دمشق التي لي

دمشق التي لي

الشارع المستقيم في دمشق علم 1880 (Getty)

لست أعلم ما هي المرجعية التي كانت تجعلنا، كأطفال ريف، نتخيل دمشق كمدينة مزدانة بالأضواء، والكورنيش، واللمعان، وكافة أدوات الزينة وأشكالها... كمدينة سحرية إذًا! هكذا كنا نتخيل الشام. والمثير في الأمر أن أحدًا ممن يسكن في دمشق من أصدقاء العائلة أو من الأقارب لم يكن ليدحض هذه الصورة المتخيلة، بل كان، على نحو ما، يكرسها.

أول مرة أزور فيها دمشق، أزورها في أكثر أحيائها بؤسًا

عندما كان يزورنا عمي القاطن منذ زمن بعيد في الشام كنا نتجمع حوله، ليس أنا وإخوتي الأطفال فحسب، بل أطفال الجيران أيضًا، وننظر إليه على أنه كائن خاص. لكن، أحيانًا كان يخيب أملنا في صورة الإنسان الشامي عندما نتأكد أنه يشبهنا: يتكلم مثلنا وباللهجة نفسها، ويأكل ويمشي ويتحرك مثلنا أيضًا! لكن لباسه كان يشكل لنا قوة مرجعية صلبة لخيالنا الذي يريد تمييزه عن آبائنا، كان يلبس طقمًا رسميًا وربطة عنق، وكان، غالبًا، يجلس على الكرسي لا على طرّاحة ممدودة على الأرض! كنا نحب أن نراه، ولو عسفًا، لامعًا، جميلًا، أنيقًا، متميزًا عن آبائنا ليكون شاميًا موافقًا لصورتنا عن الشام. 

لكن الأمر الحاسم الذي أكد وكرس صورة الشام في خيالنا أنه كان يذهب إلى الصيد ليس بعيدًا عن حارتنا، ما جعلنا نسمع أصوات الطلقات. كنا ننتظره كمن يجلس في معبد ويصلي كي يعود البطل منتصرًا، وكانت فرحتنا كبيرة عندما نراه عائدًا حاملًا "قرطلًا" مليئًا بالعصافير الصغيرة. إنه شيء رائع وخيالي، إذ أن آباءنا في الحارة لا يذهبون إلى الصيد، فقط الشاميون يفعلون ذلك. شكرًا لك أيها العم، فأنت لا تشبه آباءنا!

لكثرة ما كنت أسأله عن الشام، أخذني معه مرة. أظن أنني سألته أكثر من مئة مرة: وصلنا؟ وصل الباص إلى القابون حيث الكراجات، ثم ذهبنا إلى بيته في جوبر، ما يعني أنني أول مرة أزور فيها دمشق، أزورها في أكثر أحيائها بؤسًا. في الطريق إلى جوبر كان عليه أن يقفز، كالأرنب، عن الأوحال متفاديًا، ما أمكن، تلويث ثيابه. وكنت أقفز مثله، لكن قدماي كانتا تخبطان، أحيانًا كثيرة، في حفرة ماء، أو في تلة صغيرة من الوحل.. عندما وصلنا إلى البيت كنت كضفدع ملوث بالوحل، والخيبة، والقهر، وكانت أطراف بنطال عمي غاصّة بالوحل على نحو شديد القسوة بالنسبة لطفل لم يتوقف عن بناء صورة باذخة لدمشقه، وشامه.
يا الله، يا الله، هذه ليست دمشق!

تحولت زوجة عمي، المرأة المكتنزة والجميلة إلى مهرج يحاول، عبثًا، إضحاكي، وتكلمت بلهجة شامية، وروت العديد من النكات...هي ظنت أنني متعب من السفر، أو أنني مصاب بالخجل، أو أنني أفتقد أمي وأهلي... ومن أين لها أن تعرف أن دمشق التي لي هوت، مثل كاتدرائية، دفعة واحدة منذ أن قال لي عمي: وصلنا. وبشكل مفاجئ قالت لي: انظر! لأسباب غامضة ومجهولة كان يوجد على جدار في الغرفة سلك مغلف ببلاستيك أخضر اللون، عليه أزار (لمبات صغيرة) ضوئية. أمسكت طرفه وقالت: انظر، نضع الفيش في الكهرباء ثم تشعل الأزرار. وبالفعل صارت تشعل وتنطفئ بالتناوب. وقفت أمامها، كالأبله، فاتحًا فمي، جاحظًا عينيّ: تنطفئ وتشعل لوحدها! وحتى لو لمستها لن تصعقك الكهرباء، إنه أمر مثير للعجب حقًا! وعلى نحو مفاجئ قلت: "هي بس بالشام في منها".

 كانت أمة الفقراء تعيش في دمشق التي كان خيالي يرفضها، لكنني أنتمي إليها

وبعملية قسرية، وقيصرية ربما، أخرجت من رأسي الشارع الموحل، والأزقة الضيقة، والبيوت البسيطة والمتهالكة، والأوساخ التي تملأ الأمكنة، ورميتها خارجًا وبعيدًا، واحتفظت بهذا السلك المضيء على أنه دمشق التي لي. لايوجد مثل هذا السلك، في بيتنا، ولا في حارتنا، ولا في السلمية، ولا في القرى المجاورة، ولا في المدن السورية، ولا في العالم كله، يوجد فقط في دمشق! على هذه الصورة نمت. 

في اليوم التالي بدا سوق الحميدية، موئل زائري دمشق كلهم منذ الأزل، أنه، بالفعل، الشام. ازدحام، ناس (أشكال ألوان) بضائع على مد النظر، محلات، أضواء. في سوق الحميدية يوجد كل شيء كما ينبغي للشام أن تكون. أيضاً، هناك (لغة) ليست كـ (لغتنا) نحن أبناء الريف البعيد.

قلت لأولاد الحارة عندما عدت: إنهم يقولون: آ، بدلًا من: قا. ويمطون الكلام، يقولون أيضًا: ولي على آمتي... مو قامتي، قلت الكلمة الأخيرة مستنكرًا! سألني صديقي الصغير: شو يعني: ولي على آمتي؟ قلت له، متشاوفًا بمعرفتي: كلمة شامية نحنا ما منعرفا. تحدثت عن السلك الكهربائي الذي يضيء وينطفئ لوحده، وقد أضفيت على الحديث نوعًا من نبرات الصوت التي تفيد التعجب والاستغراب والإعجاب. قلت لهم: للشام سقف بحيث إن أمطرت لا يصيبك المطر، وإن أشمست لا يصيبك الحر، تمشي كأنك في غرفة كبيرة، كبيرة جدًا، تصوروا في الشام لا يوجد وحل، حتى إنني لم أمسح حذائي هناك، بينما هنا كل يوم أغسله أكثر من مرة! حقيقة، لم أكن أتكلم بمبالغات يمليها علي خيال الأطفال، كنت، على نحو ما، أكذب! 

تحدثت عن سوق الحميدية وكأنه الشام كلها، وعن السلك المضيء كأن الشام كلها سلك مضيء، أو أنها هذا السلك المضيء. لم أتحدث عن الوحل والبؤس وبيت عمي المتواضع! يبدو، كأنني أردت نسيانه، أو أنني نسيته، فعليًا، من شدة تعارضه مع دمشق التي في مخيلتنا كأطفال، أو ربما ككبار نسكن ريفًا بعيدًا. 

كان لينين، قائد الثورة البلشفية/ الشيوعية (1917) يتجول في أرجاء لندن/ أحياء الأغنياء، وعندما تجول في أحياء الفقراء راح يردد: أمتان، أمتان. من حيث أن مفهوم الأمة لديه يتحدد بالاقتصاد، في إشارة إلى وجود أمتين: فقراء وأغنياء. عندما كبرت وسكنت دمشق، وتجولت في أحيائها كلها تقريبًا، صرت أيضًا أردد: أمتان، أمتان. كانت أمة الفقراء تعيش في دمشق التي كان خيالي يرفضها، لكنني أنتمي إليها، وكان الأغنياء يعيشون في دمشق التي كانت في خيالي، لكنني لا أنتمي إليها. 

لذلك، أريد دمشق التي في خيالي والتي أنتمي إليها أن تكون واحدة. أريد هذه الدمشق.
بدّي الشام.

اقرأ/ أيضًا:

دمشق ما قبل الكتابة.. خريطة معاناة

معنى الذلّ