دشداشة أول العمر

دشداشة أول العمر

شروق أمين/ الكويت

في آخر أيامه، لبس محمد الماغوط دشداشة ريفية، وجلس يتمتّع بالاستماع إلى تسجيلاتٍ لمواويل مدينته سَلَميّة. كذلك فعل هادي العلوي، ارتدى دشداشةً في الوقت الذي بات يركّز فيه على الثقافة الروحية للبيئة التي نشأ فيها.

من السهولة، بالنسبة لمتسلقي أزرار الآيفون، أن يوجهوا إيميلًا شائك الأسلاك لمالك بن نبي

وعن كليهما، في الحالتين، قيل إنها أفعال طائفية، صحيح أنّها جاءت في آخر العمر، لكنّها تكشف حقيقة هؤلاء، كما لو أنّ الطائفية عارضٌ من عوارض الشيخوخة. تلك بعض الأحاديث وما شابهها من حماقات تزجية الوقت في المقاهي، حين تنتهي الأشياء المهمة ويبدأ البحث عن أي شيء لإمضاء الوقت.

لا يمكن النظر إلى تلك الدشاديش إلاّ كضربٍ من ضروب العودة الطبيعية إلى الجذور، أو بوصفها محاولات دفاعية، تشتد مع اشتداد النهايات، في سبيل استعادة البدايات. ولكنْ إنْ سلّمنا جدلاً باجتماع الشيخوخة والدشداشة، فسيبدو أنّ النقيض هو اجتماع الجينزات والشباب. لكن المفارقة أن هناك الكثير في كتب الماغوط والعلوي مما ينفي عنهما أي شبهة طائفية، بمقابل الكثير مما يؤكد طائفية كثير من "لبّيسة" الجينزات ومستعملي الهواتف الذكية أينما كانوا. 

هؤلاء باتوا يمارسون نوعًا من الإرهاب الفكري الذي يحاول ضرب كل من يحاول التصدي له، إنه إرهاب الأحكام المسبقة المغلفة بشرائط زهرية وقلوب حمراء، إرهاب قد يفجر قنبلة فراغية من التعليقات التي قد تصل ارتداداتها لتمسح فراغيًا حضور أعظم الكتاب، رغبة منهم في تجنب الصدام اللامجدي. كما غدت سمة التعميم فاقعة اللون في المشهد الشبابي العربي العام. فبات من الطبيعي أن تتذوق سيولًا من قوالب الكاتو السيئة الطعم مرغمًا على طاولات منتقدي المثقف الذي تسبب وفقًا لنظرياتهم بتمكين الديكتاتوريات من رقاب الشعوب بصمته. وبات من الطبيعي أيضًا أن تتقيأ ما تناولته مرغما حين تقرأ سيولا من الشتائم تتناول المثقف نفسه لتجرئه على انتقاد منظومة الفساد التي تضرب الثورات الشعبية.

من السهولة بمكان بالنسبة لبعض مرتدي الجينز أن يمسحوا جهلهم بجوخ الماغوط، ومن السهولة بمكان بالنسبة لمتسلقي أزرار الآيفون أن يوجهوا إيميلًا شائك الأسلاك لمالك بن نبي. وبين هذا وذاك قد تولد دوامة شديدة كفيلة باجتثاث المعري من قبره، والجاحظ من بين سطور كتاب الحيوان، لإغراقهم وانتشال جثثهم على شواطئ لم يكتشفها كولومبوس ولا ماجلان.

فلنجهز دشاديشنا، ولأجل أن نجاري الموضة فلتكن مصنوعة من قماشة الجينز نفسها، ولنتدرب على ارتدائها منذ الآن، لأننا لاشك ماضون نحو شيخوخة مبكرة، باتت تقترب أكثر كلما طوّرت شركة "آبل" مساحات الغباء في هواتفها الذكية. كيف لا ونحن في زمن قضاة بلا عدالة، محلّفين بلا عهد، سِمتهم دشداشات خفيّة تحت الجلد، وفي أول العمر؟