درعا.. يوميات الحصار

درعا.. يوميات الحصار

من صفحة عدسة شاب حوراني (فيسبوك)

تحت رحمة الحلاق

جلستُ في المكان المخصّص للانتظار أمام المرآة التي تُظهرنا عادة بشكل أجمل. كان وجهي عبثيًا لا يُفضي إلى معنى.

لماذا دخلت إلى هنا؟ لتهذيب لحيتي المبعثرة كلاجئين أضاعوا زادهم من الماء أثناء الهروب في البحر.خطر لي سؤال خطير: هل أحلق لحيتي وأوصم بالعلماني؟ أم أتركها وأوصم بالإرهابي؟ أم أهذبها وأكون بين بين؟

هذه البلاد لم تترك لنا خيارات، هذه الحرب سرقت البوصلات جميعها. حسنًا لن أخاف على نفسي ولن أنافق حتى بشكل اللحية. أمام تلك المرآة لم أنظر إلى شكلي بل حاولت الإجابة عن ألف سؤال، منها أن تدخن علنًا أو سرًا، أن تمشي بخطوات سريعة أم تتأمل في حصار الأسئلة.. إلخ.

جاء دوري فنهضت وجلست على الكرسي. باغتني الحلاق أتريد "حنْجَرَة" الذقن أم حلاقتها؟ بماذا أجيب وأنا أعرف أن العالم كله يقيمك عبر الشكل، فكيف تختار شكلك ضمن حصار بكل الجهات والاتجاهات. صمَت طويلًا ثم سألني الحلاق: أي درجة يا أخ؟

أنقذتني قذيفةٌ وقعت بجانب المحل فنزعت فوطة الحلاقة وخرجت راكضًا، دون أن أعرف هل هربت من الحلاق أم من القصف أم من نفسي؟

 

مهنة الأم

في الحصار يصبح أدنى علم بموضوعٍ ما خبرةً عظيمة؛ الممرض يمتهن الطب، المهندس يمتهن الإسعاف، بائع التبغ إقطاعي صغير، الشاعر مؤرخ.

تتداخل المهن ببعضها البعض، ويأخذ كل صاحب حرفة علومه من كافة السبل، سواء من الإنترنت، أو من عجائز الحارة، أو بالقياس على الحوادث، أو من الذاكرة.

كنت أدخن آخر سيجارة في علبة التبغ وأسأل نفسي: "كيف سأشتري علبة أخرى". أفلستُ تمامًا، وكل الأعمال في هذه البلاد أصبحت لا تسد قوت اليوم، إلا ما يتعلق بالحرب، لكنك إن لم تربح ستكون قتيلًا.

جاء همام، شيخ مسجد الحارة، وأخبرني أن هناك عطلًا في جهاز الكمبيوتر ويجب عليه أن يرفع أسماء الأيتام قبيل رمضان. ركبتُ معه على دراجته النارية وبعد مسافة قصيرة صرخت "يا الله نسيت..". أوقف الشيخ دراجته ونظر إليّ قائلًا: "ما الأمر؟"، قلت له: "نسيت علبة التبغ"، فقال: "لا عليك". توقف عند دكان واشترى لي التبغ وقال: "عافاك الله وأبعدك عنه". دخلت إلى المركز وأصلحت العطل. ابتهج الشيخ وقال: "هل يستوي الذين يعلمون...".

دخلت إلى غرفة الأيتام فكانت الصاعقة.. طفلة وجهها كالقمر مرمية على سرير كأنه تابوت. حملتها ومسحت دموعها وصرخت "أين الحليب؟". أرضعتها ونامت على صدري. احتضنتها وكأني أحضن سوريا كاملة، وكأن مهمتي في هذه الحرب احتضان هذه الطفلة. كيف السبيل لإقناع الشيخ الهمام بتبنيها؟ سألته فقال: "هناك أوراق وتزكية ويجب أن تكون متزوجًا". صمتَ وأضاف: "سنرى".

عدت إلى المنزل وأخبرت أمي عن الموضوع فبدأت برجمي: "من أين لك بثمن الحليب والفوط؟ هذه بنت.. كيف ستكبر؟ ثم إن الأولى بك أن تتزوج وتملأ الدار بأبنائك". بدأتُ بالبكاء وروحي تطير إلى تلك الطفلة. أهي خلاصة الحرب؟ أهي إحدى منجزات الطغاة؟ أهي ابنتي؟ أهي جراح وطني؟ أم هي حياتي وحريتي في الاختيار ورتق الإنسانية الميتة في بلاد حياتها الحرب؟

في اليوم التالي، ذهبت إلى الشيخ وقلت له: "سآخذها إلى عائلتي ثم نبحث الشؤون الأخرى لاحقًا". لم يمانعْ، كان شرطه الوحيد أن أعيدها في حال ظهر أهلها، أو من يكون أقرب مني إليها، فقلت له: "لا بأس". جلبتها معي للمنزل. حين رأتها أمي أجهشت بالبكاء وقالت: "هذه ابنتي من الحرب".

هكذا صار لدي طفلة، ووجدت مهنتي التي أتقنها في هذا الحصار؛ مهنة الأم.

 

النزوح مثل امرأة تضع حملها في جهنم

بعد صلاة الفجر تمامًا كانت أجواء القرية مضطربة. الكل يرتدي ملابس الخروج. الكل في الشوارع. سرت إشاعة بأن القوات النظامية ستقتحم قريتنا الوديعة. انهالت عدة قذائف فتأكد موضوع الاقتحام، وهنا تنحسر الخيارات لتصبح ثلاثة إما البقاء وبالتالي الموت أو الاعتقال، أو النزوح، أو ترك الأمور تجري اعتمادًا على القدر.

تزايدت الإشاعات. بدأوا باقتحام الحارة الغربية. يصرخ أحدهم "دائمًا الشر من الغرب". ثم قالوا: "الحارة الشرقية"، فيصرخ الشخص نفسه: "الشرق أساس الشر".

بعيدًا عن الجهات والاتجاهات كان على كل شخص اختصار حياته في حقيبة، محتوياتها من أهم الاشياء لدى الإنسان. أمي جهّزت الدواء وصور العائلة واكتفت، جارتنا احتفظت بربطة خبز، أما أنا فنظرت إلى مكتبتي التي لا يمكن اختيار شيء منها، فحسمت أمر بلا شيء، فالكتب الالكترونية تفي بالغرض.

الشباب الذين أخذوا على عاتقهم المقاومة بأسلحة فردية انتشروا على الطريق المؤدي إلى السهول لتأمين خروج أهل القرية، ومن يراقب الأمور يعتقد أن كل شيء متفق عليه من كل الأطراف، ثم تستنتج أن التجارب الأولى لا يمكن التكهن بأسبابها ونتائجها.

توجهنا عبر السهول.. تارةً نزحف، وتارة نهرول. بدأت الصواريخ تنهال. لم ننظر إلى الخلف. الخلف دمار والأمام أشبه ببداية الدمار، وإن كانت الحياة لحظة نعيشها بين الماضي والمستقبل فلحظات النزوح هي كامرأة تضع حملها في جهنم، وكأننا ولدنا فارين من النار إلى النار. هروب من موت حقيقي إلى موت معنوي. نجاة آنية قد لا تحمد عقباها، فالعالم متفق أن النازح عبء جديد من أعباء الوجود. نسينا بيوتنا وذكرياتنا. نسينا كل شيء ليستقبلنا أهل القرية المضيفة بابتسامات وسنرد لهم ببعض السعادة الخجولة.

ثم تبدأ الحكايات: فلان مات.. فلان جرح.. فلان اعتقل.. فلان لم يستطع الهرب لأنه لم يجد من يدفع كرسي الإعاقة الخاص به ضمن السهول.. القوات النظامية العسكرية مسموح لها بكل شيء إلا الرحمة.. النازح مسموح له بكل شيء إلا الحياة الكريمة.

اعتلينا بعض الأسطح ونظرنا من البعيد إلى لقرية، كانت سحابة سوداء قد غطت سماءها من الحرائق.

شاهدت طفلًا يبكي بشدة. سألته ما به، فقال: "لم أستطع جلب الصوص معي!"، قلت له: "سأشتري لك صوصًا من هذه القرية". قال: "وهل كل الصيصان واحد؟". وعدته أن نعود، ونظرت إلى منازل القرية المضيفة فقلت في نفسي: "وليست كل القرى واحدة".

 

اقرأ/ي أيضًا:

رسائل الرّيح

مِهڤان.. نزيل الحياة