ultracheck
  1. سياسة
  2. سياق متصل

دمشق في قلب المشهد اللبناني: إدارة التوازنات بدل التدخل

22 يونيو 2026
الشرع وعون
لقاء سابق بين الرئيسين السوري واللبناني (AP)
محسن القيشاوي محسن القيشاوي

في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، تتقاطع فيها حسابات الحرب والوساطة، عاد اسم سوريا ليطرح نفسه مجددًا في قلب المشهد اللبناني، ولكن هذه المرة من زاوية مختلفة. فبين تصريحات أميركية تلوّح بإسناد دور أمني لدمشق، ومواقف سورية تنفي أي نية للتدخل العسكري وتؤكد السعي إلى الحل السياسي، يتشكل جدل جديد حول طبيعة الدور الذي يمكن أن تلعبه سوريا في لبنان. وبين من يرى في ذلك فرصة لإعادة التوازن، ومن يحذر من إعادة إنتاج أدوار الماضي، يبرز السؤال الأهم: هل تعود دمشق كوسيط لاحتواء التصعيد، أم كطرف قد يجد نفسه من جديد داخل معادلاته؟

إعادة تموضع سياسي

برزت دمشق كلاعب يحاول إعادة تموضعه سياسيًا، مع تأكيد الرئيس السوري أحمد الشرع على وجود تواصل مباشر مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في إطار مساعٍ لوقف الحرب في لبنان. هذا الإعلان لا يعكس فقط انخراطًا دبلوماسيًا، بل يشير إلى رغبة سورية في استعادة دور إقليمي مؤثر، ولكن هذه المرة من بوابة "الحل" لا "التدخل".

الشرع شدد على أن سوريا مستعدة للجلوس مع جميع الأطراف اللبنانية، بما في ذلك حزب الله، في مقاربة تعكس تحولًا في الخطاب السياسي السوري، من منطق المحاور وإدارة التوازنات، وربط الاستقرار اللبناني بالمصلحة السورية المباشرة.

نفي التدخل العسكري… وتأكيد القدرة عليه

دفعت تصريحات دونالد ترامب بالنقاش نحو مسار أكثر حساسية، بعد تلويحه بإمكانية "تفويض" سوريا بمواجهة حزب الله في جنوب لبنان، في إشارة لافتة إلى تراجع الثقة بفعالية المقاربة الإسرائيلية، وفتح الباب أمام أدوار بديلة في إدارة الصراع. غير أن الرد السوري جاء سريعًا وحاسمًا، إذ نفى الرئيس أحمد الشرع أي نية للتدخل العسكري، مؤكدًا أن دمشق لا تنخرط في حروب بالوكالة أو لعب دور الوصاية، بل تتخذ قراراتها بشكل معلن ومباشر، معتبرًا أن أولويتها القصوى هي وقف إطلاق النار، وتأمين عودة اللاجئين السوريين، والتركيز على الملفات الداخلية.

برزت دمشق كلاعب يحاول إعادة تموضعه سياسيًا، مع تأكيد الرئيس السوري أحمد الشرع على وجود تواصل مباشر مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في إطار مساعٍ لوقف الحرب في لبنان

هذا الموقف لا يقتصر على تفنيد الطروحات التي تتحدث عن نية دمشق التدخل عسكريًا، بل يعكس مقاربة سياسية مزدوجة: فمن جهة، يرفض الانزلاق إلى مواجهة مباشرة داخل الساحة اللبنانية، ومن جهة أخرى، يحرص على التأكيد بأن هذا الرفض نابع من خيار سياسي محسوب، بما يعزز صورة سوريا كفاعل يختار ضبط الإيقاع بدل الانجرار إلى التصعيد.

مقاربة سورية مختلفة: من الحسم إلى الاحتواء

الطرح السوري للحل يقوم على مرحلتين واضحتين: وقف الحرب أولًا، ثم معالجة تداعياتها على المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية. وتختلف هذه المقاربة عن الرؤية الإسرائيلية التي تميل إلى "الحسم العسكري"، وكذلك عن الطرح الأميركي الذي يركز على "الاحتواء السريع"، إذ تحاول دمشق تقديم نفسها كطرف قادر على إدارة تعقيد الأزمة بدل التورط فيه عبر القوة.

وفي هذا السياق، شدد الرئيس أحمد الشرع على أن "الحلول المجتزأة" لا تؤدي إلى استقرار مستدام، بل تؤسس لدورات جديدة من الصراع، ما يعكس إدراكًا لطبيعة الأزمة اللبنانية المركّبة، حيث تتداخل العوامل الداخلية مع التوازنات الإقليمية بشكل يصعّب إنتاج تسوية نهائية سريعة.

حزب الله بين الذاكرة والمقاربة الجديدة

أحد أكثر عناصر الخطاب السوري حساسية تمثّل في الحديث عن حزب الله، إذ أشار الرئيس أحمد الشرع إلى "جرح سوري لا يزال حيًا" نتيجة أدوار سابقة للحزب في سوريا، مع دعوة في الوقت نفسه إلى التعامل مع هذه المرحلة بموضوعية والانفتاح على الحوار.

هذا التوازن بين الإرث التاريخي السابق والرغبة في إعادة صياغة العلاقة يعكس تحولًا مهمًا في الخطاب، بحيث لم تعد العلاقة مع حزب الله تُقرأ فقط ضمن إطار المواجهة والعداء، بل في إطار أوسع عنوانه احتواء التوترات والحفاظ على التوازن الإقليمي.

أنقرة كضامن إقليمي للتهدئة

في موازاة التحرك السوري، برزت تركيا كفاعل إقليمي يسعى إلى تثبيت خطوط التوازن في الساحة اللبنانية، عبر رسائل تطمين موجهة إلى بيروت تؤكد أن خيار التدخل العسكري السوري غير مطروح. وقد نُقلت هذه الرسائل خلال زيارة نائب رئيس الحكومة اللبنانية طارق متري إلى أنقرة، في مؤشر على وجود مستوى من التنسيق الإقليمي غير المعلن يهدف إلى احتواء التصعيد وضبط مسار الأزمة ضمن حدود سياسية محسوبة.

وفي السياق نفسه، تشير المعطيات إلى أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يتحرك على خط التأثير في الموقف الأميركي، خصوصًا في ما يتعلق بطرح إسناد ملف حزب الله إلى سوريا، وهو طرح تعتبره أنقرة محفوفًا بالمخاطر لما قد يسببه من إعادة خلط للأدوار والتوازنات في الإقليم. ويعكس هذا الحراك التركي قلقًا متزايدًا من انزلاق الساحة اللبنانية إلى مسارات أمنية غير محسومة، قد تفتح الباب أمام تصعيد واسع بدل تسوية مضبوطة.

واشنطن وتبدّل الحسابات

تصريحات ترامب لا تبدو معزولة عن سياقها، بل تعكس تحولًا في المقاربة الأميركية تجاه الأداء الإسرائيلي في لبنان، لا سيما في ظل انتقاده لأسلوب العمليات العسكرية الإسرائيلية واعتباره أنها "لا تحقق نتائج دون تدمير واسع". ويشير هذا الموقف إلى بحث واشنطن عن أدوات بديلة للحل في لبنان، بدل الاعتماد الكامل على المقاربة العسكرية الإسرائيلية.

غير أن هذا الطرح يثير جملة من الإشكاليات المعقدة، أبرزها مدى إمكانية إعادة إدماج سوريا ضمن معادلة إقليمية جديدة، وما إذا كانت دمشق قادرة على الاضطلاع بدور أمني بهذا الحجم من دون ترتيبات سياسية أو استراتيجية مقابلة.

وتعكس هذه التساؤلات طبيعة المأزق الأميركي الراهن، حيث تحاول واشنطن الموازنة بين هدف إنهاء الحرب وتخفيف التصعيد من جهة، وبين تجنّب الانخراط المباشر في إدارة الصراع من جهة أخرى، من دون خسارة قدرتها على التأثير في مساراته واتجاهاته، بما في ذلك ملف نزع سلاح حزب الله، الذي يظل أحد أكثر العناوين تعقيدًا وحساسية في أي تسوية محتملة.

إسرائيل ترفض… ولبنان يلتزم الصمت

في المقابل، جاء الرد الإسرائيلي حاسمًا برفض أي تدخل سوري، مع تأكيد أن تل أبيب "لا تحتاج" إلى طرف ثالث في مواجهة حزب الله. هذا الرفض يعكس خشية إسرائيلية من عودة سوريا كلاعب أمني مباشر في لبنان، لما يحمله ذلك من تداعيات استراتيجية.

أما لبنان الرسمي، فاختار الصمت، في موقف يعكس حساسية اللحظة، وعدم الرغبة في الانخراط في سجال إقليمي قد يفاقم الانقسام الداخلي.

بين الاقتصاد والجغرافيا: إعادة تعريف الدور السوري

إلى جانب الطرح السياسي، حاول الشرع تقديم رؤية اقتصادية لدور سوريا، تقوم على فتح خطوط تعاون مع لبنان بدل أي مسارات عسكرية. كما أشار إلى سعي بلاده لتعزيز موقعها كعقدة ربط بين الشرق والغرب، مستفيدة من موقعها الجغرافي وسواحلها على المتوسط.

يعكس هذا الطرح محاولة لإعادة تعريف الدور السوري، من دولة منخرطة في محاور الصراع إلى دولة تمثل عقدة لوجستية واقتصادية، في سياق التحولات العالمية في سلاسل الإمداد.

هل هي عودة مختلفة لسوريا؟

في المحصلة، لا يبدو أن سوريا تسعى اليوم إلى العودة إلى لبنان بالصيغة التي حكمت المرحلة قبل عام 2005، بل تعمل على إعادة تموضعها داخل معادلة إقليمية أكثر تعقيدًا تقوم على الانتقال من التدخل المباشر إلى الوساطة، ومن الاصطفاف السياسي إلى إدارة التوازنات، مع تقديم البعد الاقتصادي كمدخل موازٍ للنفوذ بدل الأدوات الأمنية التقليدية.

غير أن هذه المعادلة، رغم وضوح عناوينها، تبقى هشة ومفتوحة على احتمالات متعددة، كونها محكومة بتشابك عوامل خارجية لا يمكن التحكم بها بسهولة، وفي مقدمتها الموقف الأميركي، والرفض الإسرائيلي لأي إعادة تدوير للدور السوري، والتوازنات الداخلية اللبنانية، فضلًا عن حسابات إيران في الإقليم، ما يجعل هامش الحركة السورية مشروطًا بميزان قوى غير مستقر.

كلمات مفتاحية
دبابة تابعة للقوات العراقية

جرف الصخر تعود إلى الواجهة.. هل تنجح الحكومة العراقية في إعادة النازحين؟

يعود ملف جرف الصخر إلى الواجهة مع تحرك حكومي لإعادة النازحين واستعادة مؤسسات الدولة السيطرة على المنطقة

تحتفل حكومة طالبان بمرور خمس سنوات على حكمها لأفغانستان

خمس سنوات على حكم طالبان لأفغانستان.. كيف تبدو البلاد اليوم؟

بعد خمس سنوات على عودة طالبان إلى السلطة في أفغانستان تشهد البلاد تحسنًا نسبيًا في الأمن مقابل قيود واسعة على النساء والفتيات

بلدة أنصار

إسرائيل تصعّد جنوب لبنان.. شهداء وغارات وتقدم ميداني

صعّد جيش الاحتلال الإسرائيلي، منذ ساعات فجر السبت، اعتداءاته على جنوب لبنان

نساء يبحثن بين أنقاض قرية دمرها زلزال المغرب
علوم

من المغرب إلى المشرق.. دول عربية تقع على خطوط الخطر الزلزالي

العالم العربي ليس بمنأى عن الخطر أصلًا. فبحسب تقديرات إقليمية، يعيش أكثر من 30% من سكان المنطقة العربية في مناطق ذات خطر زلزالي متوسط أو مرتفع

كرة القدم
رياضة

حملات محفورة في الذاكرة: أفضل الحملات الإعلانية في كرة القدم

تسعى هذه الحملات إلى جمع عشاق كرة القدم حول العلامة التجارية نفسها، لا حول منتج واحد بعينه

زلزال هايتي
الترا لايت

أعنف 10 زلازل في أميركا اللاتينية.. كوارث حصدت مئات الآلاف

تكتسب هذه القائمة أهمية إضافية مع تعرض المنطقة في 2026 لهزات مدمرة، بينها الزلازل التي ضربت فنزويلا وكولومبيا

صورة تعبيرية
تكنولوجيا

واشنطن تضغط على حلفائها للاختيار بينها وبين بكين في سباق الذكاء الاصطناعي

تنظر واشنطن إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره أكثر من مجرد قطاع اقتصادي واعد، إذ يمكن لقدراته المتسارعة أن تؤثر في الأمن القومي والتفوق العسكري والاقتصادي