دمشق.. فنادق المرجة آخر شهود مرحلة لن تعود

دمشق.. فنادق المرجة آخر شهود مرحلة لن تعود

(عبد المنعم اياسة/أ.ف.ب/Getty)

هنا دمشق... المرجة أو ساحة الشهداء التي تلوثت على مدار عقود لتصبح تعويذة الباحثين عن متعة سريعة أو بضاعة مشبوهة، أو موعد سريع بمقهى (الديرية) الذي يقع في زاويتها مزدحمًا بالقادمين من المنطقة الشرقية ليرووا حكاياتهم المفزعة عن داعش والحياة في عصور ما قبل التاريخ، التي عادت إليهم مع سيطرة التنظيمات المتطرفة على مدنهم وقراهم النازفة.

فنادق المرجة الرخيصة ما زالت تحمل أسماء لامعة لمرحلة ربما لن تعود. الوحدة العربية-الجامعة العربية-الاتحاد العربي... إلخ. مرحلة ولت مع الصدمات النفسية التي صنعتها السنوات الخمس الأخيرة التي حملت بذور الصدع التاريخي بين العرب وسوريا التي طالما كانت بيضة القبان بين العرب المشارقة والمغاربة (مصر)، وظهرت دعوات في سوريا لا تخلو من الجدية للانسلاخ عن العرب كأمة خذلتهم وفق وجهة نظر من يحاربون مع النظام فيما الطرف الآخر يشعر بنفس الغصة والخيبة لأنهم تركوا وحدهم في مواجهة أبناء وطنهم ومن ثم في مواجهة من ساند النظام سواء الإيرانيين أو الروس في نهاية المطاف.

ظهرت دعوات في سوريا لا تخلو من الجدية للانسلاخ عن العرب كأمة خذلتهم وفق وجهة نظر من يحاربون مع النظام 

فنادق المرجة القومية العروبية تبدو خالية من زبائنها اليوم بعد أن صارت دمشق معزولة عن محيطها العربي وخصوصًا أولئك الذين سميت لأجلهم قبل أن تعلو فنادق النجوم الخمسة، وكانت آنذاك أقصى أحلامهم بالمبيت في قلب الشرق العربي الذي صدعته الحرب الأهلية القاسية.

يروي بعص كبار السن من أصحاب المحال التجارية عن شيوخ ومقامات خليجية كانت تجلس هنا على باب الفندق الذي بني على الطراز الدمشقي. من هذه المحال كانت الهدايا تحمل إلى الرياض والكويت حتى صارت المريديان والشيراتون أماكن لهوهم الجديدة. ومنذ أكثر من عقدين، يضيف أحدهم، تحول المكان إلى حانة لهو، وصارت المرجة عنوان الباحثين عن متعة سريعة أو كما تسمى بلغة العاملين هنا "استراحة". وهؤلاء يعرضون بضائعهم علنًا، وحولهم يحوم صرافو العملات الصعبة واللصوص والتائهون.

المتعة ليست غالية، والانتشاء رخيص الثمن في زمن بخس تعيشه البلاد التي تمزقت كغشاء بكارة في ليلة عنيفة. من الممكن أن تنال ما تريد حسب ما في الجيب، فالمرابع الحمراء غصت بالباحثين عما يجعلهم أحياء، ولا مشكلة في المال قلّ أم كثر. وهنا من الممكن أن تجد في الشوارع الخلفية الكثير من المرح، مقال شحن جوال بمائة ليرة، وبعض الطعام.

اختلف الرواد أيضًا وقلت قيمتهم كما يقول أحد أصحاب الفنادق، فالمنطقة تعج ليلًا بمن لا مكان لهم أو سقف، ولصوص أيضًا يبحثون عن متعة بما حصلوا عليه من مال حرام، فهنا الأمكنة لا تضيق على أحد سوى البشر.

في جانب ليس خفيًا كما يقول (مروان) أحد القوادين في المرجة، الكل يعرف أن المصلحة اتسعت، فالقادمات إلى سوق الدعارة صرن أكثر من ذي قبل، ولا أحد يبحث عنهن، أو يمنعهن فالباب مفتوح على مصراعيه، وهن من كل البلد، حيث ذبحت البنادق والبراميل عائلات بأكملها، ونجا من نجا باحثًا عن رزقه، وبعضهن تأخذهن الدروب القاسية وأبناء الحرام والحاجة إلى هنا..حيث المتعة تساوي القتل.

هنا دمشق...المرجة عنوان الفصام العربي العربي بعد سنوات عناق كاذب... وعناوين شاهدة على مرحلة لن تعود.

اقرأ/ي أيضًأ:
نحن.. السوريون الغرباء
العسكرية في سوريا.. فيلم رعب طويل