دكتاتوريات الإجهاض

دكتاتوريات الإجهاض

ناشطة من السلفادور تقف ضد إدانة الإجهاض (Getty)

تقول الأخبار: ماريا تيريزا ريفيرا، امرأة في مقتبل العمر، تقضي حاليًا عقوبة بالسجن لمدة 40 عامًا بعد أن تعرضت للإجهاض اللإرادي. ريفيرا كانت قد أنجبت بالفعل طفلة تبلغ من العمر 5 سنوات ولم تكن تعرف أنها حامل مرة أخرى حتى مرضت في مكان عملها في متجر لبيع الملابس، حيث وجدتها حماتها مغمى عليها وتنزف على أرضية المرحاض فأخذتها إلى المستشفى. أبلغ موظف في المستشفى الشرطة وتم استجوابها في المستشفى دون محامين. وعلى الرغم من أوجه القصور الخطيرة في الأدلة ضدها، وتأكيد الأطباء على أن الإجهاض حدث لأسباب طبيعية تم إصدار الحكم عليها، وبحسب ما أورد تقرير أمنيستي؛ تقضي ريفيرا عقوبة المؤبد في السجن بعد أن أدينت بتهمة القتل العمد.

الكاثوليكية في أمريكا اللاتينية هي مزيج من الديانة المسيحية في التشريع ولديانات المحلية الوثنية في الممارسة والطقوس والعبادة

بين عامي 2000 و2011، تم اتهام 129 امرأة وفتاة في السلفادور بالإجهاض، أو "القتل" للإجهاض. من هؤلاء النساء، أدينت 23 بالإجهاض، و26 أُدنّ بالقتل، في هذه الدولة في أمريكا اللاتينية يتم تطبيق التشريع المسيحي الكاثوليكي المتشدد على المرأة التي تقوم بالإجهاض وعلى من يساعدها في ذلك. ولا توجد أسباب مخففة أو مبررة لعملية الإجهاض، كأن يكون الحمل قد يعرض حياة الأم للخطر أو نشأ عن طريق حادثة الاغتصاب. فالحياة حسب التشريع القانوني يجب حمايتها بكل الطرق. لا يمنح القانون الحماية للنساء اللواتي يتعرضن للإجهاض اللاإرادي، وذلك لفشلهن في حماية الحياة ويمكن أن توجه لهن تهمة القتل العمد في هذه الحالة.

اقرأ/ي أيضًا: الإجهاض في مصر.. حرمان من حق أصيل في تقرير المصير؟

تشيلي، جمهورية الدومينيكان، هايتي، الهندوراس ونيكاراغوا.. كلها دول تطبق القوانين بحسب التشريعات الكاثوليكية الصارمة، خصوصًا فيما يخص موضوع الحمل، الاغتصاب والإجهاض. وتمنع المس بالقوانين والشرائع الكنسية، بل تجرم من يفعل ذلك. أما في الأرجنتين فقد نجح نواب ونشطاء في إيصال اقتراح تعديل قانون يخفف من القيود الواقعة على مسألة الإجهاض إلى البرلمان، تمت الإطاحة بالقانون بعد أن تدخل البابا فرانسيس شخصيًا، معبرًا عن رأيه صراحة بأنه لا يمكن تسهيل القتل أبدًا، مهما كانت الظروف. وشبّه من يقوم بالإجهاض بالقتلة المأجورين. أطلقت هذه التصاريح في نفس الوقت الذي هزت الكنيسة فضائح عدة، حيث ظهرت دراسة في خريف 2014 كشفت أن 300 قسّ كاثوليكي قاموا بالتحرش بالآلاف من الأطفال في الولايات المتحدة. وفي ألمانيا أيضًا، وخلصت دراسة حديثة إلى أن آلاف الأطفال تعرضوا للتحرش على أيدي كهنة الكنيسة الكاثوليكية بين عامي 1946 -2014. لكن في أمريكا اللاتينية تبقى القداسة حول الفاتيكان بعيدة عن النقد والتشكيك، وتكاد تكون القارة الأمريكية الحصن الأخير للتشدد الكاثوليكي.

الكاثوليكية في أمريكا اللاتينية هي مزيج من الديانة المسيحية في التشريع ولديانات المحلية الوثنية في الممارسة والطقوس والعبادة. وقد تمت المصادقة على الممارسات اللاتينية الوثنية كجزء من الديانة الكاثوليكية اللاتينية دون تدخل من الفاتيكان، كجزء من تسوية صامتة بين الوثنية والكاثوليكية، حين انتشرت مع الاحتلال الأوروبي للقارة، بقيت حتى يومنا هذا قائمة في مجتمعات اللاتين. إلا أن التطبيقات الخاصة بالمرأة لا تزال تشريعات مسيحية كنسية صامتة لم تتمرد عليها الأكثرية الكاثوليكية المسيحية إلا في كوبا. حيث انقلب المجتمع على الكنيسة باعتبار أن الفكر الشيوعي الذي يقوم عليه المجتمع الكوبي الحديث فكر مادي، يستند في التطور على أسس مادية كتعداد السكان، الثروات الطبيعية، القدرة الإنتاجية، حركة العمال وما إلى ذلك، فكان من الطبيعي أن تستبعد الكنيسة من هذه المنظومة، وأن تشمل القوانين الأفراد بغض النظر عن جنسهم، بل بنيت الدولة على أسس خاصية الفرد وقدرته على الإنتاج ضمن المنظومة الجامعة. لذا حققت الدولة أهدافًا كبيرة إذ تستثمر كوبا في التعليم أكثر بكثير من الدول الأخرى في المنطقة. 98 % من الأطفال يذهبون إلى المدرسة الابتدائية و83% من الفئة العمرية يذهبون إلى المدرسة الثانوية العليا. كما أن عدد طلاب التعليم العالي أعلى بكثير منه في بلدان أخرى في المنطقة. 100 % من الشباب و99.8 % من جميع البالغين يعرفون القراءة والكتابة. 43.6 % من أعضاء الجمعية الوطنية من النساء. وفي الحياة العملية، يهيمن الرجال على "التخصصات الصلبة" التقليدية مثل التكنولوجيا والعلوم. لكن في مجال الطب والتعليم والقانون، النساء هن الأكثرية. غير أن هذا المجتمع ليس بالمدينة الفاضلة، فقد اتُهمت الحكومة الكوبية بانتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان مثل التعذيب والاعتقال التعسفي والمحاكمات الجائرة وعمليات الإعدام غير القانونية "إل باريدون". وطبقًا لـتقارير هيومن رايتس ووتش، فإن الحكومة "تقمع جميع أشكال المعارضة تقريبًا"، ويُحرم الكوبيون بشكل منهجي من حرية التعبير وتكوين الجمعيات والتجمع والخصوصية وحرية التنقل وسيادة القانون". كما اتهم الاتحاد الأوروبي الحكومة الكوبية بمواصلة الانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان. ولا يزال جزء كبير من العقوبات على كوبا، يُبرر بانتهاكات حقوق الإنسان الخطيرة في الدولة.

تتعرض حقوق الفرد في الدول التي تستنبط تشريعاتها على أسس دينية للكثير من الانتهاكات عبر قانون الدولة ذاته أسوة بدول الحكم الدكتاتوري، بل تكون هذه الانتهاكات مشروعة ومبررة، خاصة ما إذا كانت بدعم من المؤسسة الكنسية، ولا تتحقق أبسط حقوق الفرد بغض النظر عن هويته الجنسية أكان ذكرًا أم أنثى.

تتعرض حقوق الفرد في الدول التي تستنبط تشريعاتها على أسس دينية للكثير من الانتهاكات عبر قانون الدولة ذاته أسوة بدول الحكم الدكتاتوري

في فنلندا أمثلة مشرقة عن دور الدولة المدنية البعيدة عن تسلط المؤسسة الدينية. الدولة التي نبذت الكاثوليكية واختارت البروتستانتية، ثم انتقلت الى حيز الدولة المدنية، فسنّت في عام 1970 قانون الإجهاض الجديد الذي دخل فورًا حيز التنفيذ، والذي يسمح للإجهاض لأسباب اجتماعية في حالة أن يكون الفرد دون سن 17 أو أكثر من 40، أو عندما تكون لدى الأم بالفعل أربعة أطفال. وافق البرلمان على القانون بتصويت 113 صوتًا مقابل 56 صوتًا. وفقًا لتعليمات من المجلس الطبي في ذلك الوقت، يجب أن يكون الإجهاض متاحًا مجانًا تمامًا للأشخاص العازبين والأرامل والمطلقات بسرية كاملة. رافقت هذه التغيرات حملات توعية كبيرة حول منع الحمل، التوعية الجنسية والتوعية الاجتماعية والتوعية المادية ودعم الدولة للعائلات الجديدة.

اقرأ/ي أيضًا: إشكاليات علمية وأخلاقية حول الإجهاض

يمكن اعتبار عام 1973 سنة الذروة بالنسبة للإجهاض في فنلندا، حيث تم الإبلاغ عن أكثر من 23000 حالة، لكن مع انتشار التوعية انخفض عدد حالات الإجهاض بشكل مطرد. في السنوات الأخيرة كان عدد الحالات حوالي 10000 في السنة، وما تزال الأرقام في انخفاض مستمر.

لا تزال دول عدة حبيسة التشريعات الكنسية، وهذا يولّد حركات شعبية بين الحين والآخر لتحرير قانون الدولة من هيمنة الكنيسة. لا تزال السيطرة الكنسية على القرار الأوروبي واضحة بشكل كبير. تقبع نساء كثيرات في سجون أمريكا اللاتينية مغيبات تمامًا عن أي تقارير رسمية للاتحاد الأوروبي، ودون أي تدخل جدّي أو شجب من دول الاتحاد في قضايا تخص حقوق الإنسان والقوانين المدنية الأوروبية، لكن الاتحاد يشعر بالخجل كلما تم ذكر الفاتيكان في أي أمر ما.

 

اقرأ/ي أيضًا:

قصص مغربيات اخترن الإجهاض!

لماذا يسمح بالإجهاض في تونس؟