"دعونا نتفلسفْ".. كيف سار عظماء الفكر عكس التيار

أبرز فلاسفة اليونان

يُعزى الجمودُ العقلي وعدم إنتاجية الحقل المعرفي في الثقافة العربية إلى غياب الفلسفة، وانسداد الطريق بوجه التيار الفلسفي، وتهميش التراث الفلسفي والعالمي في مناهج التعليم، والتعتيم على الحلقات الفلسفية التي تنامت بعدما تنافذت الحضارة الإسلامية مع غيرها من الحضارات الهندية والإغريقية والبابلية، وشطح سدنة الاتجاه الانغلاقي إلى وصم كل من يشتغل في المجال الفلسفي بالزنديق والمُرتدِ.

يُعزى الجمودُ العقلي وعدم إنتاجية الحقل المعرفي في الثقافة العربية إلى غياب الفلسفة

أكثر من ذلك فإن التفكيرُ الفلسفي لم يتحولْ إلى جزء من اهتمامات النخبة المُثقفة لذا كانت هذه المفردة مُعادلًا للتعقيد والعبث والفذلكة اللغوية، وراجت كلمة "التفلسف" تعبيرًا عن النفور من التعمق لإلمام بقضايا مُختلفة. بالنظر إلى هذه الخلفية غير المشجعة والنظرة العدائية، والفهم المغلوط ندركُ صعوبة كسر الحصار على مفهوم الفلسفة، وتحويله إلى مادة مُستساغة على صعيد النخبة والعامة، الأمر الذي يحتاجُ إلى تحديد آليةٍ مناسبة تُمكنُ من تطبيع العلاقة بين المُؤَلَفِ الفلسفي والقارئ وهذا ما يتوخاه الكاتبُ العراقي علي حسين من خلال كتابه "دعونا نتفلسفْ" (دار أثر، 2018).

اقرأ/ي أيضًا: ميشيل فوكو.. المنظور الفلسفي للسلطة

فلسفة مُشاكسة

يتناولُ الكتاب أطروحةَ خمس وعشرين فيلسوفًا، يَتَصدرهُم الفيلسوفُ الإغريقي هيراقليط الذي يُعَدُ أولَ مُتفلسفٍ في تاريخ البشرية، فضلًا عن إدراكه لدور المُتناقضات بوصفها قوةً محركةً للكون، كما أُشتُهِرَ بازدرائه لِمعتقدات العامة ووجهاء المدينة وخاطبهم بلهجة لاذعةٍ قائلًا: "إليكم عني أيها السُفهاء إنَّ مُخالطة الأطفال واللعب معهم لأحكم للمرءِ من سياستكم". لم ينشيء فيلسوف الديالتيك أي مدرسة فلسفية وكان يرددُ "أنا خرجتُ لأبحثَ عن نفسي".

يذكرُ علي حسين صاحب "في صحبة الكتب" آراء الفلاسفة المحدثين على رأسهم هيغل ونيتشه، فالأخير رأى بأن الفلسفة بأصولها وينابعها تعودُ إلى هيراقلطس صاحب النبرة المميزة. ويصفُ جيل دولوز هيراقطلس بأنَّه مأساوي ومشكلة العدالة حاضرة في كل مؤلفاته. وتنفتحُ الحلقة الثانية على فيلسوف كان يجوب في شوارع أثينا مزحزحًا بأسئلته القناعات السائدة إذ لا تنفصلُ الفضيلةُ عن المعرفة لدي سقراط، فبرأيه أن الفضيلة هي دعوى دائبة لإعمال العقل، مع أنَّ سقراط وصف بأنَّه كان قبيح الشكل لكنه أثار ضجةً في مدينته، وتابعه عدد من شباب أثينا يجدون في آرائه رؤية مُشذبة من الشعائر والطقوسات التي لا تُضيفُ شيئًا إلى فهم الإنسان. أراد سقراط من تلامذته التدرُب على التفكير والشك، لذلك بدأَ خصومه بتأليب السُلطة ضده بتهمة إفساد عقل الشباب.

يشيرُ المؤلفُ علي حسين في حيثيات الفصل المخصص لسقراط أن محكمة أثينا أعادت مُحاكمته سنة 2012 وأصدرت حكم براءته بعد 2500 على الحكم الأول الذي نص على إعدامه بالسم. إلى هنا يتحولُ إلى فيلسوف آخر كان يلعب دورًا كبيرًا في النهوض بالعقل الإنساني وينفضُ الغبارَ المتراكمَ عليه، إذ تخلص رينيه ديكارت من رواسب الآراء السابقة وتخلى عن كل شيء في الحياة، وذلك من أجل التوصل إلى علوم راسخة، ومن المعلوم أنَّ ديكارت بدأَ برسم المنهج الفلسفي مستندًا إلى المبادئ الرياضية، ويوردُ علي حسين القواعد التي حددها ديكارت في كتابه "مقال في المنهج" منها أن لا أقبل بشيء على أنَّه حق ما لم أعرف بالوضوح أنَّه كذلك. يُذكر أن ديكارت يُفضل تحاشي الوقوع في الصراع مع السلطة الدينية ويتلف كتابه "العالم" عقب ما يتناهى إليه خبر إدانة غاليلو مبررًا موقفه بأنه: "ليس من الحكمة أن يفقد المرءَ حياته عندما يكون بإمكانه إنقاذ حياته دون الخزي".

يُعدُ آرثر شوبنهاور أحد أبرز أستاذة اليأس إذ اعتبر الحياة سهوًا

هنا قد يكون المقام مناسبًا للإشارة إلى رأي هاشم صالح عن مهادنة ديكارت لسلطة الكنيسة إذ يري صاحب "المدخل إلى التنوير الأوروبي" أنَّ "ديكارت في ذلك الوقت كان قد أكمل الأربعين، وبالتالي فإن اكتشافاته كانت لا تزال أمامه لا خلفه، ولو أنه دخل في صراع مكشوف مع الكنيسة لسحقته بسهولة ولما استطاع إنضاج أفكاره على مهل".

اقرأ/ي أيضًا: هل الفلسفة الغربية عنصرية وكارهة للأجانب؟

يستشهدُ في هذا السياق بعبارته الشهيرة أن "الفيلسوف يتقدمُ مُقَنَعًّا عل مسرح العالم". طبعًا هنا تجد في شخصية ديكارت شخصية نقيضة لسقراط غير أن فلسفته لم تقفد نزوعات مشاكسة. ومن ثُمَّ يتوقف الكاتب عند فيلسوف عُرف بآرائه السوداوية ويفتتحُ هذا القسم بجملة مقتبسة من مؤلف "الحياة إرادة وتمثلًا". يُعدُ آرثر شوبنهاور أحد أبرز أستاذة اليأس إذ اعتبر الحياة سهوًا وأن ما يجعل هذا الخطأَ مستمرًا هو الميول الجنسية. مقابلَ هذا التشاؤم الحاد ترى كامو الذي طالب بالتمرد على الموت ردًا على عبثية الحياة.

التنوير

يقولُ الفيلسوف الفرنسي المُعاصر لوك فيري عن إيمانويل كانط أنهُ أكبر فلاسفة التنوير وأعظمهم شأنًا، مُقتنعاً بأنَّ ما عمله صاحب "نقد العقل الخالص" من الصعب الأتيان بمثله. وهو مدشن عصر التنوير حين دعا إلى ضرورة خروج العقل الإنساني من قصوره. لذلك من الصعب أن تقفز أي دراسة فلسفية على كانط إذ يقتبسُ علي حسين مايقوله شوبنهاور بعد مرور خمسين عامًا على وفاة مبشر التنوير "أن الفلسفة الحقةَ إذا كانت بدأت مع إفلاطون فإنها اختتمت مع كانط". يؤكدُ غياب ما يؤشر إلى التقدم في المدة الزمنية التي تفصله من كانط في الطرح الفلسفي ينتقلُ إلى قطب فلسفي آخر وهو هيغل، بعدما يذكرُ جانبًا من حياة الفيلسوف الروماني سنيكا. تتباين الآراء حول هيغل هناك من يعتقد بأن رحابة فلسفته تضم كل من سبقه كأن الفلسفة متوجةٌ باللحظة الهيغلية. على نقيض هذا الرأي يعتبرُه البعض خطأً كبيرًا في المسار الفلسفي.

دعونا نتفلسف

بصرف النظر عن الآراء المؤيدة والمُعارضة لهيغل، لا يمكن ما أحدثه في مضمار الفلسفة من التحولات وثورته على القشور التي تهلي الإنسان عن توظيف العقل في تفسير المعطيات، على رغم إعجابه الشديد بالثورة الفرنسية، لكن لم يرق له الجانب الغوغائي في الحراك الجماهيري.

تتمثل مهمة المشروع الفلسفي في إيقاظ العقل وتخلصه من سلسلة الحركات اليومية

هكذا يتسلسلُ الكتابُ في عرض آراء الفلاسفة ويهمُّ المؤلف أن يجمعَ بين أطروحات متضادة في قسم واحد مثل إيراد آراء جون ديوي عن نهاية الفلسفة، وردود بتراند راسل في سياق واحد، كما يذكر تضمُ بعض الأقسام الفلاسفة الذين تتقاربُ رؤاهم أو تتداخل لحقاتهم الفكرية مثل نيتشه وشبلنجر، وعبد الرحمن بدوي وهايدغر، وداروين وسبنسر، ولاماركو أغوست كونت.

اقرأ/ي أيضًا: ركن الورّاقين: في صحبة فلاسفة الإسلام (الكندي)

عطفًا على كل ما سلف، فإنَّ ميزة هذا الكتاب تمكن في الربط بين آراء العلماء والفلاسفة وأنماط حياتهم، كما تكتشفُ أن العلم لا ينفصلُ عن الاشتغال الفلسفي، فكان آنيشتاين وجد في سبينوزا مثاله النموذجي، فضلًا عن ذلك تنعكسُ الفلسفة في الأعمال الأدبية إذ حاول مارسيل بروست تجسيد فلسفة برجسون للزمن في "البحث عن الزمن الضائع"، كما أودع سارتر كل آرائه الفلسفية في رواية "الغثيان"، ومن جانبه اعتمد كارل ماركس على روايات بلزاك لفهم التطور الاقتصادي.

عندما تنتهى من قراءة هذا الكتاب، يتضحُ لك بأنَّ النقطة التي يشتركُ فيها كل هؤلاء الفلاسفة هي سيرهم بعكس التيار، وهو ما كلفهم ثمنًا باهظًا على كل المستويات، إذا كان ماركس قد عاني الفقر المدقع والملاحقة من بلد إلى آخر، فإن ديدرو أيضًا جرب عتمة السجن، كما صحب ميشل فوكو المجانين، وفينغشتاين تخلى عن حياة البذخ، وطموح نيتشه كانت أكبر من يتسع له عصره ما اضطر لمناشدة الأجيال القادمة.

قبل أن نختم هذا المقال نُذكر كل من يروم الحصول على الأجوبة القاطعة والوصفات الجاهزة من الفلسفة. برأي جان فرانسو ليوتار حيث يقول: "لتفهموا جيدًا أنكم لاتحصلون من الفلسفة على جواب مطالبكم إذا طلبتم كل شيء، كما أن الأم لا تتمكن من الأجوبة على كل ما يسأل عنه الطفل". هنا رب قائل يقول إذًا ما الفائدة من الفلسفة؟ تتمثل مهمة المشروع الفلسفي في إيقاظ العقل وتخلصه من سلسلة الحركات اليومية، على حد قول كامو.

 

اقرأ/ي أيضًا:

في صحبة فلاسفة الإسلام (ابن سينا)‎

ركن الورّاقين: في صحبة فلاسفة الإسلام (ابن رشد)‎