دم.. شق

دم.. شق

سوق البزورية في دمشق (ويكيبيديا)

قبل ثلاث عشرة سنة وبضعة أشهر من الآن، أقلتنا سيارة أجرة من مطار دمشق الدولي إلى حي الشيخ سعد، أحد أرقى الأحياء التي كانت.. التي كانت؟ مرة أخرى يا طه! في كل مرة أمني بها النفس بأن أتجنب قدر المستطاع التلفظ بها وأعجز؛ كم أبغض كان وأخواتها في الإعراب وفي حديثي عن سوريا.

لم أحتفظ بتذكار من عاصمة الياسمين سوى طاولة زهر مزركشة 

ليست القواعد النحوية ما أبتغي روايته هنا، بل الرحلة الأسوأ في السماء وهي ترافقني بلعنتها في كل مرة أقصد بها طائرة وأنا أرجو الله مليًا أن لا يكون الطيار هو ذاته. فبعد قطيعة امتدت من لحظة تسلم والدتي شهادة الصيدلة في جامعة دمشق، لم تكتفي هي من استخدام أعين صديقاتها "الشُّوام" لترى ما فاتها، ولم نكتف نحن من استخدام عينيها لنرى الشام. 

خلال تلك الفترة، كانت الضفة الغربية تشهد حملات عسكرية من جيش الاحتلال لتوابع ما أسماه إعلام العدو بعملية "الدرع الواقي"، في إطار محاولتهم للقضاء على انتفاضة الأقصى المنتشية في ذروتها ذاك الحين. فقد جرت العادة بأن نقصد فلسطين المحتلة كل إجازة صيف، وحال الأمر دون ذلك لصيفين متتاليين، نظراً لصعوبة ما كان يحدث في الشق البعيد عنا، هناك في نابلس.

كانت الهواية الغريبة لأختي البكر في جمع صور الشهداء والاحتفاظ بها في خزانتها، بعد قصها من جريدة اليوم، قبل أن تذهب إلى النوم سببًا وجدنا ما نعشم به النفس بأن نكون من شعب الجبارين كما أولاد الأقارب الذين تحدونا مراراً بذلك، عقب ما أجزم كبار العائلة في آخر مرة زرناهم بها بأنني وهي لا نحب فلسطين، وقد دسنا على علمنا بشهادة من أحد صغارهم، ونحن لم نفعل.

لا أعرف لماذا كانت تمارس تلك الهواية! وربما هي ذاتها لا تعرف لماذا! لكن كنا نجد تحديًا بيننا في حفظ زمن وظرف تلك الصور، تحدٍ لأنفسنا الأمارة بالسوء التي تشعل فينا كل مرة نار الكره دون تحديد لمن، ونحن نقنعها بأننا لسنا كذلك، وأن قلبنا عند آخر حاجز قد اجتزناه كان قد صفى بما يحمل فيه نحوهم، وعاد إلى حبهم من جديد في كل مرة نعود بها إلى غربتنا. 

والحقيقة أننا في ذاك الصيف عندما علمنا بأن الوجهة قد تغيرت على غير المعتاد إلى سوريا، لم نكن لنستوعب الأمر أو نتقبله مطلقًا لولا أن والديّ واجها صعوبة في إقناعنا بأن الذهاب إلى فلسطين في ذلك الوقت أمر مستحيل، رغم عدم قناعتي التامة بقولهم إلى هذه الساعة، نظرًا لأولئك الذين استطاعوا في الأيام ذاتها أن يصلوا إلى ما هو أبعد من فلسطين التي نبغي الوصول إليها، بعدما أصبحوا في حافلاتهم ومراقصهم ومطاعمهم وفنادقهم ومقارهم العسكرية متنكرين بزي رياضي وبملابس رجل دين يهودي.

ما زلت أذكر تمامًا البيت الذي آوانا وتفاصيل الشرفة المطلة على أرقى الأحياء الدمشقية، وعلى بيت أدهم صديق سبعة وعشرين يومًا، وأتوستراد المزة، والسفارة القبرصية، وبساتين الصبار. لم أحتفظ بتذكار من عاصمة الياسمين سوى بطاولة زهر مزركشة مصحوبة بأحجار العاج التي يسمع صوت رنينها عند ضربها بالطاولة، وبطربوش أموي من حي الصاغة، وبرسمة خطت على عجل في ساحة سوق الصالحية.

لا أعلم هل الشرفة أصبحت أنقاضًا فوق غصن الياسمين؟ أم ذاك الرسام ما زال حيًا؟ أم أدهم قتل؟