"ديزل غيت".. هل غيّرت فولكس فاغن مسار سوق السيارات الأوروبية إلى الأبد؟
27 مايو 2025
أصدرت محكمة ألمانية، يوم الإثنين، أحكامًا بالسجن بحق أربعة من كبار المديرين السابقين في شركة "فولكس فاغن"، لدورهم في فضيحة التلاعب بانبعاثات محركات الديزل، والتي وُصفت بأنها واحدة من أخطر عمليات الاحتيال الصناعي في تاريخ أوروبا الحديث، وأدت إلى تغييرات جذرية في سوق السيارات على مستوى القارة.
غيّرت الفضيحة وجه الصناعة، فقد دفعت صانعي السيارات والمستهلكين والحكومات الأوروبية إلى إعادة تقييم أولوياتهم البيئية، وتسريع الخطى نحو مستقبل خالٍ من الانبعاثات
جاء الحكم بعد محاكمة امتدت لثلاث سنوات في مدينة براونشفايغ شمالي ألمانيا، وهي المدينة التي تحتضن المقر القانوني للشركة. ووفقًا لما نقلته "نيويورك تايمز"، فقد اعتبرت المحكمة أن المدانين لعبوا أدوارًا محورية في "خداع منهجي" للمستهلكين والمنظمين، باستخدام برمجيات مخصصة لإخفاء الانبعاثات الحقيقية للسيارات خلال اختبارات الفحص البيئي.
أحكام صارمة
نال ينس هادلر، المدير السابق لتطوير محركات الديزل في "فولكس فاغن"، أقسى حكم من بين المتهمين، حيث قضت المحكمة بسجنه لأربع سنوات ونصف. وذكرت حيثيات الحكم أن هادلر "كان العقل المدبر" لتطوير برمجيات تُعرف بـ"الهزيمة الذكية"، وهي تقنية تسمح للسيارة بالتعرف على ظروف الاختبار وتعديل أداء المحرك مؤقتًا لخفض الانبعاثات، بينما تعود للعمل بكفاءة ملوِّثة في ظروف القيادة الطبيعية.
أما بقية المسؤولين الثلاثة، فقد تلقوا أحكامًا بالسجن تتراوح بين عامين وثلاث سنوات مع وقف التنفيذ في بعض الحالات، بعدما ثبت تورطهم في تنفيذ وتوسيع نطاق الخداع الذي طال ملايين السيارات حول العالم.
زلزال في قطاع السيارات.. وانهيار ثقة بالديزل
بدأت القصة في أيلول/سبتمبر 2015، عندما فجرت وكالة حماية البيئة الأميركية (EPA) القضية بعد اكتشافها برمجيات الغش في سيارات "فولكس فاغن" المصدّرة إلى الولايات المتحدة. وسرعان ما اتسعت دائرة التحقيقات لتشمل أوروبا وآسيا، مما أدى إلى خسائر مالية تجاوزت 30 مليار يورو للشركة في صورة غرامات وتعويضات.
وكانت محركات الديزل حتى ذلك الحين تُروَّج على نطاق واسع في أوروبا باعتبارها خيارًا اقتصاديًا وصديقًا للبيئة نسبيًا، بسبب انبعاثاتها المنخفضة من ثاني أكسيد الكربون مقارنة بمحركات البنزين. وبلغت حصة السيارات العاملة بالديزل أكثر من 50% من السوق الأوروبية، لكن هذه الصورة انهارت تدريجيًا بعد الفضيحة، حيث تراجعت حصة تلك السيارات إلى 10% فقط من مبيعات السيارات الجديدة في عام 2024.
تسريع التحول نحو المستقبل الكهربائي
بعيدًا عن التداعيات القانونية، غيّرت الفضيحة وجه الصناعة. فقد دفعت صانعي السيارات والمستهلكين والحكومات الأوروبية إلى إعادة تقييم أولوياتهم البيئية، وتسريع الخطى نحو مستقبل خالٍ من الانبعاثات. ووفقًا لصحيفة نيويورك تايمز، أصبحت السيارات الكهربائية والهجينة القابلة للشحن تمثل الآن 25% من إجمالي المبيعات الجديدة في أوروبا، في ارتفاع لافت خلال أقل من عقد.
والمثير للانتباه أن "فولكس فاغن" نفسها، وبعد الأزمة، تبنت إستراتيجية تحول واسعة النطاق نحو السيارات الكهربائية، حتى أصبحت في نيسان/أبريل 2025 أكبر شركة تصنيع للمركبات الكهربائية في أوروبا، متقدمة على "تسلا" بثلاثة أضعاف في عدد السيارات المباعة في السوق الأوروبية.
ويرى مراقبون أن هذه الأحكام تمثل لحظة فارقة في تاريخ المحاسبة القانونية للشركات الكبرى في أوروبا، حيث لطالما اتُّهمت الحكومات بالتساهل مع التجاوزات البيئية للصناعات الكبرى. وتُعد هذه المحاكمة الأولى من نوعها التي يُدان فيها مسؤولون بهذا المستوى العالي في صناعة السيارات على خلفية انتهاكات بيئية.
وقال القاضي الرئيسي في الجلسة الختامية: "هذه القضية لا تتعلق فقط بخداع تقني، بل بثقة عامة أُهدرت، وسمعة صناعة ألمانية بُنيت على الجودة والمصداقية".






