دوامة من الخوف والانتظار تحاصر طالبي لجوء سوريين في أوروبا
31 يناير 2026
ينتظر حاليًا آلاف السوريين تقرير مصيرهم بالبقاء أو مغادرة الأراضي الأوروبية، خلال مرحلة تقديم طلبات لجوئهم التي وصلت بعد سقوط نظام الأسد في أواخر عام 2024 إلى قرابة العام وأكثر من تجميد الحركة والانتظار والقلق الفكري والضغط النفسي، والضياع بين الأنسب والأكثر أمانًا لهم ولعوائلهم.
وفي وقت تلقّى العديد من طالبي اللجوء قرار رفض لجوئهم في أوروبا، ما زال الآلاف عالقًا بين البينين، أن يجد ملاذًا آخرَ يؤمن به حياته، وبين الصبر لعل الانفراجة تكون قريبة، لاسيما من تكلّف الوقت والجهد والمال الكثير للوصول إلى أوروبا، أو ما زال يعتبر الخوف والإرهاب موجودين في بلده.
بين القلق والضياع، يعيش لاجؤون سوريون ظروفًا صعبة ومربكة، بانتظار تقرير مصيرهم بالبقاء أو مغادرة الأراضي الأوروبية
وعقب سقوط نظام الأسد جمّدت دول أوروبية الآلاف من طلبات اللجوء لسوريين، وقبل نحو شهرين حدّثت الوكالة الأوروبية لشؤون اللجوء إرشاداتها بشأن ذلك، باعتبار أن الإرشادات السابقة كانت مرتبطة بالوضع القائم خلال حكم بشار الأسد.
تؤثر هذه التغييرات على نتائج طلبات اللجوء المقدمة من حوالي 110 آلاف سوري، كانوا لا يزالون ينتظرون قرارًا في نهاية شهر سبتمبر/ أيلول الفائت، والتي يرجح أن تؤدي إلى رفض الكثير من الطلبات، لا سيما أن دولًا مثل ألمانيا أعلنت عن رغبتها إعادة سوريين إلى بلدهم.
وفي هذا السياق، تابع "الترا صوت"، العشرات من الحالات لطالبي لجوء سوريين، تحدّثوا خلال لقائنا عن ظروف تقديمهم طلبات اللجوء في أوروبا، منها في ألمانيا وفرنسا وهولندا، وتختلف الإجراءات الحالية باختلاف الدولة، كذلك منهم من حصل على حق اللجوء بعد انتظار أكثر من عام، وآخرون ما زالوا عالقين في دوامة الوقت والانتظار.
يروي عبد الله شاب سوري (19 عامًا) لـ"الترا صوت"، إنه قدم من السعودية إلى هولندا قبل عام ونصف العام تقريبًا، كان قاصرًا بمفرده في ذلك الوقت، ومنذ تلك الفترة وهو ينتظر تطوّر إجراءات أوراقه الرسمية، دون صدور أي قرار بحقه بالقبول أو الرفض.
يشرح عبد الله: "تنقلت بين أكثر من مخيم، تعرفت على العديد من الأشخاص، بدأت بتعلم اللغة الهولندية، لكن حياتي ودراستي متوقفة حتى إشعار آخر، فكّرت بالعودة إلى سوريا للدراسة، لكن كل أفراد عائلتي هنا في أوروبا، وأنا خارج بلدي منذ الرابعة من عمري، كما أنني فقدت صفتي القانونية في السعودية".
من جهته، يتحدث سوري في فرنسا، أب لطفلين لـ"الترا صوت"، عن الضغوط النفسية والمادية التي يعيشها حاليًا في مرحلة طلب اللجوء، "وصلت قبل عام تقريبًا من تركيا بوضع مادي ونفسي صعب، أجريت مقابلة اللجوء وإلى اليوم أنتظر بصيص الأمل للاستقرار، يتصل بي الأهل والأصدقاء في سوريا ويدعونني للعودة بدلًا من ضياع السنوات بالانتظار وفق تعبيرهم، كل ذلك يشكّل ضغطًا أكبر عليّ".
ويضيف أن ظروف طالبي اللجوء في فرنسا سيئة إلى حد ما، إذ يسكن في بيت مؤقت سيء البنية والخدمات وفي منطقة نائية، فضلًا عن العزلة المجتمعية وتعطلّه عن أي مشروع للدراسة أو العمل في مع انتظار قرار اللجوء، وتحصيله الأوراق التي من شأنها أن تحقق له الاستقرار وقانونية العيش، "ضجرت من الجدران، وانتظار تحديد المصير، أعيش بضغط نفسي وخوف من المستقبل".
بالمقابل، يؤكد لـ "الترا صوت"، اهتمام المدارس بتعليم أطفاله، وإتاحة الفرص لهم للتعلم وصقل مهاراتهم وترحيب المدرسين الحار بانضمام أبنائه لصفوف التعليم ودعمهم، وهذا ما يفسر صبر سوريين على الانتظار، فضلًا عن ميزات من دعم مادي ولوجستي يقدم لهم من قبل الحكومة بعد قبول اللجوء، و"استحالة العودة إلى سوريا قبل أن تصبح آمنة بشكل حقيقي" وفق تعبيره.
دمشق "آمنة"
في كانون الأول/ديسمبر العام الفائت، أعلنت الوكالة الأوروبية لشؤون اللجوء، أن معارضي بشار الأسد وأولئك الذين تهربوا من الخدمة العسكرية "لم يعودوا معرضين لخطر الاضطهاد".
وعلى ضوء التغييرات خلال العام الفائت، انخفض عدد السوريين الذين يطلبون اللجوء بشكل ملحوظ، فبينما كان 16 ألف شخص في طور تقديم طلبات اللجوء في أكتوبر/تشرين الأول 2024، قبل سقوط نظام الأسد في الثامن من كانون الأول/ديسمبر، انخفض هذا العدد إلى 3500 شخص فقط بحلول أيلول/سبتمبر 2025.
بالمقابل، صنفت الوكالة الأوروبية فئات أخرى على أنها مهددة بالخطر، حيث بات الأفراد المرتبطون بالحكومة السورية السابقة، بالإضافة إلى أعضاء جماعات عرقية-دينية مثل العلويين والمسيحيين والدروز، يعتبرون من بين الفئات المهددة بالاضطهاد، وذلك وفقا للظروف الفردية لكل حالة.
كما أشارت إلى أن فئات أخرى لا تزال مؤهلة للحصول على صفة لاجئ، وتشمل الأشخاص ذوي التنوّع في الميول الجنسية، والهوية الجندرية، والتعبير الجنسي والخصائص الجنسية.
وأوصت إرشادات الوكالة، بمنح الفلسطينيين في سوريا، والذين لم يعد بإمكانهم الاستفادة من حماية أو مساعدة وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين، الأونروا، صفة لاجئ تلقائيًا.
في سياق ذلك، تعرقل نظام قبول لجوء السوريين في أوروبا بشكل كبير، وكذلك لمّ شمل عائلات من حصل سابقًا على اللجوء، فألمانيا مثلًا، رفضت العديد من طلبات اللجوء لسوريين خلال العام الفائت بشكل ملحوظ، كما صرّحت في عدة مواقف برغبتها عودة لاجئين سوريين طوعيًا إلى بلدهم.
بهذا الخصوص، يقول حمّود شاب سوري في العشرينات من عمره، وصلت ألمانيا بعد رحلة شاقة، تكبّدت خلالها عناء سفر ومسافات وخوف وبرد، وتكلّفت ماديًا واستدنت آلاف اليوروهات للوصول إلى هنا، لكن نظام الأسد انهار بعد يومين من وصولي إلى ألمانيا.
وتابع، لا يمكنني العودة بعد كل هذا الانتظار والعناء، كما أن بلدي غير آمن إلى يومنا هذا، حتى لو أن العاصمة أكثر أمنًا مقارنة ببقية المناطق السورية، لكنها لا تتسع لكل الشعب السوري.
وأكد حمّود لـ "الترا صوت" رفض السلطات الألمانية طلب لجوئه مرتين، لكنه لم يغادر إلى يومنا هذا الأراضي الألمانية، يوضّح "عليّ مغادرة البلاد لكن يبدو أن هناك تغاضٍ من قبل الحكومة على تواجدنا في أراضيها، لكن ذلك يعيق استقرارنا، لا نريد العودة بخسارة ولبلد غير آمن بعد، ولا نستطيع التأسيس هنا بعد مخالفتنا القرار الصادر بحقنا".
حق اللجوء في أوروبا
بينما يتم رفض المئات وربما الآلاف من طلبات اللجوء لسوريين في أوروبا، وتعليق البتّ في طلبات مقدّمة فعليًا، هناك سوريون تمّ قبول طلبات لجوئهم، على الرغم من التقارير الأخيرة التي تحدّد وتقيّد من القبول الواسع لطلبات لجوء السوريين.
تقول سيدة سورية قدمت إلى فرنسا مع زوجها بعد أيام من سقوط النظام لـ "الترا صوت"، "قبل شهر وصلنا قرار قبول لجوئنا هنا، السعادة كانت كبيرة، لأن الظروف المحيطة والأخبار كانت تنبئ برفض طلبات لجوء السوريين، ورغم القرارات المتتابعة بحق السوريين إلا أن قصتنا التي تقدمنا بها للحصول على اللجوء كانت قوية ومُحِقّة.
وتوضح أنها وزوجها معارضون للحكومة السورية الحالية، وتعرضوا لانتهاكات منذ أن كانوا يعيشون في مدينة إدلب السورية، قبل سنوات.
واضطلع "الترا صوت" خلال إعداد هذا التقرير على وثائق تثبت حصول سوريين في فرنسا على اللجوء بعد سقوط النظام، كانوا قد قدموا خلال العام الفائت، منهم من تحصّل على 4 سنوات بصفة حماية دولية، وآخرون منحتهم السلطات صفة لاجئ بإقامة عشر سنوات.
كما كان لكل منهم قصته المختلفة، فمنهم من كان يسكن سابقًا في مناطق شمال شرقي سوريا، وآخرون شمال غربي سوريا، ومنهم من يعدّ من الأقليات الدينية أصلًا في سوريا.
ويحق لكل شخص في العالم التقدم بطلب لجوء إذا كان يفر من النزاعات أو العنف أو الاضطهاد أو أحداث جسيمة أخرى، تجبره على مغادرة بلده والبحث عن ملاذ آمن في مكان آخر.
وكان الاتحاد الأوروبي قد شدد على ضرورة الحدّ من مسألة اللجوء عمومًا في أوروبا، وصادقت الدول السبع والعشرون الأعضاء، أواخر العام الفائت على ثلاثة مشاريع قوانين تقدّمت بها المفوضية الأوروبية، ترمي إلى إحكام الإطار القانوني المتعلق بدخول المهاجرين وإقامتهم وإعادتهم.
وتنص القواعد الجديدة التي تدخل حيّز التنفيذ في حزيران/يونيو هذا العام، على إمكانية رفض طلبات اللجوء إذا كان صاحب الطلب قد مرّ بدولة مصنّفة "آمنة"، أو كان بإمكانه الحصول على حماية فيها.
وترى عدة دول أوروبية، من بينها الدنمارك، أن معالجة طلبات اللجوء خارج حدود الاتحاد يمكن أن يساهم في تقليل محاولات العبور الخطِرة عبر البحر الأبيض المتوسط إلى أوروبا، والحد من نشاط شبكات تهريب البشر، ويؤكد مؤيدو هذا التوجه أن الهدف الأساسي هو تقليص أعداد الضحايا على طرق الهجرة.
من جهتها، تصف منظمة العفو الدولية هذا الإجراء بـ"المسعى المشين لتنحية الالتزامات القانونية الدولية ونقل مسؤولية الاتحاد الأوروبي عن حماية اللاجئين إلى بلدان خارج أوروبا، وهي سياسة أبعد ما تكون عن كونها سياسة هجرة إنسانية تصون كرامة الإنسان".