيمة حالية صافية تُقدّر في منتصف الأربعينات سنتًا للدولار، وقد ترتفع إلى أواخر الأربعينات إذا أُضيفت أدوات مرتبطة بأسعار النفط.
في المقابل، تتبنى مؤسسات استثمارية أخرى تقديرات أكثر تحفظًا، إذ أشارت "أبردين إنفستمنتس" إلى أن توقعاتها الأولية كانت تدور حول 25 سنتًا للدولار، مع احتمال تحسّنها إلى نطاق 30–35 سنتًا في حال تحسّن البيئة السياسية وتخفيف العقوبات.
ورغم التحسن النسبي في تقييم الديون بالأسواق، لا يزال الاقتصاد الفنزويلي يرزح تحت عبء سنوات من الانكماش والعزلة، في وقت تترقب فيه الأوساط المالية الدولية مآلات المشهد السياسي والعقوبات الأميركية، باعتبارهما العاملين الحاسمين في تحديد ما إذا كانت فنزويلا ستدخل أخيرًا مسار تسوية ديون طال انتظاره، أم ستبقى واحدة من أعقد ملفات الإفلاس السيادي في العالم.