دستور تركي جديد.. طموحات أردوغان وانتقادات المعارضة
29 مايو 2025
عيّن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان هذا الأسبوع فريقًا من الخبراء القانونيين لبدء العمل على صياغة دستور جديد للبلاد. وقد قوبلت هذه الخطوة بانتقادات حادة من المعارضة التركية، التي رأت فيها محاولة محتملة لتمهيد الطريق أمام بقاء أردوغان في السلطة لما بعد عام 2028، أي بعد انتهاء ولايته الرئاسية الحالية.
وخلال إعلانه عن تشكيل اللجنة القانونية المكلّفة بإعادة كتابة الدستور، قال أردوغان إن فريق الخبراء قد بدأ بالفعل عمله، مضيفًا: "ونحن في التحالف الجمهوري نأمل هذه المرة أن نتمكن من إيجاد أرضية مشتركة مع باقي الأحزاب في البرلمان لكتابة دستور جديد".
ويُشار إلى أن أردوغان، الذي يتولى قيادة البلاد منذ أكثر من عقدين، أولًا كرئيس للوزراء ثم كرئيس للجمهورية منذ 2014، لطالما دعا إلى صياغة دستور جديد. ويُبرر ذلك بأن الدستور الحالي، الذي وُضع بعد انقلاب عسكري عام 1980، بات متقادمًا ويحتفظ ببعض مظاهر الهيمنة العسكرية، رغم التعديلات التي أُدخلت عليه مرارًا.
يرى نقّاد أردوغان أنّ الهدف من كتابة دستور جديد لتركيا هو السماح له بالترشح بعد نهاية مأموريته الرئاسية 2028
وقال أردوغان، في خطاب ألقاه أمام مسؤولي حزب العدالة والتنمية الحاكم، إن "بهذا الجهد، سنمضي قدمًا في الاستعدادات للدستور الجديد"، مضيفًا: "على مدار 23 عامًا، أثبتنا مرارًا وتكرارًا نيتنا الصادقة في تتويج ديمقراطيتنا بدستور مدني وليبرالي جديد".
وبموجب الدستور الحالي، لا يُسمح لأردوغان بالترشح مرة أخرى، إلا في حال الدعوة إلى انتخابات مبكرة أو تعديل الإطار القانوني. ومن هذا المنطلق، يرى منتقدو التعديل الدستوري أن الدفع باتجاه صياغة دستور جديد قد يكون وسيلة لإعادة ترشيح أردوغان، عبر تجاوز القيود القانونية المفروضة على عدد الولايات الرئاسية.
مع ذلك، نفى أردوغان مرارًا أن يكون الهدف من المبادرة هو البقاء في السلطة، وقال الأسبوع الماضي: "نريد دستورًا جديدًا ليس لأنفسنا، بل لبلدنا". واعتبر أن تركيا تجاوزت "العتبة الحرجة" في جهودها لبناء دولة خالية من الإرهاب، في إشارة إلى ما وصفه بتقوية الجبهة الداخلية، والتي "نضجت بالخطوة التاريخية والشجاعة التي اتخذها رئيس حزب الحركة القومية ورئيس البرلمان دولت باهتشلي تجاه الحزب الكردي، حيث فُتحت صفحة جديدة"، بحسب تعبيره.
معادلات تمرير الدستور الجديد
يفتقر حزب العدالة والتنمية الحاكم وحليفه القومي، حزب الحركة القومية، إلى الأغلبية اللازمة لإقرار دستور جديد. ويُعتقد أن التحركات الحكومية الأخيرة لإنهاء النزاع المستمر مع حزب العمال الكردستاني تأتي في سياق محاولة لكسب تأييد حزبٍ موالٍ للأكراد داخل البرلمان، تمهيدًا لإعادة صياغة الدستور.
فتمرير دستور تركي جديد يتطلب موافقة ثلثي أعضاء البرلمان، أي 400 نائب من أصل 600، وهو رقم لا يملكه التحالف الحاكم المكوّن من حزبي العدالة والتنمية والحركة القومية.
وفي حال تعذّر تحقيق هذه الأغلبية داخل البرلمان، يمكن اللجوء إلى خيار بديل، يتمثل في طرح الدستور على استفتاء شعبي بعد حصوله على موافقة 360 نائبًا. إلا أن هذا السيناريو يصطدم أيضًا بعائق الأرقام، ما يفرض على أردوغان والتحالف الحاكم الدخول في تسويات سياسية. ويُرجّح مراقبون أن تكون هذه التفاهمات موجّهة نحو الأحزاب الكردية، خاصة في ظل التقارب الذي بدأ يلوح مؤخرًا بين حزب الحركة القومية بزعامة دولت باهتشلي، وحزب "ديم" الكردي بقيادة تولاي حاتم وتونجر بقرهان.
سياق مضطرب
تأتي مساعي إقرار دستور جديد بعد أشهر قليلة من اعتقال أكرم إمام أوغلو، رئيس بلدية إسطنبول وأبرز منافسي الرئيس أردوغان، وسجنه بتهم تتعلق بالفساد وسوء استغلال السلطة والتسيير الإداري. بينما يؤكد حزب الشعب الجمهوري المعارض أن الاعتقال جاء بدوافع سياسية، ويهدف إلى منعه من الترشح في الانتخابات الرئاسية المقبلة.
وقد شهدت البلاد على إثر هذا الاعتقال موجة احتجاجات استمرت لأيام، طالبت بالإفراج عن إمام أوغلو، قبل أن تتراجع تدريجيًا وسط تمسّك الحكومة بموقفها بأن القضاء مستقل ولا يخضع لضغوط من السلطة التنفيذية.
وفي خضم هذه التطورات، جاء إعلان حزب العمال الكردستاني عن حلّ نفسه والتخلي عن الكفاح المسلح، ليمنح دفعة إضافية لأردوغان وتحالفه الحاكم في الشارع التركي، الذي طالما أرهقته تداعيات النزاع الكردي المسلح.