دعوة لحكومة وحدة وطنية.. الأزمة تتصاعد في تونس

دعوة لحكومة وحدة وطنية.. الأزمة تتصاعد في تونس

تمثّل مبادرة السّبسي إقرارًا بفشل الحكومة الائتلافية الحالية(أمين لندلسي/الأناضول)

أطلق الرئيس التونسي الباجي قائد السّبسي رصاصة الرّحمة على حكومة الائتلاف الرباعي بإطلاقه مبادرة لتشكيل حكومة وحدة وطنية. ورغم أن دستور البلاد لا يمنحه حق إقالة رئيس الحكومة أو تعيينه دون المرور بالبرلمان، فقد بدا السّبسي بمبادرته وكأنه يريد أن ينأى بنفسه عن فشل الحكومة الحالية في إدارة الأزمة الاقتصادية والاجتماعية في البلاد. حيث استبق إعلان المبادرة في حوار له على التلفزيون العمومي، باستعراض لأرقام ومؤشرات عديدة حول الوضع الاقتصادي الصّعب، حيث شهد الدينار التونسي هذا الأسبوع انهيارًا تاريخيًا أمام الدولار في التعاملات الرسمية.

أطلق الرئيس التونسي الباجي قائد السّبسي رصاصة الرّحمة على حكومة الائتلاف الرباعي بإطلاقه مبادرة لتشكيل حكومة وحدة وطنية

واعتبر السّبسي أن حكومة الوحدة الوطنية تشترط مشاركة الاتحاد العام التونسي للشغل، أكبر المنظمات النقابية في البلاد، ومنظمة الأعراف، الذين حازا نهاية السنة الفارطة على جائزة نوبل للسّلام لجهودهما ضمن الرباعي الرّاعي للحوار الوطني سنة 2013. وبذلك بدت دعوة السّبسي موجّهة أساسًا لهذه المنظمتين قبل بقية الأحزاب السياسية. حيث تتشكل الحكومة الحالية التي يترأسها الحبيب الصيد، مستقلّ، من أربعة أحزاب هي نداء تونس، وحركة النهضة، وآفاق تونس والاتحاد الوطني الحرّ، وذلك بالإضافة إلى مستقلّين. وبذلك، تتمتّع هذه الحكومة بأغلبية برلمانية ساحقة وهو ما يجعل السّبسي في غنى عن توجيه دعوة لإشراك أحزاب المعارضة التي لا طالما اتّهم عددًا منها بدعم الاحتجاجات الاجتماعية.

اقرأ/ي أيضًا: هل سيتمّ تعديل دستور تونس؟

هذه الاحتجاجات التي اعتبر السبسي أن الحكومة الحالية  لم تملك الشجاعة الكافية للتعامل معها، مشيرًا إلى ضرورة اتخاذ خطوات حاسمة في الفترة القادمة. حيث انطلقت تونس في عقد مشاورات مع المانحين الدوليين لمنحها قروضًا، تعتبرها المعارضة تحمل وصاية دولية لما يشترطه المانحون وتحديدًا البنك الدّولي من إصلاحات جذرية تمسّ القطاع العامّ ومصالح المواطنين وفق تقديرها. وكان البرلمان قد صادق قبل أسابيع قليلة على قانون جديد يمنح الاستقلالية التامة للبنك المركزي.

ويجمع مختلف الفاعلين السياسيين والمدنيين في تونس على خطورة الوضع الاقتصادي في البلاد وسط مؤشرات لتفاقمه بالتوازي مع تواصل ركود الخدمات السياحية والصناعات الاستخراجية على غرار الفوسفات. ويشير مراقبون إلى أن تونس قد تكون مضطرّة في الفترة القادمة لانتهاج سياسات مؤلمة على المستوى الاجتماعي. ويبدو أنه في هذا الإطار، جاءت دعوة السبسي بضرورة تشريك اتحاد الشغل الذي يمثل ثقلا اجتماعيا وازنا في الشارع مما يفسّر الإصرار على إشراكه في حكومة وحدة وطنية.

يجمع مختلف الفاعلين في تونس على خطورة الوضع الاقتصادي وسط مؤشرات لتفاقمه بالتوازي مع تواصل ركود الخدمات السياحية والصناعات الاستخراجية

اقرأ/ي أيضًا: "قوانين صندوق النقد الدولي" تؤرق البرلمان التونسي

من جهته، صرّح حسين العبّاسي، أمين عام اتحاد الشغل، يوم إعلان السبسي عن مبادرته وفي ردّ على دعوة مماثلة أطلقها رئيس البرلمان محمد الناصر، أن "الاتحاد يرفض هذه الدعوات لأنّه يرى من الأفضل الابتعاد عن الحكم". وأضاف أن "الاتحاد يدعم إرساء حكومة وطنية تحظى بأكبر إجماع وتوافق ممكنين إلا أنه لا يرى نفسه من ضمن المشاركين فيها خصوصًا وأن الأحزاب السياسية هي التي خلقت لتحكم"، حسب تعبيره.

كما لم يكن ليكمل السبسي حواره على التلفزيون حتى انطلقت ردود الأفعال من مختلف الفاعلين السياسيين والمدنيين حول مبادرته. حيث سارع عدنان منصر، أمين عام حزب حراك تونس الإرادة، الذي يرأسه الرئيس السابق المنصف المرزوقي، لنشر تغريدة اعتبر فيها أن ملخّص المبادرة هو "أنقذونا بشروطنا ". كما اعتبر ناشطون أن المبادرة هي دعوة لتقاسم الفشل دون الإقرار بأسبابه وتحمّل مسؤوليته.

ولم تعلن حركة النهضة، المشاركة في الحكومة، من جهتها بعد موقفها من المبادرة. وصرّح أحد قيادييها بأن الحركة لم تكن على علم بها. فيما أعلن سليم الرياحي الذي يشارك حزبه في الحكومة كذلك أنه يدعم المبادرة "على شرط طرحها على الطاولة ومناقشتها والنظر في إمكانية قدرتها على حلّ المشاكل".

من جهته، أعلن رئيس الحكومة الحبيب الصّيد في حوار إذاعي في صبيحة اليوم الموالي لإعلان المبادرة، أن السبسي لم يعلمه به مسبقًا، مشيرًا لدعمه لها حيث "قد تكون هذه المبادرة حلًا للوضع الحالي للبلاد". وكان السبسي أعلن أن حكومة الوحدة الوطنية قد يترأسها الحبيب الصّيد أو شخصية أخرى. وفي هذا الجانب، صرّح الصّيد لاحقًا أن بقاءه على رأس الحكومة من عدمه هو "رهين مصلحة تونس".

وتمثّل مبادرة السّبسي لتشكيل حكومة وحدة وطنية إقرارًا بفشل الحكومة الائتلافية الحالية في معالجة الأزمة الاقتصادية والاجتماعية وهو الذي صرّح قبل سنتين، حينما كان زعيمًا للمعارضة بأن حزبه يملك من الكفاءات القادرة على تسيير 4 دول. كما تعكس المبادرة، من جانب آخر، إيذانًا بانطلاق مرحلة جديدة تفترض انتهاج سياسات اقتصادية صارمة ترفضها المعارضة والنقابات. وهو ما جعل السبسي يقترح إشراك اتحاد الشغل ليتمثّل الرّهان القادم في إقناع الاتحاد للمشاركة في هذه الحكومة، وذلك بالإضافة إلى رهان توفير الأغلبية البرلمانية الداعمة لها.

اقرأ/ي أيضًا:

هل المرزوقي غير مرحّب به في قصر قرطاج؟

نداء تونس.. تفكك مستمر وهواجس انهيار