دفاعًا عن حقوق المرأة أم تطلعات ابن سلمان؟!

دفاعًا عن حقوق المرأة أم تطلعات ابن سلمان؟!

فالدفاع عن حقوق المرأة لا يعني الدفاع عن سياسات وتوجهات وتطلعات ابن سلمان (ريم باعشن/ أ.ف.ب)

صدر الثلاثاء الماضي القرار الملكي بالسماح للمرأة السعودية أخيرًا بقيادة السيارة. كان قرارًا مفاجئًا، ارتبك الكثيرون أمامه. ضربة مفاجئة للجميع، المعارضين والمؤيدين، وللأسف الحقوقيين في المنطقة العربية.

قبيل قرار السماح للمرأة السعودية بالقيادة، شهدت الرياض حدثًا فريدًا بالسماح للنساء بالاحتفال مع الرجال باليوم الوطني

وبصرف النظر عن المعوقات والقيود المحيطة بالقرار الذي يبدو للوهلة الأولى "انتصارًا" لتحرير المجتمع السعودي من ربقة الجهل والتخلف وما إلى ذلك مما يُردد. لكن ثمة قضية أزعم أنه حريّ الانشغال بها، وهي التعامل مع قرار سلمان وولده، أو ابن سلمان وأبيه للدقة، باعتباره نصرًا مُؤزرًا لنضال هو في حقيقته مغبون بالسلطة في السعودية، وقطاع واسع من المجتمع، وبالحقوقيين العرب المثاليين، أو مدعي المثالية لدرجة التماهي مع هامش "الانتصارات" المزعومة، وإن كانت جُزءًا أصيلًا من داخل خطاب ومنظومة السلطة.

اقرأ/ي أيضًا: قيادة المرأة للسيارة..ابن سلمان في فرصة مع "التنوير" بعد الفشل في كل شيء

وقبيل إصدار القرار شهدت الرياض ما لم تشهده من عقود، وربما قرون، النساء يُشاركن الرجال الاحتفال والرقص في عيد اليوم الوطني. وفي مقاطع الفيديو المنشورة عن تلك الاحتفالات لم يظهر شيء عجيب، القليل من النساء يحتفلن وسط الرجال، في مشهد يبدو تقليديًا، لولا أنّه ليس كذلك بالنسبة للسعوديين. 

ومباشرة عقب قرار السماح للمرأة بالقيادة، حدث أمر فريد في سعودية الـ78 عامًا، وهو تعيين امرأة سعودية، لأول مرة، في منصب المتحدث الرسمي باسم السفارة السعودية بواشنطن. نفسها السفارة التي قبل شهور قليلة عُين شقيق ابن سلمان ونجل الملك، خالد بن سلمان على رأسها. ونفسها أيضًا السفارة التي كانت لفترة طويلة تمثل ثقلًا هامًا وشديد التأثير في دائرة صنع القرار السعودي، عندما كان على رأسها بندر بن سلطان الذي وصفته صحف غربية آنذاك بأقوى الرجال في واشنطن.

ما الذي تلا ذلك؟ شركات وبنوك في السعودية تقرر على حين غفلة من الجميع، أن الاختلاط بين النساء والرجال عاملين وزبائن، أمر مُباح. مجمع تجاري في الرياض تحت الإنشاء تكشف صوره الأولية عن تجهيزه لعدة سينمات لأول مرة أيضًا في السعودية.

قبل ذلك، في عام 2015، أعلن ابن سلمان في رؤيته "2030" تأسيس "هيئة الترفيه"، التي يُفترض بها أن تكون معنية بشكل أو بآخر، بتقنين جزء كبير من خطة ابن سلمان لـ"التغريب"، وحين نقول التغريب وليس الانفتاح فذلك لأنّ خطوات الأمير الشاب تأتي في سياق مُحدد، تكشفه الظروف الموضوعية المحيطة بهذه الخطوات، وهو سياق شرعنة وجوده، بداية من الصعود السريع داخل القصر، ومن ثمّ استلامه رسميًا للعرش كما سبق ورددت صحف ووسائل إعلام غربية وعربية.

جاء صعود ابن سلمان داخل على القصر على حساب العديد من أعمامه وأبناء عمومته الذين هم بالحق التاريخي، أولى بما هو فيه. محمد بن نايف الذي انقلب عليه ابن سلمان، لم يكن إلا واحدًا بينهم، صحيح أنه قوي بما فيه الكفاية ليكون الانقلاب عليه تدريجيًا على مدار نحو عامين، لكنه ليس الوحيد. هناك أبناء عمه الملك الراحل عبدالله، وهناك عمه الذي توفي في تموز/يوليو الماضي، عبدالرحمن بن عبدالعزيز آل سعود. لكن على كل ليس في الإمكان أبدع مما كان، وما لم يكن ابن سلمان ليقوم به، لكان أمير آخر قام به على كل حال.

العداء الذي كسبته يد ابن سلمان داخل الأسرة المالكة، بانقلاباته المتتالية، المعروفة وغير المعروفة، وبتقليل المنح والعطايا الشهرية لأفراد العائلة، وبالاعتقالات والاحتجازات والاختطاف أحيانًا، يجعله تحت رحمة أي غضب مفاجئ قد يؤدي إلى ما لن يحمد ابن سلمان عقباه.

العداء الذي كسبته يد ابن سلمان داخل الأسرة المالكة، يجعله تحت رحمة أي غضب مفاجئ قد يُؤدي إلى ما لن يحمد ابن سلمان عقباه 

طرف آخر في المعادلة يبدو أن ابن سلمان أيضًا قد كسب عداوته، أو على وشك، وهو المؤسسة الدينية بكل مكوناتها من هيئة الإفتاء وهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهيئة كبار العلماء. يمكن رؤية ذلك بشكل واضح تقريبًا في الموقف المحرج الذي وُضعوا فيه بعد قرار السماح للمرأة بالقيادة. مواقعهم الإلكترونية اضطرت إلى حذف فتاويهم السابقة بحرمة ذلك، وفي الموقف الذي لا يُحسد عليه الذي وقع فيه مفتي السعودي عبدالعزيز آل الشيخ، حفيد محمد بن عبدالوهاب مُؤسس الوهابية؛ عندما سأله جندي سعودي على الحدود مع اليمن، مستنكرًا، عن رأيه فيما شهدته الرياض من احتفالات مختلطة بين الرجال والنساء. دعا الرجل للجندي وزملائه، وتجاهل الحديث عن الرقص المختلط. هل كان يتوقع يومًا أنه سيهادِن في مذهب جده الذي قام على محاربة وقتال "مظاهر الشرك" في الجزيرة العربية؟!

اقرأ/ي أيضًا: "أمراء مخطوفون".. تواصل اضطهاد المعارضين من آل سعود

لم يتبق لابن سلمان إذن، لتعضيد موقفه في السلطان، إلا الذين عقد معهم جده عبدالعزيز آل سعود، اتفاق كوينسي، أي الولايات المتحدة الأمريكية التي تعهد رئيسها الأسبق فرانكلين روزفلت بحماية الحكم الملكي في السعودية ولو عسكريًا، مقابل النفط. تجدد الاتفاق مرة أخرى في عهد جورج بوش الابن عام 2005، لمدة ستين عامًا، قبل أن تشهد السعودية توترًا في علاقتها مع الولايات المتحدة في أواخر عهد كل من الملك عبدالله وأوباما، وكان العنوان الرئيسي "سوريا". 

لكن ابن سلمان غير مُكترث كثيرًا لسوريا ومآل الأمر فيها، بل أصبح أقرب لبقاء بشار الأسد على رأس السلطة. في المقابل هو مُهتم أكثر بتعضيد سلطانه. وللتجديد الضمني لاتفاق كوينسي، دفعت السعودية الفدية للولايات المتحدة، نحو 400 مليار دولار، نظير تعزيز شوكة ابن سلمان.

والنقود هنا بالنسبة لترامب مبرِّرٌ في حد ذاتها، يدفع الرجل من كاره للسعودية يُصرح بذلك، إلى اعتبارها حليفًا هامًا سيخوض إلى جوارها حربها الدبلوماسية ضد قطر. لكن بالنسبة للإدارة الأمريكية ومؤسسات الحكم، أو "أمريكا الرسمية"، النقود وحدها ليست مُبرِّرًا، ليس لاكتراثها حقًا، وإنما لأن الإعلام ولوبيهات العلاقات العامة، والديمقراطيين أو بعضهم، يضغطون في اتجاه مُغاير. لذا كان لا بد على ابن سلمان من اتخاذ خطوات تبدو جذرية في الطريق نحو "التغريب".

"مملكة الكراهية" هو الاسم الذي أطلقه على السعودية، الإسرائيلي دور غولد الدبلوماسي السابق والمدير العام لوزارة الشؤون الخارجية الإسرائيلية، وذلك في كتابه "مملكة الكراهية.. كيف دعمت السعودية الإرهاب العالمي الجديد؟" الصادر عام 2004. لكن 10 سنوات كانت كافية ليتبدل المشهد، إذ لم يجد دور غولد غضاضة في الجلوس إلى جوار عراب التطبيع السعودي الإسرائيلي، الجنرال السابق أنور عشقي، وأن يُبادله أطراف الحديث عن "العدو المشترك"، إيران! 

وصحيح أن السلطات السعودية دعّمت وموّلت الإرهاب على مدار عقود، وحتى سنوات قليلة ماضية، ولتُزيح عنها هذا الهاجس وتلك الاتهامات التي لا تزال تُلاحقها، كان على ابن سلمان أن يمضي قدمًا في سياساته التي تُمثّل قرابين تزلف لحلفائه الجُدد، غير آبه بتوزيعة السلطات التقليدية في مملكة أعمامه وجده، وغير آبه بالطبع بالحقوق والحريات ولا نضالات النساء السعوديات لقيادة السيارة، ولا بدعوات من يُسمون بالإصلاحيين، ولا حتى بما يدعوه الحقوقيون العرب "انتصارًا لنضالات تراكمية".

في الوقت الحالي السعودية هي الحليف الأمثل في نظر إسرائيل لاشتراكهما في الوقوف على أرضية واحدة تقريبًا مما يحدث إقليميًا ودوليًا 

ببساطة إسرائيل تُريد حليفًا "غير كريه"، والسعودية في اللحظة الحالية هي الأمثل، لاشتراكهما في عداء إيران غير المشروط، ولوقوفهما تقريبًا على أرضية واحدة مما يحدث إقليميًا ودوليًا، أو هكذا دفع ابن سلمان لتقريب وجهات النظر، فدبّر بشراكة إماراتية قطع العلاقات مع قطر على أسباب واهية، لتوافقه إسرائيل في ذلك جملةً وتفصيلًا، وتفرد الصحافة العبرية مساحات واسعة لتوضح فيها كيف أن قطع العلاقات مع قطر قضية تهم إسرائيل أيضًا!

اقرأ/ي أيضًا: فضيحة محمد بن سلمان الجديدة.. الملك المنتظر زار تل أبيب سرًا

السؤال هنا هو: من أين إذن أتى الحقوقيون المهللون بقرار السماح للمرأة السعودية، بوصفه "انتصارًا" لنضالهن؟ ما هي الانتصارات وكيف تتحقق في عُرف اللغة والمفهوم؟ نعم نفرح قليلًا لفرح النساء السعوديات أنه أخيرًا سُمح لهن بممارسة حقّ من حقوقهن الطبيعية، لكن ذلك لا يعني أن نضع الحركة الحقوقية في غير موضعها، ونجعل منها عبئًا على كاهلنا، يُنسينا فروض الوقت وسياقاته، ونفرح بما جاء أيًا كان في أي ظرفٍ كان.

فإذا ما كُنّا سنصف القرار الملكي بـ"الانتصار"، فعلينا إذن الانتباه إلى أنّه "انتصار" يأتي على حساب شريحة اُخرى، من العمالة الأجنبية المغلوبة على أمرها. نحو 1.4 مليون سائق أجنبي سيقع عليهم وعلى عوائلهم ضرر مُباشر من ذلك القرار. والمشكلة ليست في التسريح، إذ ربما قيل إن التحديث يستلزمه بعض الضحايا، لكن المشكلة الأكبر في ظل نظام الكفيل الذي يستعبد العُمّال، فالتسريح هنا لهذا الرقم المليوني سيتم بلا أي ضمانات لحقوقهم، التي يُفترض أن عُمال العالم ناضلوا من أجلها "نضالًا تراكميًا" لأكثر من 150 عامًا. ومع ذلك لم ينتصروا في هذه البقعة من الأرض، ولم يسأل عنهم الحقوقيون العرب، ولا عن مصيرهم.

إذن ففي جانب من القصة، يبدو أن القرار الملكي مُتماشٍ أكثر، في سياقه، مع الرؤية الاقتصادية، أكثر من تماشيه مع وهم "الانتصارات الحقوقية". وهُناك أيضًا ما يعزز من تعضيد صحة ذلك، وهو أن القرار يأتي بجملة من المعوقات والمكبلات الأصيلة في عُرف القانون السعودي، على رأسها ولاية الرجل على المرأة، والفرع جُزء من الأصل وليس العكس، فكان الأولى على القصر الملكي إذا ما كان حريصًا بالفعل على حقوق المرأة، أن يُعيد النظر في ولاية الرجل عليها، وأن يدفع نحو إلغائها في حكم القانون. لكن قيادة المرأة للسيارة مثيرة للبروباغندا أكثر، ويُمكن من خلالها تسويق أن "في السعودية حاليًا مجتمعًا شابًا وحيويًا ومنفتحًا"، أو كما قال نجل الملك وسفير السعودية في واشنطن، خالد بن سلمان.

اللافت هو أن هذا الاهتمام المفاجئ بـ"الحقوق" من القصر الملكي، سبقه بما لا يتعدى أسابيع قليلة، حملة اعتقالات واسعة، على الرأي السياسي، أو للدقة على "الحياد السياسي"!

لابد من إعادة النظر في الخطاب الحقوقي العربي، والعلاقة بينه وبين خطاب السلطة ومدى تحرره من قيوده وآليات سيطرته على المجال العام

كل ذلك، وربما أكثر، يدفع إلى إعادة النظر في الخطاب الحقوقي العربي والعلاقة بينه وبين خطاب السلطة، ومدى تحرره من قيوده وآليات سيطرته على المجال العام، بل تكريسه باعتباره الخطاب الوحيد الفعال، وأن أي حديث عن حقوق وحريات أو نضال من أجلهما يكون من داخل منظومة هذا الخطاب. فالدفاع عن حقوق المرأة لا يعني الدفاع عن سياسات وتوجهات وتطلعات ابن سلمان.

 

اقرأ/ي أيضًا:

الأوامر الملكية في السعودية.. خطوات نحو الشمولية تحت دعوى التحديث!

ثورة السعوديات: "لا للولاية"!