ديستوبيا الواقع الفلسطينيّ: ليس هناك أيُّ صوتٍ بعد

ديستوبيا الواقع الفلسطينيّ: ليس هناك أيُّ صوتٍ بعد

فلسطينيون يحاولون تسلق جدار الفصل العنصري (Getty)
هل بات عنق الزّرافة هو ما يحدّد طول العشب؟

لم تحطّ أيّ طائرة في مطار أوسلو- رام الله بعد. لعلّ مسار الموت؛ التّصفيّة، الذي يسير إليه المشروع الوطني الفلسطيني أمسى أقرب، دون شكٍّ، بفضل محاولات روّادهِ الحثيثة لتحقيق انتصار الغَيرِ كطَريقٍ لانتصار الفرد رأسماليًّا بصفتها، أي الرّأسماليّة، خلاصًا لهذه الطّبقةِ عمومًا. لقد بات واضحًا أنّ القضيّة لم تعد مركزًا، وهذه ليست نتيجةً أتت مُفاجِئَة، بل أتت نتاجًا لصيرورة تغيّرات منهجيّة في الخِطاب الوطنيّ المنساق عبر السّياق إلى مآلات لا ناقة لهُ فيها ولا جمل. وقد يكون لظهور تيارات إسلامويّة فلسطينيّة، قد أحدَثَ توازنات على أرض الواقع، مساهمةً جليّةً في تغيّر الخِطاب الفلسطينيّ، وانزياحهِ من خِطاب وطنيّ إلى خِطابٍ مُنساق وراء الدّفاع الدّينيّ عن فلسطين بوصفها أرضَ وقفٍ إسلاميّ، حسب مواثيق هذه الحركات.

إنّ ما لا شكّ فيهِ، أنّ الفلسطينيّين على المستوى الحزبيّ قد أضاعوا ردحًا من الزّمن في مهاترات خِطابيّة رنّانة، بينما كان مسير التّوافق من تحت الطّاولة يضعُ خطتهِ وتصوّراتهِ لمستقبل هذا الشّعب

ومن هُنا، وقع الفلسطينيّون في فخّ المزايدات الخطابيّة، التي لم تكن تعبّر عن مضامين سياسيّة بقدر ما كانت تُشكّل مناكفات على أرض الواقع، ففي حين، مثلًا، أعلى خِطاب الحركات الإسلاميّة من شأن القدس، كان نصّ مواثيق هذه الحركات يوحي بعكس ذلك تمامًا، ما أدّى ليكون خطاب هذه الحركات، خطابًا عائمًا في فراغ، وما بادر، ضمن ذات السّياق، بانسياق باقي أحزاب منظّمة التحرير إلى مُزايدات من ذات المستوى الخطابيّ، وضمن هذا كلّهِ كان الأخطر، أي في الخطاب الوطنيّ الفلسطينيّ، هو تهميش، والتّأكيد على تهميش، والتّنازل عن المدن غير ذات الثّقل الدّينيّ، هذا الانسياق ضمن فخّ المزايدات، بالمُطلق، قدّ ساهم بترويج خِطاب دفاعيّ غير أصيل، يُشابهُ إلى حدّ بعيد الخِطاب الإسرائيلي في إثبات كلام الله ضمن منطوق منحهِ الأرض لليهود.

اقرأ/ي أيضًا: وهم المشروع وأزمة السياق فلسطينيًا

إنّ ما لا شكّ فيهِ، أنّ الفلسطينيّين على المستوى الحزبيّ قد أضاعوا ردحًا من الزّمن في مهاترات خِطابيّة رنّانة، بينما كان مسير التّوافق من تحت الطّاولة يضعُ خطتهِ وتصوّراتهِ لمستقبل هذا الشّعب. وكان المسير، ضمن مراحلهِ المنهجيّة، يرسم ويضَع، كذلك، خططًا لتدجين الشعب الثّائر في ظلّ صمتٍ واسعٍ، وهو ما حُفّ بمراقباتٍ حثيثة لنتائج التّجارب التي تُمارس على الشعب الفلسطينيّ في سجنهِ الواسع، واختبارات التّضييق، لتطوير هذه التّجارب، والتعلّم منها، وتشكيلها كنماذج.

وقد فهمنا اللّعبة جيّدًا، كفلسطينيّين؛ يوقّع الفلسطينيّ والإسرائيليّ على ورقة، ولا يتغيّر الحال على أرض الواقع في اليوم اللّاحق، ولكن في السّنوات العشر اللّاحقة. وفهمنا جزئها الثّاني، يوقّع الإسرائيليّ والإسرائيليّ على ورقة، ولا يتغيّر الحال على أرض الواقع في اليوم اللّاحق، ولكن في السّنوات العشر اللّاحقة. وكانت الــ "لا" ممكنةً، ولكنّها ذابت، أو ذُوّبت ضمن سياسات تحقيق مشروع رأسمالة الوطن عن طريقِ البنوك والهراوات الغليظة والتّهديدات غير الأخلاقيّة من الفلسطينيّين للفلسطينيّين.

 وهُنا تجدر الإشارة إلى إدراكِ راسمي السّياسات أنّ تذويب الــ "لا" الفلسطينيّة لا يُمكن من الخارج، لأنّ الخارج يوقظ نوستالجيا وتراكمات معقّدة ومركّبة تُعزّز هذه الــ "لا"، فراحت المحاولات لتذويبها من الدّاخل، في طريق جنود "دولة المؤسّسات" لزيجاتهم الأميرات، حسب تعبير أحدهم، ضمن تبريرهِ للمشروع التّفكيكي، الذي خضع لهُ الوطن فلسطين على أيدي أبنائهِ من عدّة جوانبٍ ومستويات، منها، ذِكرًا لا حصرًا: مؤسسّات تفكيك الجوهر، عبر تغلغل هذه المؤسّسات، بكلّ أنواعها وتطويع الوطنيّ منها، لتفكيك البُنى المُجتمعيّة الفلسطينيّة، وتفريغ المفاهيم الأصيلة حتّى لا يتكرّر نموذج الانتفاضة الأولى، وإدخال مصطلحات هجينة على المجتمع الفلسطيني لتعزيز اغترابهِ عن ذاتهِ وتضييع الجوهر، وكذلك، الحُكم بالبُنى البيروقراطيّة ذات العصا التي تطول كل من يحيد عن سياسة المؤسّسة بطرق السّلطات المجازيّة والواضحة -هذا متروكٌ لإبداع المؤسّسة- ذهابًا إلى تحقيق رأسماليّة الفرد مقابل جمعيّة الجماعة؛ دخول السياسات الماليّة الجديدة، التي تُتيح عديد الامتيازات عبر منح قروض، ووصولًا لسياسات التطبيع والتّنسيق الممتدّة.

بُنيت الشّراكة على خمسٍ، أربعة سابقة، وأخيرة متمثّلة بسؤال تمثيل الشّعب الفلسطينيّ، الذي على الأقل لم يتمّ تمثيله منذ آب/أغسطس 2006 حتّى الآن، في ظلّ فشل مشروع الفصائل الفلسطينيّة كافّة وفشل مشروعيّتها، وتحوّل مشاريعها إلى مشاريع سلطة فردّيّة بحتة. ولولا أنّها مشاريع فردّيّة لما نجح مشروع التّفكيك الجمعيّ، وما لحقهُ من مشاريع داعمة لفكرة التّفكيك كالتّطبيع طويل الأمدّ وغيره... وهُنا، تجدر الإشارة إلى أنّ التّمثيل الرّسمي الفلسطينيّ لم يقف وقفةً واحدةً في وجه أيّ شكل من أشكال التّطبيع، بل ساهم بشكلٍ مكثّف في تسويقهِ، وفي نشرهِ حتّى ضمن الإعلام الفلسطينيّ دون خجلٍ، مستفيدين من التجربة الإسرائيليّة هذه المرّة، بتحقيق أهدافٍ ذات نتائج بعيدة المدى.

لقد اختلفَ الزّمان، واختلفَ المكان أيضًا، مع الانتشار المُستمرّ والكثيف للمستوطنات الإسرائيليّة، وبات تشبّث السّلطتين بالسّلطة أكبر إيقانًا بأنّهم سيُرمَون بالأحذية في وقتٍ ما، ومكانٍ ما. ما عاد أحدٌ يشكّ بفشل التّمثيل الفلسطيني في جانبيّ الوطن عن الفلسطينيّين ومآلاتهم وأحلامهم وآمالهم وحتّى قلقهم، ولا حتّى إيجاد تعبير ملائم غير لغة خِطاب التفاهةِ على حدّ تعبير آلان دورنو، التي لم تستطع، رغم اطّلاعها الواسع، إيجاد تعبيرات وآراء جديدة وتسويقها لتشكيل رأي جديد سائد، أو تغيير رأي سابق، مُراهنةً، باستمرار تسويقها لخطابها المهترئ، على قاعدة حزبيّة "تسحيجيّة" في السّرّاء والضّرّاء، وعلى الصّورة السّلطويّة الكلاسيكيّة وهي أنا، أي السّلطة، فقط من يعرف، وهم، أي الشّعب، ذات معدّلات ذكاء ضعيفة. 

المُتشابهات الأربع؛ مدخل مختصر لفهم ديستوبيا الوضع الرّاهن

مع الحراك اللّبناني المُبهر بتعبيراتهِ، وبنضج مطالباتهِ ومطالبهِ، لامَ كُثرٌ الفلسطينيّين بصفتهم متفرّجين على حراكات الثّورات العربيّة دون أنْ يحرّكوا ساكنًا. وهذا يحملُ تعقيدات كثيرة، وقد يجدر تبيان بعض النّقاط الضّروريّة لبعض الاختلافات الثقافيّة والسّياقيّة.

والتعريج هُنا لكتاب "الكلمات والأشياء" للمفكّر الفرنسي ميشيل فوكو، والمتشابهات الأربع؛ التي تعبّر عن التّشابه الثّقافيّ بين السّياقات الغربيّة المُختلفة حيثُ يذكرها في فصل الكتاب الثاني: نثر العالم، ذهابًا إلى فكرة تفكيك الحالات وفقًا لتشابهها واختلافها والمكان الذي يحتويها في سياقهِ ضمن السياقات العربيّة من ضمنها، وعلى وجهِ الخصوص، السّياق الفلسطينيّ. التّوافق، العلامة الأولى، المرتبطة بنظام الوصل والضّبط، الوصل المُفكّك والضّبط المزدوج في الحالة الفلسطينيّة، حيث وإنْ تشابهت الأمكنة والفترات الزّمنيّة، فإنّ السّياق الخاصّ بفلسطين ما زال خاصًّا فعلًا، ففي حين تواجه الشعوب العربيّة أنظمةً عميقة، يواجه الفلسطينيّون نظامًا تدرّب على أيدي مزيج هذه الأنظمة، لا ليقاوم مُحتلًّا، بل ليقاوم شعبًا فرض ما فرض على هذا المحتلّ في زمن قد ولّى، ما ساهم بتشكيل طبقات من السّلطة في بقعة جغرافيّة مقسّمة ومُحاطة بأخطار يوميّة، وهذا وحده، مع تحييد الوضع الاقتصادي الهامّ في الحقيقة، يكفي ليدفع بعيدًا تحقيق أيّة فكرة أبعد أو أعلى من فكرة النّجاة اليوميّة سواء من المستوطنين أو من المؤسّسة.

والمنافسة، وإنْ كانت المتشابه الثّاني، إلّا أنّها توافقٌ من أفكار ذاتيّة، مع انزياح بمفهوميّة المكان كفيزياء، والتّعامل المُجرّد مع الأشياء بكونها أشياءً مُقابلة لمعانٍ متحقّقة غير متجاورة في المسافة. والتّنافس يبدأ في شكل تقابليّ بسيط، وهو لتقريب الفهم يقترب من كونه تنافسًا تعاكسيًّا، بتمثيلهِ حواريّة مُبارَزة بين انعكاس الشّكلين المتّضادّين، حتّى يطغى أحدهما على الآخر، ويغطّي دوره الوظيفيّ، وتُسحب هذه العلامة على سؤال التّمثيل آنفَ الذِّكر. والقياس، العلامة الثّالثة، تعبيرًا عن مُركّبات العلاقات الدّاخليّة الخاصّة بكلّ بلد، على سبيل المثال، وقياسها وتماثلها ومركّبات علاقات أُخرى لبلدٍ آخر، أو كائنٍ آخر. والعلامة الرّابعة الأخيرة، التّعاطف، وهو، ببساطة، ما تخطئ السّلطة بتعريفهِ، فتُعرّفهُ باستجداء الشّفقة.

 في انتظار غودو...

اللّحظة، سؤال الرّاهنْ، ورهاننا الأخير على كرامتنا ووجودنا وأسئلتنا كفلسطينيّين، في ظلّ كلّ التّناقض الّذي يمرّ بهِ الشّعب الفلسطينيّ اليوم؛ بين شهداء يحاولون حفظ ما تبقّى من كرامةٍ وبلاد، وبين محاولات تطبيعيّة واضحة هي نقاط ضمن خطّة تركيع، وتخويف، ونسيان...

والرّهان، رهان الجميع اليوم، على اللّحظة التي سيخرج بها الشّعب... لا لينتظر غودو هذه المرّة، بل لينتقم منهْ!

 

اقرأ/ي أيضًا:

النّقد خيمتنا الأخيرة

 المركز العربي يبحث تاريخ نكبة فلسطين في عامها الـ70