دولة المؤسسات وعزبة الباشوات

دولة المؤسسات وعزبة الباشوات

جمال عبد الناصر مع أشرف مروان (Getty)

في عام 1981 تقدم شخص يُدعى تيد رالتسون إلى وظيفة عضو أركان بوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، وكان رالتسون قبلها يعمل في وظيفة "عضو أركان" للسيناتور باتريك ليهي، عضو لجنة الاستخبارات بمجلس الشيوخ الأمريكي، حيث أن لكل عضو باللجنة عضو أركان يرشده في متاهات المخابرات ويعرفه كيفية عمل أجهزة الاستخبارات المختلفة، ورغم وظيفته المهمة السابقة لم ينجح رالتسون في الحصول على الوظيفة بل على العكس فجر طلبه تحقيقًا كبيرًا طال شخصيات وأجهزة هامة.

لا تصبح الدول عُظمى بالوعود والثقة بل على العكس، لقد صارت دولًا قوية بالشك وعدم الثقة في الأشخاص، والرقابة على كل صغيرة وكبيرة

كانت وظيفة رالتسون بمجلس الشيوخ يمكن وصفها بالخطيرة، فالرجل يعتبر الخبير الاستخباراتي الذي يستعين به السيناتور، ورغم كل هذا تم إخضاعه لجهاز كشف الكذب كشرط لحصوله على وظيفة بجهاز المخابرات، والذي قال خلاله إنه سبق وأخذ بعض الأوراق والمستندات معه إلى منزله لإكمال العمل عليها بعد ساعات الدوام، ورغم أن هذا التصرف يعتبر طبيعيًا، إلا أن رئيس أركان لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ قرر التحقيق حول كل ورقة من هذه الأوراق وأرسلها إلى وكالة المخابرات المركزية طلبًا لتقدير الأضرار.

اقرأ/ي أيضًا: الدولة العميقة.. "مؤامرة" بلا متآمرين

وبعد أن جاء تقدير وكالة المخابرات في صف رالتسون موضحًا بأن الأوراق لم يُذكر فيها أسماء ولا يوجد دليل على أن المعلومات التي وردت بها قد انكشفت أو اطلع عليها أحد، ولم يتم تداولها ولم يحدث أي ضرر وأن هذه المستندات تخص قضية تعود لما بعد الحرب العالمية الثانية، إلا أن رئيس الأركان فتح تحقيقًا أوسع حول علاقة رالتسون المتقدم للوظيفة بنائب مدير وكالة المخابرات المركزية الذي أعد التقرير متشككًا في محاباته، ليتضح أنهما بالفعل على علاقة منذ فترة طويلة تبادلا خلالها اللقاءات، ليتم اتهام رالتسون بالعمل كجاسوس لنائب مدير وكالة الاستخبارات المركزية "روبرت انمان" والذي كان قبلها مديرًا لوكالة الأمن القومي.

وفي كتابه "الحجاب" يذكر روبرت وودورد أن هذا الاتهام أزعج مدير وكالة الاستخبارات المركزية، وليم كايسي، الذي قال بأنه لا يصح أن توصف الواقعة بالتجسس لأنها كانت بين موظف بلجنة الاستخبارات ونائب مدير وكالة المخابرات، ليكتفي مجلس الشيوخ بحرمان رالتسون من الوظيفة ومن وظائف أخرى ومن الحصول على شهادة براءة الذمة، ثم يتم عمل مراجعة أمنية لكل صغيرة وكبيرة في اللجنة وتفتيش لكل الملفات والمستندات، كما أثرت الواقعة على نائب مدير وكالة الاستخبارات المركزية الذي لم يستمر في منصبه بعدها سوى لشهور قليلة.

تذكرت هذه الواقعة وأنا أقرأ تقريرًا عن خلاف وقع بين جهازين أمنيين في مصر حول مشروع قانون الكيانات الإرهابية، حيث أفادت تقارير بأن رئيس البرلمان قد قام بحذف عدة فقرات من القانون وفق (تعليمات من أحد الأجهزة)، في الوقت الذي كان يُصر الجهاز الآخر على عدم حذفها وفق تعليمات منه لمجموعة برلمانية أخرى، ليُحسم الخلاف وفق معادلة القوة والنفوذ لصالح الجهاز الأول ويتم حذف الفقرات المقصودة، هذا إذا كنا قد نسينا كيف تشكل البرلمان أساسًا.

تكشف الواقعة الأولى بعض ملامح ما يُطلق عليه دولة المؤسسات، وكيف أن القوانين واللوائح والإجراءات هي من تحكم الجميع، حيث لا تنتشر الشعارات الزاعقة التي تعبئ البلاد بأحقية الأجهزة في التدخل في كل تفاصيل حياتنا والتحكم في الأفراد والمؤسسات والهيئات والبشر والحجر. تخيل أن يتقدم شخص لوظيفة بجهاز حكومي في إحدى الدول العربية وهو على علاقة وثيقة بنائب رئيس هذه الهيئة؟ أو أن عضوًا في جهاز رقابي قرر السؤال والاستفسار عن عمل أحد الأجهزة الأمنية مثلما يحدث بشكل روتيني في الدول المتقدمة؟

إن تلك الدول لم تُصبح عُظمى بالوعود والثقة بل على العكس، لقد صارت دولًا قوية بالشك وعدم الثقة في الأشخاص، والرقابة على كل صغيرة وكبيرة، وتحول السُلطات إلى شخصيات مستقلة حقيقية تخضع في النهاية لرقابة وتدقيق الشعب ومن ينتخبهم بإرادة حرة.

ولمعرفة كيف ولماذا وصل بنا الحال إلى هذه الدرجة دعني أُحيلك إلى واقعتين في منتهى الغرابة، الأولى يسردها كتاب "في تشريح الهزيمة" الذي كشف عن بعض تفاصيل الخلافات بين رئيس الجمهورية الأسبق، جمال عبد الناصر، وقائد جيشه، عبد الحكيم عامر، كان من بينها أن الأخير قد أعد خطة هجومية على إسرائيل سُميت بخطة فجر، والتي علم بها رئيس الجمهورية بطريقة مذهلة.

اقرأ/ي أيضًا: الأمننة والشعبوية.. الخوف كدعاية سياسية

فقد تسربت تفاصيل وموعد الخطة إلى إسرائيل من خلال جاسوس داخل قيادة القوات الجوية المصرية، ثم أطلعت إسرائيل حليفتها الولايات المتحدة على الخطة، لتقوم الأخيرة باللجوء إلى حليف مصر في هذا الوقت، الاتحاد السوفيتي، للتراجع عن هذه الخطة، ليعرف رئيس الجمهورية في نهاية الأمر بالخطة عن طريق موسكو، وقد مرت القضية مرور الكرام دون التحقيق لا في قضية إعداد خطة عسكرية هجومية دون علم رئيس الجمهورية، ولا التحقيق في وجود جاسوس داخل قيادة القوات الجوية.

الواقعة الثانية توضحها قضية أشرف مروان الذي لم يتم حتى الآن التحقق رسميًا في حقيقة عمله كجاسوس لإسرائيل رغم شغله مناصب غاية في الحساسية في الدولة المصرية، فقط لأنه كان زوج ابنة رئيس الجمهورية. يروي كتاب "الملاك"، للكاتب يوري بار-جوزيف، تفاصيل أول لقاء بين مروان وجهاز الموساد الإسرائيلي حيث أخرج مروان، مدير مكتب رئيس الجمهورية أنور السادات، مجموعة من الأوراق وصفها بأنها "عربون ثقة" بين الطرفين، والتي كانت عبارة عن أمر معركة موجه إلى كامل الجيش المصري تحتوي على تفاصيل التمركزات العسكرية ومواقعها وقادتها ومدى أسلحتها وتُبين بالتفصيل القدرات العسكرية المصرية، وعند تعجب ضابط الموساد واستفهامه عن طريقة إخراجه مثل هذه الوثائق رد عليه مروان "وهل هناك من يجرؤ على سؤالي عما بحوزتي؟".