دمى الذكاء الاصطناعي: هل تحل محل الوالدين أم تعزز دورهم؟
17 أغسطس 2025
في قلب مدينة ريدوود بكاليفورنيا، بين بنك محلي ومحل لإصلاح المكيفات، يقع مقر شركة "كريو" التي تصف نفسها بأنها "ورشة سحرية تنبض فيها الألعاب بالحياة". لكن ما تقدمه هذه الشركة ليس مجرد ألعاب محشوة تقليدية، بل دمى مزودة بصناديق صوتية متصلة بالذكاء الاصطناعي، قادرة على محاورة الأطفال منذ سن الثالثة.
من الدمية إلى "الصديق الرقمي"
ثلاث دمى مبتسمة من إنتاج "كريو" تحمل أسماء مثل "غريم" و"غروك" و"غابو"، وتباع بسعر 99 دولارًا للواحدة. كل منها يحتوي على جيب خلفي يخفي جهازًا صوتيًا متصلًا بشبكة Wi-Fi، يربط اللعبة بنموذج لغوي ذكي مخصص للتفاعل مع الأطفال. في تجربة مباشرة، تفاعل "غريم" مع أحد الزوار بأسلوب طفولي جذاب، متحدثًا عن "نقاطه الوردية" التي تزداد مع العمر وكأنها "أوسمة للمرح والمغامرة".
هل نحن أمام أدوات تعليمية جديدة، أم أمام بداية عصر جديد من "الرقابة اللطيفة" المغلفة بالفراء الصناعي؟
لكن هذه اللحظة التي بدت بريئة، أثارت تساؤلات عميقة: هل هذه الألعاب تمثل تطورًا للدمى التقليدية، أم أنها تحل محل دور الأهل في التفاعل مع الطفل؟
بديل للشاشات.. أم بديل للوالدين؟
وحسب تقرير لصحيفة "نيويورك تايمز"، تسوق "كريو" منتجاتها كحل بديل للوقت الذي يقضيه الأطفال أمام الشاشات، بل وحتى كبديل لانشغال الأهل. الفنانة "غرايمز"، التي صممت صوت "غريم"، تقول في فيديو ترويجي: "كأم، لا أريد لأطفالي أن يقضوا وقتهم أمام الشاشات، وأنا مشغولة جدًا". الإعلان يروج لفكرة "التخلي عن الجهاز اللوحي دون فقدان المرح".
في أحد الفيديوهات، يظهر طفل يقطع الليمون بسكين بينما تجلس دمية "غابو" بجانبه، تقدم له عبارات تشجيعية مثل "وقت عصير الليمون هو أفضل وقت!"، وكأنها تراقب وتوجه الطفل أثناء اللعب.
ألعاب ذكية أم أدوات مراقبة؟
وبحسب تقرير الصحيفة، فالدمى الذكية ليست جديدة على الأطفال، فهم يشاهدونها في برامج مثل "عالم إلمو" و"نادي ميكي ماوس"، حيث تظهر أجهزة واعية مثل "تودلز" التي تحل جميع المشاكل بضغطة زر. لكن دخول هذه الشخصيات إلى الواقع المادي للأطفال يثير مخاوف من أن اللعب لم يعد حرًا، بل أصبح مقيدًا بسلسلة رقمية غير مرئية.
ورغم أن "كريو" تؤكد أن ألعابها تلتزم بالمحتوى المناسب للأطفال وتعيد توجيه المحادثات بعيدًا عن المواضيع الحساسة، إلا أن التجارب أظهرت أن بعض النماذج قد تنحرف عن النص، وتقدم معلومات غير مناسبة مثل أماكن وجود مواد خطرة كالمبيضات.
كل محادثة بين الطفل والدمية تُرسل مباشرة إلى هاتف الوالدين، وتُخزن مؤقتًا لأغراض الرقابة. ورغم تأكيد الشركة أن البيانات لا تُستخدم لأغراض أخرى، إلا أن سياسة الخصوصية تشير إلى إمكانية مشاركة المعلومات مع شركات مثل OpenAI وPerplexity AI.
هذا يطرح سؤالًا جوهريًا: هل يعتقد الطفل أنه يتحدث مع صديق خاص، بينما في الواقع يُراقب من قبل والديه؟ وهل يمكن للآباء استخدام هذه الألعاب لتوجيه سلوك أطفالهم أو تعديل اهتماماتهم؟
العودة إلى اللعب الحقيقي
في تجربة على اللعبة وتأثيرها، تم إزالة وحدة الصوت من "غريم" وتحويله إلى دمية صامتة. في صباح اليوم التالي، تفاعل أطفاله معها بشكل تلقائي، واخترعوا لعبة جديدة دون تدخل رقمي. لكن سرعان ما عادوا يهتفون: "وقت التلفاز! وقت التلفاز!"، في إشارة إلى أن التكنولوجيا، مهما حاولنا إخفاءها، تظل حاضرة في وجدانهم.
الدمى الذكية مثل "غريم" و"غروك" و"غابو" تمثل طفرة في عالم الألعاب، تجمع بين الحميمية والذكاء الاصطناعي. لكنها تفتح الباب أمام أسئلة أخلاقية وتربوية حول دور الأهل، خصوصية الأطفال، وحدود التدخل الرقمي في مراحل النمو الأولى. فهل نحن أمام أدوات تعليمية جديدة، أم أمام بداية عصر جديد من "الرقابة اللطيفة" المغلفة بالفراء الصناعي؟