ultracheck
  1. سياسة
  2. حقوق وحريات

"دماء في السويداء": تقرير العفو الدولية يكشف إعدامات ميدانية وجرائم مروّعة بحق المدنيين

2 سبتمبر 2025
قوات الحكومة السورية
حاجز لقوات الأمن العام على الطريق بين السويداء ودرعا (Getty)
الترا صوت الترا صوت

كشفت الأحداث الدامية التي شهدتها محافظة السويداء جنوب سوريا خلال يوليو/تموز الماضي عن محطة شديدة الدموية والتعقيد في مسار الأزمة السورية، مسلّطةً الضوء على هشاشة الوضع الأمني وعمق الانقسامات السياسية والاجتماعية في البلاد. فقد امتزجت التوترات العشائرية والطائفية مع تدخل القوات الحكومية، لتُسفر عن موجة غير مسبوقة من العنف ضد أبناء الطائفة الدرزية. 

وفي خضم هذه التطورات، أصدرت منظمة العفو الدولية تقريرًا يحمّل قوات الحكومة السورية ومجموعات مسلّحة موالية لها مسؤولية إعدامات ميدانية طالت عشرات المدنيين في السويداء، في مشهد يثير أسئلة عميقة حول مستقبل العدالة في سوريا ويعيد إلى الواجهة قضية الإفلات من العقاب على الصعيد الدولي.

أسبوع دموي في السويداء

منذ 13 تموز/يوليو، اندلعت مواجهات بين مجموعات محلية من المحافظة وأخرى من البدو. وسرعان ما تحولت هذه الاشتباكات إلى صراع دموي مع دخول قوات وزارة الداخلية والدفاع على الخط، لتتوسع رقعة العنف بمشاركة واسعة مسلّحي العشائر. 

وأكدت منظمة العفو الدولية أنها جمعت أدلة موثوقة تثبت تورط القوات الحكومية ومجموعات تابعة لها في تنفيذ إعدامات ميدانية بحق مدنيين من الطائفة الدرزية يومي 15 و16 تموز/يوليو في محافظة السويداء. 

وتشير الأدلة، التي تضمنت مقاطع فيديو تم التحقق من صحتها، إلى أن عناصر يرتدون زيًّا عسكريًا وأمنيًا، بعضهم يحمل شارات رسمية، أطلقوا النار على رجال عزّل داخل منازل وفي أماكن عامة شملت ساحة ومدرسة ومستشفى. 

أصدرت منظمة العفو الدولية تقريرًا يحمّل قوات الحكومة السورية ومجموعات مسلّحة موالية لها مسؤولية إعدامات ميدانية طالت عشرات المدنيين في السويداء

أدلة دامغة على الإعدامات

في تقريرها، بين 11 و12 يوليو/تموز، تصاعد التوتر في جنوب سوريا بين مجموعات درزية مسلّحة ومقاتلين من العشائر البدوية، ليتحوّل سريعًا إلى مواجهات دامية. وفي 15 من الشهر نفسه، أعلنت القوات الحكومية دخولها مدينة السويداء لـ"فرض الاستقرار"، وفرضت حظر تجوّل شامل. 

وفي اليوم ذاته، نفذت إسرائيل غارات جوية استهدفت آليات عسكرية تابعة للنظام السوري، أسفرت عن مقتل ما لا يقل عن 15 عنصرًا من القوات الحكومية. لكن سرعان ما أدت التقارير المتداولة حول انتهاكات جسيمة ارتكبتها هذه القوات وحلفاؤها ضد السكان الدروز إلى تجدّد المواجهات مع الفصائل المحلية، قبل أن تنسحب القوات الحكومية في وقت متأخر من مساء 16 يوليو/تموز.

وفي هذا السياق، وثّقت منظمة العفو الدولية عمليات إعدام ميدانية راح ضحيتها 46 شخصًا من أبناء الطائفة الدرزية (44 رجلًا وامرأتان)، بينهم مسنّان تعرّضا لما وصفته المنظمة بـ"إعدام وهمي" يومي 15 و16 تموز/يوليو. وأوضحت أن هذه الإعدامات جرت في أماكن متعددة شملت ساحات عامة، منازل خاصة، مدرسة، مستشفى وقاعة احتفالات داخل المحافظة.

كما رصدت المنظمة خلال تلك الأيام ممارسات وُصفت بالمهينة بحق المجتمع الدرزي، إذ أطلق مسلحون في السويداء هتافات طائفية معادية، وتعمّدوا إهانة رجال الدين عبر حلق شواربهم بالقوة، في استهداف لرمز ثقافي تقليدي ذي مكانة خاصة لدى أبناء الطائفة.

وأفادت المنظمة بأنها أجرت مقابلات معمّقة مع 15 شخصًا على صلة بأحداث السويداء، بينهم 13 من السكان المحليين وشخصان يعيشان خارج سوريا. وأوضح ثمانية من هؤلاء أن أفرادًا من عائلاتهم تعرضوا للإعدام الميداني، فيما روى أحد الشهود أنه شاهد بأم عينيه مقتل أقربائه، بينما أكد آخر أنه عاين مباشرة إعدام مجموعة من المدنيين. 

كما ذكر خمسة أشخاص أنهم زاروا مواقع مختلفة شهدت عمليات إعدام، حيث عثروا على جثث ذويهم إلى جانب جثث ضحايا آخرين. وفي شهادة أخرى، قالت امرأة إن والديها تعرّضا لما وصفته المنظمة بـ"إعدام وهمي"، فيما تحدث اثنان عن احتجازهما مع أسرهما تحت تهديد السلاح وتعرض منزلهما للتفتيش على أيدي رجال بزي عسكري.

صور وفيديوهات تثبت الجرائم

استندت المنظمة إلى مواد موثقة بينها مقاطع فيديو وصور جرى التحقق منها، أظهرت مسلحين يرتدون بزات عسكرية وأمنية، بعضهم يحمل شارات رسمية، وهم يطلقون النار على أشخاص عزّل. كما أجرت المنظمة تحليلات للأسلحة وجمعت شهادات شهود عيان تدعم ما ورد في تقريرها.

اللافت أن بعض مقاطع الفيديو أظهرت مسلحين بزي عسكري يحملون شارة سوداء مرتبطة بتنظيم "داعش"، رغم أن التنظيم لم يعلن مسؤوليته عن أي هجوم في السويداء.

من جانب آخر، أعلن "مختبر الأدلة" التابع للمنظمة، والمتخصص في التحقيقات الرقمية، أنه تحقق من 22 مقطع فيديو وصورة جرى تداولها على وسائل التواصل الاجتماعي أو شاركها فريق البحث بين 15 تموز/يوليو و10 آب/أغسطس. 

وشمل عمل المختبر تحليلًا للأسلحة المستخدمة، إلى جانب مراجعة شهادات عائلات الضحايا وشهود العيان. كما قامت المنظمة بتدقيق صور ومقاطع مصوّرة التقطت في السويداء ومحيطها خلال الفترة بين 14 و17 تموز/يوليو 2025، واستندت إليها في تحديد الجهات المسلحة المنتشرة في المنطقة آنذاك.

وفي سياق متصل، تلقت العفو الدولية تقارير موثوقة عن حوادث اختطاف ارتكبتها مجموعات درزية مسلّحة وعناصر من العشائر البدوية بين 17 و19 تموز/يوليو. وأكدت المنظمة أنها بصدد فتح تحقيق مفصّل بشأن هذه الانتهاكات.

توثيق جريمة إعدام في المستشفى الوطني

وثّقت منظمة العفو الدولية حادثة إعدام عامل طبي داخل أحد مستشفيات السويداء على أيدي مسلحين يرتدون زيًا عسكريًا، وذلك بحضور عناصر آخرين مسلحين، بينهم فرد من جهاز الأمن العام.

وأظهرت تسجيلات كاميرات المراقبة وجود ما لا يقل عن 15 رجلًا مسلحًا عند مدخل المستشفى بتاريخ 16 تموز/يوليو؛ كان 12 منهم يرتدون الزي العسكري، اثنان منهم يحملان شارة سوداء تتضمن صيغة الشهادة، بينما ظهر ثلاثة آخرون بزي الأمن العام، وثلاثة بملابس مدنية.

وفي مقطع مصوَّر محدد التوقيت عند الساعة 3:24 من مساء اليوم نفسه، يظهر سبعة مسلحين ــ بعضهم سبق أن شوهد في مقاطع أخرى ــ بينهم رجل يرتدي زي الأمن العام وآخر يحمل الشارة السوداء، وهم يقتحمون قاعة الاستقبال داخل المستشفى. وبحسب التوثيق، فقد جرى تجميع ما لا يقل عن 38 شخصًا، معظمهم من الكوادر الطبية، وإجبارهم على الركوع وأيديهم مرفوعة.

وتظهر اللقطات محاولة العامل الطبي محمد رفيق البحصاص الاعتراض على المسلحين، لكن الرجل الذي يرتدي زيًا أسود أصدر أوامر بسحبه من بين المجموعة. وقد تعرّض حينها للضرب على رأسه وطرح أرضًا، بينما طوّقه مسلحون عدة. 

ويبدو من التسجيل أنه كان يتوسل إليهم لتركه على قيد الحياة، رافعًا يديه، قبل أن يطلق أحد المسلحين النار عليه مرتين من بندقية على مسافة قريبة، ثم تبعه آخر، يرتدي أيضًا زيًا عسكريًا، وأطلق النار عليه من مسدس. وبعد نحو نصف دقيقة، شوهد مسلح آخر وهو يجر جثة البحصاص بعيدًا.

موقف السلطات وردود الفعل

كشفت منظمة العفو الدولية أنها وجّهت رسالتين إلى الحكومة السورية تضمّنتا عرضًا للنتائج الأولية التي توصلت إليها تحقيقاتها بشأن عمليات الإعدام والانتهاكات التي رافقت موجة العنف الأخيرة، إضافة إلى طلب إيضاحات حول مسار التحقيقات الرسمية.

وطالبت المنظمة كذلك بالكشف عن دور القوات الحكومية في تلك الأحداث، والإجراءات المتخذة لمحاسبة المتورطين، فضلاً عن التدابير الوقائية التي جرى تطبيقها لحماية المدنيين قبل اندلاع المواجهات وأثناءها وبعدها.

وأشارت العفو الدولية إلى أنها، وحتى تاريخ إصدار بيانها الأخير، لم تتلقَّ أي رد من السلطات السورية على هذه الاستفسارات.

في المقابل، بررت الحكومة السورية تدخلها العسكري بأنه جاء لـ"وقف الاقتتال"، غير أن شهادات من الأهالي وفصائل محلية اتهمت قوات النظام بالانحياز إلى جانب البدو والمشاركة في انتهاكات استهدفت أبناء الطائفة الدرزية.

يُذكر أن السلطات السورية أعلنت أواخر شهر تموز/يوليو تشكيل لجنة تحقيق لمراجعة أحداث السويداء، على أن تقدّم تقريرها النهائي خلال ثلاثة أشهر، متعهدةً بالمحاسبة عقب انتشار مقطع مصوَّر يوثّق مقتل رجل أعزل داخل مستشفى في المدينة.

ولفتت المنظمة إلى تصريح وزير الدفاع السوري الصادر في 22 تموز/يوليو، والذي أقرّ فيه بأنه على علم بـ"انتهاكات صادمة وجسيمة ارتكبتها مجموعة غير معروفة ترتدي الزي العسكري في مدينة السويداء".

كما ذكّرت بتصريح آخر للوزير نفسه في 23 أيار/مايو الماضي، أعلن فيه دمج أكبر الفصائل المسلحة السابقة الناشطة في سوريا ضمن صفوف الجيش، مع منح الجماعات الصغيرة المتبقية مهلة أقصاها عشرة أيام للالتحاق أو مواجهة رد عسكري حازم.

أرسلت منظمة العفو الدولية رسالتين إلى الحكومة السورية عرضت فيهما نتائج أولية لتحقيقاتها بشأن الإعدامات والانتهاكات الأخيرة، وطلبت توضيحات حول التحقيقات الرسمية

دعوات للمحاسبة الدولية

شددت الباحثة في شؤون سوريا لدى منظمة العفو الدولية، ديانا سمعان، على أن ما جرى يرقى إلى "إعدامات خارج نطاق القضاء" تمثل جريمة بموجب القانون الدولي، مشيرةً إلى مسؤولية الدولة عندما تتم مثل هذه الجرائم برضاها أو بتواطؤ معها.

وطالبت المنظمة من السلطات السورية بإجراء تحقيق عاجل ومستقل وشفاف، يفضي إلى محاسبة المسؤولين عن هذه الجرائم. كما أكدت أنها تحقق أيضًا في تقارير عن عمليات اختطاف نفذتها مجموعات درزية مسلحة وعناصر من العشائر البدوية خلال الأحداث.

العدالة الغائبة ومطالب المساءلة

تكشف أحداث السويداء  عن مستوى خطير من الانتهاكات التي طالت المدنيين في ظل نزاع معقّد تتداخل فيه الأبعاد العشائرية والطائفية مع الدور الحكومي.

 ورغم تعهّد السلطات السورية بفتح تحقيقات، تظل الشكوك قائمة بشأن مدى نزاهة وشفافية هذه الإجراءات، في وقت يزداد فيه الضغط الحقوقي والدولي للمطالبة بمحاسبة المسؤولين وضمان عدم إفلات الجناة من العقاب. وتبقى السويداء مثالًا صارخًا على الحاجة الملحّة إلى آليات دولية فاعلة لحماية المدنيين وصون حقوقهم.

كلمات مفتاحية
النساء في أفغانستان

بسبب الحجاب.. قتلى واعتقالات خلال احتجاجات ضد "طالبان" في أفغانستان

احتجاجات نادرة في هرات بعد حملة اعتقالات نفذتها طالبان بحق نساء بتهمة "الحجاب غير المناسب"

حرب السودان

الحرب في السودان.. نساء يروين قصص الاستعباد الجنسي وشراء الحرية بالفدية

شهادات مروعة تكشف تصاعد الاستعباد الجنسي وابتزاز النساء بالفدية خلال الحرب في السودان

اللاجئون في أوروبا

ماذا يعني اتفاق أوروبا الجديد لإنشاء مراكز ترحيل خارجية للاجئين؟

الاتحاد الأوروبي يقترب من إقرار خطة لتشديد الهجرة وإنشاء مراكز ترحيل خارجية لتسريع إعادة المهاجرين المرفوضين

كأس العالم 2026
رياضة

عن المسافات الهائلة بين المدن المستضيفة لكأس العالم.. من أكثر المتضررين؟

ستشهد كأس العالم 2026 تفاوتًا كبيرًا في حجم التنقلات بين الفرق، فستضطر بعض المنتخبات إلى قطع آلاف الأميال خلال دور المجموعات، بينما ستتمتع أخرى بجدول مريح يسمح لها بالبقاء في منطقة جغرافية واحدة

كأس العالم 2026
رياضة

كيف يكشف مونديال 2026 أزمات العالم المعاصر؟

يخضع مواطنو 39 دولة لقيود سفر أميركية متفاوتة تحول دون وصولهم إلى الولايات المتحدة، تنقسم بين حظر شامل وحظر جزئي

لبنان
مجتمع

من إرث العائلة إلى تأثير النجوم.. المنتخبات التي يشجعها اللبنانيون في كأس العالم

يختار مشجعو كرة القدم منتخباتهم المفضّلة وفقًا لثلاثة معايير أساسية؛ النتائج والنجاحات، و توارث الأطفال المنتخب المفضل عن آبائهم أو أقاربهم، وأحيانًا التمرّد على العائلة

كأس العالم 2026
الترا لايت

هل تتحول كأس العالم 2026 إلى عبء مناخي عالمي؟

قد ينتج كأس العالم 2026 نحو 7.8 ملايين طن متري من ثاني أكسيد الكربون، وهو رقم يزيد بأكثر من الضعف مقارنة بانبعاثات كأس العالم 2022 في قطر