دراما الثورة السورية (1).. سنعود بعد قليل

دراما الثورة السورية (1).. سنعود بعد قليل

من المسلسل

نبدأ بهذا المقال سلسلة من المداخلات حول الدراما السورية، التي أخذت الثورة في سوريا موضوعًا أو زمنًا أو إطارًا لها، مخصصين كل جزءٍ لعرض مجموعة مسلسلات بانفصال. وإذ لا يسعنا طبعًا عرض جميع الأعمال من هذا النوع، لكثرة الموجود وصعوبة ادعاء الإلمام به. حاولنا الاشتغال على أهم الأعمال، ضمن معايير سنوضحها لكل مجموعة على حدة، إضافة أن هذا العرض ينطلق من ادعاءات أولية، تحاول تقديم مجموعة من الحالات التي تتوافق معها.

يعرض مسلسل "سنعود بعد قليل" قصة عائلة سورية لبنانية كانت تعيش في دمشق

وفي الجزء الأول من هذه السلسلة نتناول مسلسل "سنعود بعد قليل"، من إخراج الليث حجو، وسيناريو رافي وهبي. ومن بطولة دريد لحام، عابد فهد، رافي وهبي، باسل خياط، قصي خولي، نادين الراسي، غيدا نوري، دانا مارديني، سلافة معمار، عمر حجو. 

اقرأ/ي أيضًا: "طريق الثوار خضرا".. تطويع الجبال الفلسطينية

يعرض مسلسل "سنعود بعد قليل" (2013)، قصة عائلة سورية لبنانية كانت تعيش في دمشق، قبل اندلاع الأحداث في سوريا، وقبل أن يهاجر الجزء الذي كان في سوريا إلى لبنان تاركين الأب وحيدًا. تنتقل كاميرا المسلسل بين المكانين عارضة التحولات التي طرأت علي حياة الأبناء الستة وعائلاتهم نتيجة الأحداث والهجرة.

الحلقات الأولى من المسلسل تبدأ بتقديم عامٍ ومكثف عن الشخصيات الستة الأساسية، دون أن يخلو التقديم من أبعادٍ رمزية متعلقة بموقعهم ومواقفهم بالنسبة للثورة. فكان الابن الأكبر والأقدم في لبنان جزءًا من حزب لبناني موالٍ للنظام السوري، وكان آخر فنانًا، عنده شعور دائم بالذنب تجاه الهجرة من سوريا، وصراع مستمر مع الحياة الجديدة في لبنان. وأخٌ آخر كان إعلاميًا، تلاحقه مواضيع الثورة في عمله الجديد في لبنان. وأخت عارضة أزياء وطالبة مسرح تتغير حياتها بعد أن تعود علاقتها مع صديقها القديم في المدرسة، العائد إلى سوريا من أجل تصوير فيلم. بينما كانت الأخت الثانية زوجة لزوج يعمل خارج لبنان، تبدأ قصة حب غامضة مع ثائر مهاجر إلى بيروت، وكانت الشخصية الأخيرة شخصية رجل الأعمال الذي يحاول باستمرار استغلال الحدث.

تلحق مريم ولا تلحق أبوك؟

يأخذ رافي وهبي قصة العمل إلى مسار متصاعد باستمرار، تتعقد فيه الأحداث في اللحظة التي يقرر فيها الأب الهجرة سرًا للعلاج في بيروت، راغبًا بمفاجئة أبنائه الستة. في هذه اللحظة تصل مشاكل الأبناء إلى ذروتها، إذ يصل السياسي إلى طريق مسدود في علاقته مع الحزب، إضافة إلى علاقته مع زوجته التي تطلب الانفصال، بينما تكتشف زوجة الإعلامي خيانته لها مع المسؤولة عنه في محطة التلفزيون الجديدة.

تمهد المشاكل في "سنعود بعد قليل" لانكسار صورة الأبناء في ذهن الأب

ويتعرف الفنان على لاجئة سورية مشردة، يسكنها في بيته ويدخل معها في قصة حب لم تكن كاملة بعد. ويكتشف زوج الأخت الكبرى علاقتها مع الثائر السوري، وتدخل الأخت الصغرى في حيرة مع دخولها علاقة حب جديدة وموقفها اتجاه صديقها القديم، بينما يكون رجل الأعمال في ورطة إثر علاقته مع المافيا. 

اقرأ/ي أيضًا: اللاعنف كأخلاق مسيّسة

تمهد كل هذه المشاكل لانكسار صورة الأبناء في ذهن الأب، الذي لم يجدهم كما كان يتصور. مع إنهائه الزيارة الأخيرة يسقط الأب داخلًا في غيبوبة طويلة، لا يصحو منها إلا لفترة قصيرة، يطلب فيها من الممرضة الاتصال بالأبناء. في هذه اللحظة بالضبط تصل كل مشاكل الأخوة إلى ذروتها، فلا يستطيع رجل الأعمال الهروب من المافيا، ولا يستطيع السياسي ترك اجتماع مصيري، أما الأخت الصغرى فتكون منشغلة بحياة صديقها المهددة، والكبرى منشغلة بابنتها التي حاولت الانتحار نتيجة المشاكل العائلية، أما الأخ الفنان فيكون منشغلًا بمطاردة أبناء عم حبيبته الذين خطفوها. والإعلامي بتصوير حلقة من البرنامج الجديد. 

على غير العادة التي تضع الأم دائمًا، تكون صورة الأب في هذا العمل أقرب إلى تجسيد صورة الوطن المحب، الذي يحتوي الجميع. ونجد أن هناك إشارات مستمرة في السيناريو إلى العلاقة المتناقضة بين الرغبات أو المصالح الشخصية سواء عند رجل الأعمال أو السياسي وغيرهم، وبين العودة إلى الأب/الوطن. 

اقرأ/ي أيضًا: أبرز 9 أفلام رعب في التسعينيات

لكن الأهم أن هذا التناقض ظهر بشكل واضح وأكثر حدة في شخصية راجي الفنان، والذي كان هناك إشارات أكثر من مرة تُظهر حبيبته اللاجئة والمشردة مريم كرمز للثورة في العمل. وكان السؤال الذي وجه إلى راجي بينما كان يلاحق خاطفي مريم/ الثورة، بعد اتصال الممرضة "راجي شو؟ تلحق مريم ولا تلحق أبوك؟" كان سؤالًا حاملًا لأوجه تحتمل تأويلًا كثيرًا، وتجعلنا نتساءل بجدية عن مقولة العمل الأساسية، التي تسير دائمًا إلى تصوير هذا التناقض بين مساري الثورة والوطن. 
 
إلغاء الواقع خشية الحكم عليه

إضافة إلى اللبس الذي حملته مقولة العمل الأساسية، أو الفهم الأول لها. فقد كان هناك انشغال دائم من خلال الأحداث الثانوية للعمل، وفي الحوارات معظمها مع الجار والطبيب وعامل البناء وسائق التاكسي، بمحاولة التأكيد على إلغاء الفروق التي خلقها الحدث بين الناس، من خلال التأكيد على الانتماءات والهويات المشتركة. 

أحال رافي وهبي فيلم "الجميع بخير" إلى صيغة محلية تعالج وتشخص إشكاليات المجتمع السوري اليوم

ويبدو هنا، أن هناك تعاملًا مع ما يحدث كأزمة طائفية أو خلاف في عالم آخر لا يتعلق بالناس أنفسهم، وباختياراتهم الخاصة وإراداتهم الحرة. تعامل يبدو مستخفًا بالحدث، ومتجاهلًا أن ما يحدث أزمة عميقة في بنية المجتمع السوري، لا تنتهي بعناق يكتشف فيه المتعانقان أخيرًا أن المشكلة لا تخصهما. هذه ليست مطالبة من الفن أن يقدم موقفًا، فهذا نقاش طويل لا مدعاة لخوضه هنا، لكنها مطالبة جدية للفن ألا يراوغ الواقع على الأقل، أو ألا يقدم واقعًا جديدًا خوفًا من تقديم موقف إزاء الموجود.

إجمالًا، لا يمكن تقديم قراءة عن العمل تتجاوز الاعتراف بفرادته، سواء إخراجًا أو نصًا. فعلى الرغم من سرعة الأحداث وطريقة تشكلها وعرضها بطريقة خطية، يحسب للعمل أنه استطاع معالجة الحدث من خلال وضعه في سياقات اليومي والاجتماعي، محافظًا على سمة أساسية من سمات الدراما السورية الحديثة، وبطرائق ومستويات فنية عالية. 

الكاتب وهبي الذي يحمل تجربة طويلة في الاقتباس من روايات ومسرحيات وأفلام عالمية، بدءًا من تجاربه في بقعة ضوء، ووصولًا إلى مسلسل العراب في الموسم الأخير الذي اقتبسه عن الرواية والفيلم الشهيرين؛ يحسب له طريقة اقتباس المسلسل الذي نكتب عنه اليوم من الفيلم الإيطالي "الجميع بخير"، طريقة أحالته إلى صيغة محلية واضحة، تعالج وتشخص إشكاليات المجتمع السوري اليوم.

اقرأ/ي أيضًا: 

المرأة في السينما.. نمذجة وتنميط

8 أفلام تشاهدها مع من تحبه