08-يناير-2019

كان انقلاب الغابون أقصر انقلاب في تاريخ أفريقيا (تويتر)

استيقظ الشعب الغابوني فجر الإثنين على وقع انقلاب عسكري بقيادة الملازم، كيلي أوندو أوبيانغ، الذي استولى على مبنى الإذاعة الوطنية، ملقيًا بينما كانت تحرسه مجموعة من الجنود، بيانًا استمر لنحو نصف ساعة، أعلن فيه تشكيل "مجلس وطني للإصلاح" بهدف استعادة الديمقراطية.

من الواضح أن علي بونغو يعتبر رجل فرنسا المدلل، كما أن باريس لن تدعم الانقلابين إلا في حالة قدموا تنازلات وعروض مغرية لشركات النفط الفرنسية

جاءت هذه التطورات وسط أنباء متضاربة عن صحة الرئيس الغابوني علي بونغو الذي يعيش فترة نقاهة صحية في المغرب، باعتبار أنه لم يعد قادرًا على إدارة الأوضاع من العاصمة ليبرفيل، وقد قررت المجموعة الانقلابية، التي أطلقت على نفسها اسم "الحركة الوطنية لقوات الدفاع والأمن" في الغابون تولي مهام إدارة البلاد.

اقرأ/ي أيضًا: لغز اختفاء رئيس الغابون في السعودية.. عمر بونغو في العناية الغامضة!

إجهاض أقصر انقلاب أفريقي

إلا أن المجموعة التي استولت على الحكم لفترة وجيزة من الوقت لم تكشف هويتها النهائية ومن يدعمها بسبب تحركات أخرى من قيادة الجيش أجهضت الانقلاب في مهده، بالتزامن أيضًا مع انتشار دبابات ومركبات مدرعة في شوارع العاصمة ليفربيل، ووسط أنباء عن فرض حظر التجول وقطع خدمة الإنترنت، ما جعل انقلاب مجموعة "اللفتنانت" (رتبة عسكرية)، أقصر انقلاب أفريقي تقريبًا، إذ استمر لبضع ساعات فقط.

في منتصف النهار، أعلنت حكومة الغابون استعادة السيطرة على البلاد وتوقيف من وصفتهم بالمتمردين، وقال المتحدث باسم الحكومة غي بيرتران مابانغو إن قوات الأمن نشرت في العاصمة وستبقى في الأيام المقبلة لضمان النظام، مشيرًا إلى أن الهدوء عاد، والوضع تحت السيطرة، وأضاف أنه من أصل خمسة عسكريين استولوا على مبنى الإذاعة والتلفزيون الوطني ليلة الأحد- الإثنين، "تم توقيف أربعة ولاذ واحد بالفرار"، ومن المرجح أن يكون قائد المحاولة الملازم كيلي قد فلت من الاعتقال وفر إلى مكان مجهول.

لغز مرض بونغو

في منتصف تشرين الثاني/نوفمبر، هبطت طائرة الرئيس الغابوني علي بونغو (59 عامًا) في مطار الرياض للمشاركة في منتدى مبادرة مستقبل الاستثمار السعودي، وأصيب بعدها بجلطة دماغية مفاجئة، ألقت به في العناية المُكثفة دون حراك، وتحولت قصته إلى لغز جديد محير، فيما تناثرت الأسئلة الشائكة حول مصيره، قبل أن تعلن السلطات السعودية تفاصيل مرضه، وانتقاله لاحقًا إلى المغرب لقضاء فترة نقاهة طويلة.

ووسط مخاوف من تفعيل المادة 13 من الدستور الغابوني وإدارة فترة انتقالية يصبح رئيس المجلس الوطني فيها رئيسًا للبلاد إلى حين انتخاب رئيس جديد، عجلت تلك المخاوف بتحركات في الدائرة المقربة لعلي بونغو، وتمرير معلومات مغلوطة عن وضعه الصحي، وتوجيهه لإلقاء خطاب إلى الشعب الغابوني، بمناسبة السنة الجديدة من العاصمة الرباط، وقال الرئيس الغابوني في خطابه الأخير: "صحيح أنني مررت بمرحلة صعبة، وهذا الأمر يحصل أحيانا في الحياة"،  لكنني "اليوم، كما تلاحظون، أشعر بتحسن وأستعد للقائكم سريعًا جدًا"، بينما اعتبرت الحكومة الغابونية أن ذلك الخطاب "دليل على أن الرئيس علي بونغو تعافى تمامًا، وأن مشاكله الصحية باتت وراءه".

أزمة فراغ دستوري

كان هذا الخطاب وكأنه جعل من الرباط مقاطعة غابونية تدار منها البلاد، ما تسبب بتفجر موجة من الاستياء وسط المواطنيين والقوى السياسية المعارضة لكون البلاد تعيش حالة أقرب إلى الفراغ الدستوري، وهو غالبًا ما حدا بالتحرك العسكري الأخير، فيما قال كيلي أوندو أوبيانج زعيم الحركة الانقلابية إن الكلمة التي ألقاها علي بونغو بمناسبة العام الجديد "عززت الشكوك في قدرة الرئيس على الاستمرار في القيام بمسؤوليات منصبه".

ونقلت مصادر صحفية عن وقفات في عدد من السفارات الغربية من قبل غابونيين يحثون الجيش على دعم الانقلاب الجديد، فيما تجمع حشد من 300 شخص تقريبًا عند مقر المحطة الإذاعية دعمًا لمحاولة الانقلاب، لكن الجنود أطلقوا الغاز المسيل للدموع لتفريقهم، ليسود الهدوء الحذر أنحاء العاصمة ليبرفيل وسط تحركات كثيفة لآليات الجيش وطائرات الهيلوكبتر العسكرية. وبالمقابل أشارت تقارير صحفية إلى تواجد ملك المغرب محمد السادس في الغابون أثناء العملية الانقلابية، دون معرفة إذ ما كان غادرها بعد ذلك أم لا.

تباين شعبي

كتب أحد الناشطين الغابونيين، جين موكوتو، على صفحته في موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك قائلًا: "على الشعب أن يخرج ويدعم أي تحركات عسكرية تطيح بعلي بونغو. الوضع على الأرض غير مستقر لأحد، ومناورة السلطة في منع الالتفاف الشعبي، تبدو مفضوحة بإثارة الخوف والرعب". بينما كتب عدد من المغردين مستنكرين هذا الانقلاب الذي وصفوه بالغبي والمتهور، باعتبار أنه هرع للاستيلاء على الإذاعة وترك المقرات العكسرية خارج سيطرته، ولم يعتقل الموالين للرئيس بونغو من قيادات سياسية وعسكرية". ووفقًا للناشطة في المجتمع المدني لورانس ندونغ، فإن الوضع ليس تمامًا تحت السيطرة، بينما كتب ناشط غابوني آخر، وهو كلاريك كاموا، أن "انقلاب يوم أفضل من العبودية مدى الحياة".

كانت تشاد التي زار رئيسها مؤخرًا تل أبيب في محاولة لتطبيع العلاقة مع دولة الكيان الصهيوني، أول دولة أفريقية تدين الانقلاب الغابوني، ودعت تشاد جميع القوى السياسية الغابونية إلى تسوية خلافاتهم في ظل احترام النظام الدستوري، بينما يرى البعض أن نجاح انقلاب الغابون كان سيتم فقط في حالة تدخل القوات الفرنسية المتواجدة في أفريقيا الوسطى، وهو ما لم يحدث، ربما بسبب أن علي بونغو يعتبر رجل فرنسا المدلل، كما أن باريس لن تدعم الانقلابين إلا في حالة قدموا تنازلات وعروض مغرية لشركات النفط الفرنسية، كما يرى بعض المحللين، وهو ما يقوم به الرئيس بونغو حاليًا.

ترامب على الخط

كان لافتًا أيضًا نشر الولايات المتحدة الأمريكية قوات عسكرية في الغابون قبل الانقلاب بيومين، إذ أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، أن بلاده نشرت قوة عسكرية في الغابون خشية أعمال عنف قد تنشب في جمهورية الكونغو الديمقراطية، المجاورة للغابون، في أعقاب انتخابات الرئاسة. وقال ترامب إن أول دفعة من نحو 80 جنديًا، قد وصلت إلى الغابون الأربعاء الماضي، وأشار في رسالة للكونغرس إلى أن تلك القوة "ستبقى في المنطقة حتى يصبح الاستغناء عنها في الكونغو ممكنًا". وهو ما يبدو أن له علاقة بالتطورات العسكرية الأخيرة، دون أن يكون واضحًا الموقف الأمريكي الحقيقي من الانقلاب العسكري.

اقرأ/ي أيضًا: هوية إفريقيا.. من المسرح المفتوح إلى وهم الاستقلال

في السياق عينه، أخرجت تطورات مرض الرئيس علي بونغو الزعيم المعارض جانج بينغ، الذي خسر الانتخابات الرئاسية الغابونية، من صمته، وأعلن الزعيم المعارض في خطاب له نهاية العام الماضي دعوته إلى "تأسيس جمهورية جديدة"، كما أعرب عن أمله في "استعادة الفوز الذي سرقه منه الرئيس الحالي علي بونغو أونديمبا" على حد تعبيره، وتحدث بينغ في خطابه الذي ألقاه عن ضحايا أزمة انتخابات 2016، وعن السجناء السياسيين.

كان لافتًا نشر الولايات المتحدة الأمريكية قوات عسكرية في الغابون قبل الانقلاب بيومين، كما أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب

ولربما استشعر الزعيم المعارض نتيجة للتطورات القدرية حتمية مغادرة الرئيس الحالي باحة قصر البحر في ليبرفيل، وذلك مع تفاقم الإضرابات السياسية في بلد أفريقي غني بالنفط والمنغنيز، ومع ذلك يعاني شعبه من الفقر، والطعن المتواصل في شرعية علي بونغو الذي وصل للحكم في العام 2009 وأعيد انتخابه في العام 2016، لاسيما وأنه جاء خلفًا لوالده عمر بونغو الذي استولى على الحكم لأكثر من أربعة عقود، وأشيع وقتها أنه أسلم على يد الزعيم الليبي معمر القذافي.  

 

اقرأ/ي أيضًا: 

أجمل 6 أعياد شعبية في إفريقيا

الأدب الأفريقي ومسألة اللغة