دراما البروباغندا العربية من النجاعة إلى المسخرة

دراما البروباغندا العربية من النجاعة إلى المسخرة

من المسلسل

وجد كتّاب وفنّانو البروباغندا السياسية والأيديولوجية والدينية عبر تاريخ البشرية جنبًا إلى جنب مع الساسة، فهم يمثلون جزءًا أساسيًا من ركائز السلطة. وكان لهم دور مهم في إنتاج خطاب دعائي يوجه الرأي العام إلى تمجيد السلطة أو جزء منها. وجُنّد لهذه المهمة الشعراء والمغنون والمخرجون والرسامون والنحاتون قبل الإعلاميين، فلم يستثن فن أو جنس أدبي من التحاق بعض منتجيه بهذه المهمة. ويزداد تكاثر ذلك الخطاب الدعائي مع الأنظمة الشمولية التي ترفع مشاريع توسعية أو قومية، وتخفت مع الأنظمة الديمقراطية لأنها تبحث عن مشروعية لوجودها من خلال اعترافات الآخر الذي تنتجه هي ويكون أداتها للسيطرة على عقول الجماهير.

وجد كتّاب وفنّانو البروباغندا السياسية والأيديولوجية والدينية عبر تاريخ البشرية جنبًا إلى جنب مع الساسة، فهم يمثلون جزءًا أساسيًا من ركائز السلطة

تستخدم البروباغندا كما ورد في تعريفها بالمعاجم والموسوعات "تقنيات وأساليب سيكولوجية عديدة من أهمها: القولبة والتنميط وتسمية الأشياء بغير مسمياتها وإطلاق الشعارات والتكرار والاعتماد على الأرقام والإحصائيات ونتائج الاستفتاء والاستفادة من الشخصيات اللامعة وعدم التعرض للأفكار السائدة والتظاهر بمنح فرص الحوار والتعبير عن الرأي لجميع الاتجاهات والتأكيد بدلاً من المناقشة والبرهنة وعدم التعرض للقضايا الحساسة وإثارة الغرائز وادعاء إشباعها كما ادعاء الموضوعية".

من أشكال انتاج البروباغندا السياسية العربية

أنتج في الأدب هذا الخطاب الدعائي عبر شعر المديح من الشاعر الجاهلي مداح القبيلة إلى شاعر الرؤساء والدول اليوم، مرورًا بشاعر بلاطات الخلفاء والسلاطين فعج تاريخ الأدب بالمتكسبين وشعراء الكدية الذين يبيعون المديح لمن يدفع أكثر، فعرفتهم فضاءات السلطة من خيمة رئيس القبيلة في الجاهلية إلى آخر قصر رئاسي معاصر.

اقرأ/ي أيضًا: المسلسل السعودي "مخرج 7".. لماذا كل هذا الحقد على فلسطين؟

لم تنج الرواية، الجنس الحديث، من التجنيد على الرغم من أصل نشأتها الذي كان ضد السلطة فعرفنا عربيًا مثلًا سلسلة روايات أوراق المخابرات المصرية في نسخها المتعددة للشباب والأطفال سلسلة "رجل المستحيل" لنبيل فاروق وسلسلة روايات صلاح مرسي في مصر، وسلسلة "روايات القادسية" في العراق التي تقدم دعاية لانتصارات صدام حسين في حربه على إيران. أما في النحت فقد جندت السلطة كبار النحاتين لينحتوا لهم ذواتهم في هيئات تشي بالقوة والعظمة. أو في عالم الغناء استعانت السلطة السياسية عبر تاريخها بالمطربين المشاهير فكانت كوكب الشرق أم كلثوم صوت عبد الناصر، وعندما لمع عبد الحليم حافظ التحق بالخطاب الدعائي، وكانت علية التونسية صوت بورقيبة، كما كان أحمد اللغماني صوته الشعري. ويجرّ التحاق أيقونات الطرب بقية الفنانين الذين يلتحقون طوعًا بانتاج البروباغندا بحثًا عن مكان في الضوء تحت مسميات عديدة أهمها كلمة "الوطنية". وعندما تسقط الأنظمة تتحول تلك الأصوات إلى أصوات ملطخة بالعار لسنوات قبل أن تتلقفها سلطة أخرى وتعيد رسكلتها كما حدث مع صناع البروباغندا في تونس البورقيبية أو تونس بن علي، حيث جمّد الكثير منهم حتى لاذوا بالأحزاب الكبرى الجديدة وأقلموا خطابهم الفني حسب ميولها الأيديولوجية، فكم من مغنية تحجبت لترضى عليها حركة إسلامية حاكمة؟ وكم مطرب أطلق اللحية أو تحول من خطاب غنائي شعبي متحرر إلى الإنشاد الديني للبحث عن وجود داخل الواقع السياسي والأديديولوجي الجديد؟

وتبقى السينما والدراما والصورة أكثر الفنون التي استندت عليها السلطة في كل مكان منذ القرن العشرين، لكي تنتج البروباغندا التي تحتاجها حتى تستمر في الحكم، أو لتوثيق انتصاراتها أو لتقديم صورة مختلفة عن هزائمها.

كانت السينما والدراما المصرية رائدة في هذا، ولأن المجال لا يتسع لإحصاء إنتاج هذه المدونة من البروباغندا نكتفي بالإشارة إلى مسلسل "رأفت الهجان" كمثال لنجاحات المخابرات المصرية في حربها مع إسرائيل، مع أن بعض المعطيات التاريخية تشكك في الرواية المصرية التي كتبها صالح مرسي في كتاب وحولت إلى الدراما، على اعتبار أن رأفت الهجان كان عميلًا مزدوجًا ولم يكن بطلًا قوميًا.

ولكن خطاب الدعاية تحول إلى خطاب تاريخي في المخيال الجمعي وهو ما يعكس خطورة التخييل على الجماهير. وتستعين السلطة الدكتاتورية الذكية في إنتاج البروباغندا دائمًا بنجوم الدراما والسينما لقربهم من الجماهير وقدرتهم على سحرهم، فهم رسل السلطة وخطابها الذي توهم به الحشود عبر هذه الفنون بالواقعية ينفذ إلى قلوبهم وعقولهم بسرعة. لذلك أسند دور الجاسوس رأفت الهجان إلى محمود عبد العزيز بعد أن رُشح له عادل إمام الذي سبق وأن قدم في السينما دورًا مشابهًا. وربما يرجع ذلك إلى نجومية محمود عبد العزيز ووسامته معًا مما يجعله أقرب إلى الدور الذي تلعب فيه الغواية دورًا مركزيًا مع شخصية اليهودية إستر وغيرها من نساء إسرائيل، وقد قدم رأفت الهجان ككازانوفا أكثر من عميل مخابرات. وأبلغ أمثلة في السينما البروباغندا ما ختم به الممثل النجم أحمد زكي مسيرته الفنية وما يعرف بأفلام السير الذاتية حيث قدم فيلم "ناصر 56"، ثم فيلم "السادات"، وكان يصرح قبيل وفاته أثناء تصوير فيلم "حليم" أنه يتمنى تقديم فيلم عن شخصية مبارك والضربة الجوية. ولا ندري كيف كانت ستواجه جماهير الفنان أحمد زكي بعيد الثورة المصرية نجمها الأول لو نفذ ذلك الفيلم عن مبارك قبيل الثورة.

ظهرت البروباغندا السياسية في تونس من خلال سلسلة الكتب التي صدرت بالفرنسية والعربية باسم الحبيب بورقيبة عن الحركة الوطنية

لا تسمح السلطة للصوت البروباغندي أن يخرج عن المهمة في أي لحظة، ولعل أبلغ مثال على تلك الصرامة التي تمارسها السلطة على المنحرفين من جنودها ما فعلت سلطة بورقيبة بالشاعر منور صمادح عندما رمت به في مستشفى المجانين، بعد أن تحول من مداح لبورقيبة في خطاباته إلى منتقد له ولسياسته. كما نشطت في عهد السادات وعبد الناصر سينما الحرب التي تروي قصص انتصارات الجيش المصري على إسرائيل والانتصارات الصحيحة والوهمية الصغيرة والكبيرة، من تأميم قناة السويس إلى عملية إيلات؛ إغراق المدمرة البحرية الإسرائيلية "إيلات" 21 تشرين الأول/أكتوبر 1967.

اقرأ/ي أيضًا: مسلسل "أم هارون".. مناعة القطيع والترويج للتطبيع

كل تلك الأعمال لم تخفف من الهزيمة فقط، بل أعطت إحساسًا آخر بالانتصار عند الشعب المدمّر نفسيًّا بسبب تلك الهزيمة. ولم تكن استقالة عبد الناصر إلا شكلًا من أشكال اختبار الكاريزما وسيناريو ذكي للاستمرار في الحكم، وعلى الأرجح كان وراء صنّاع هم أنفسهم صناع البروباغندا التي تحول الدكتاتورية إلى وطنية، والهزائم إلى انتصارات، وهي التي سرّبت عربيًا مصطلحات بديلة عن كلمة هزيمة من نحو نكبة ونكسة.

هذه البروباغندا ظهرت في تونس من خلال سلسلة الكتب التي صدرت بالفرنسية والعربية باسم الحبيب بورقيبة عن الحركة الوطنية، وفي البرامج الثقافية الاجتماعية "قافلة تسير"، والإخبارية في سلسلة "توجيهات الرئيس"، وفي سينما الثورة التونسية التي تروي قصص الحركة الوطنية التي قادها عمار الخليفي بفيلميه "الفجر" 1966 و"الفلاقة" 1970، ويفكك هذه التجربة بعمق الناقد الهادي خليل في كتابه "من مدونة السينما التونسية" تأتي سينما ما بعد بورقيبة لتشكك في روايتها كالذي قدمه فيلم "النخيل الجريح" 2010 للمخرج عبد اللطيف بن عمار، الذي يقدم حرب بنزرت وأخطاء بورقيبة وتضحيته بالشعب التونسي الأعزل من أجل تحقيق انتصاره السياسي واستبداده بالزعامة السياسية.

وإن كانت في أغلبها لم تكن بنية إعادة كتابة التاريخ الذي زورته البروباغندا البورقيبية، بل لتلبية رغبة بن علي في تحجيم دور بورقيبة في بناء الدولة التونسية لإظهار إنجازاته. وهي أيضًا مغازلة من الفنانين و"المثقفين" للنظام. كانت خدمات مجانية ضمن قراءتهم لطريقة تفكير السلطة الحاكمة، إذ أصبح المثقف يقوم بعمل استباقي للتعبير عن ولائه للسلطة وانخراطه في مشروعها. ويذهب بعض الفنانين إلى الانتقام من تلك السلطة الراحلة، فعن دراما ما بعد دولة بورقيبة يقول الناقد الهادي خليل: "في مسلسل تلفزي بعنوان "عطر الغضب" للحبيب المسلماني تم عرضه خلال شهر رمضان سنة 2002، نشاهد أفراد عائلة وهم يتحاورون في حين تبث التلفزة صورًا صامتة "من توجيهات الرئيس" في جو من اللامبالاة الكلية". وبذلك تتحول صورة بورقيبة مجرد خلفية تاريخية، ولو وضعت هذه اللقطة في عمل قبل 1987 لكان توظيفا نقديًا يمكن أن يجر صاحبه إلى الاعتقال إن أفلت من مقص الرقابة.

من بين الفنانين العرب من يحاول التقرب من السلطة لإنتاج خطاب البروباغندا، وكان بعض هؤلاء من له طموحات أبعد من وطنه فيعرض نفسه على الحكام العرب من أجل إنتاج تلك الأعمال، ولعل آخر هؤلاء الممثل المصري موحي اسماعيل الذي كان قبيل موجة الثورات العربية يقدم نفسه على أنه شبيه القذافي، ويعرض صوره بالماكياج الخاص في التلفزيون ليثبت ذلك الشبه والتطابق بينه وبين شخصية القذافي.

الدراما العربية الرمضانية اليوم والبروباغندا العسكرية: الحالة المصرية والتونسية

لم يكن غريبًا عن مصر أن تنتج هذه السنوات أعمالًا عن المؤسسة العسكرية ليس لأنها تقليد درامي قديم، وليس بسبب تمكن العسكر من السلطة عبر انقلاب عسكري، إنما بسبب ما تعيشه المؤسسة العسكرية من تشكيك في ممارساتها واتهامها بالفساد، وفشل السلطة في تحقيق الإصلاحات التي وعدت بها الشعب إثر وصولها للحكم وإنهاء مسار الثورة والتضحية بالديمقراطية. وكانت سلسلة فيديوهات المقاول محمد علي آخر تلك الحملات الشرسة التي دفعت بالجماهير إلى الشوارع في وقت من الأوقات.

أنتجت الدراما المصرية المراقبة من المؤسسة العسكرية سنة 2018 مسلسلًا ضخمًا بعنوان "نسر الصعيد"

كانت المؤسسات المنتجة للدراما والمراقبة من المؤسسة العسكرية قد أنتجت سنة 2018 مسلسلًا ضخمًا بعنوان "نسر الصعيد" بطولة ممثل نجم هو محمد رمضان، ولم يحقق المسلسل النجاح الذي توقعته جهة الإنتاج، وربما يرجع ذلك إلى سيرة الممثل الاستعراضي في عالم التواصل الاجتماعي (استعراض ثرائه وسياراته وأمواله وانخراطه في غناء نوعية من الراب) الذي لا يمكن أن يكون قدوة شعبية، لذلك كان الإيهام بالواقعة أكبر مشكل في ذلك العمل الدرامي لكسب رهان التأثير إلى جانب طابع الشخصية الاستعراضية لعضلاتها وقتها البدنية.

اقرأ/ي أيضًا: الدراما المصرية في 2020 خارج المنافسة أيضًا

أما هذا العام 2020 فقد أطلقت عملًا تلفزيونيًا بعنوان "الاختيار"، قدم على أنه تحية عرفان لشهيد من المؤسسة العسكرية "حياة أحمد صابر المنسي قائد الكتيبة 103 صاعقة، الذي استشهد في كمين مربع البرث بمدينة رفح المصرية عام 2017 أثناء التصدي لهجوم إرهابي في سيناء. جلب هذا التصدير تعاطفًا من الجماهير قبل بثه لأنه يؤرخ لحياة بطل من عامة الشعب وكسب المسلسل أول جولة قبل أن يعرض.

تجنب فريق إنتاج العمل نجوم الدرجة الأولى من الممثلين، وذهبوا إلى ممثلين أقل نجومية وأكثر هدوءًا مثل أمير كرارة في دور أحمد المنسي، وأحمد العوضي في دور هشام عشماوي، ليشعر المشاهد أن هؤلاء جنودًا حقيقيين وأبناء الطبقات الشعبية والفلاحين. ويخدم هذا الاختيار الذكي هدف المسلسل في الايهام بالواقعية.

كما اعتمد المخرج المراوحة بين التخييلي والوثائقي في الأحداث المتعلقة بالعمليات الإرهابية التي أقدمت عليها الجماعات المتطرفة ضد الجيش في صحراء سيناء، ورد الجيش المصري عليها. واعتماد هذا الأسلوب؛ التذكير بواقعية الأحداث عبر الصور يزيد من نجاح العمل الدرامي، لأنه يذكّر بأن ما يروى بالمسلسل ليس تخييلًا إنما إعادة تمثيل لوقائع.

هكذا ومهما كانت دوافع العمل الدرامي، الذي لا شك في أنه في جزء منه عمل يلمع النظام المصري، ويعطيه شرعية جديدة للانقضاض على الثورة، وليس هذا موضوعنا هنا، فإنك تجد نفسك تتعاطف مع الأبطال لأن المشاهد طوال الوقت يشاهد أناس يشبهونه يتعرضون إلى الاعتداء من إرهابيين اختاروا حياة الفيافي لا تسمع منهم إلا خطابًا عنيفًا. ومن ثم فإن خطاب البروباغندا المصرية الجديدة ركّز على الشعبية والبساطة في المشاهد وليس الإبهار لتقدم صورة سلطة تدافع عن نفسها وعن شعبها المتكون من البسطاء الذين يحلمون بالزواج والصداقة وحياة بسيطة مطمئنة فقط. وهي في هذا تستفيد من التجربة الدرامية والسينمائية العالمية التي في إمكانها أن تسلبك موقفك من الأفكار الأساسية للفيلم أو المسلسل وتجعل تتعاطف حتى مع العدو، ألم نتابع نحن العرب فيلم مثل "عازف البيانو" الذي يقدم ما تعرض له اليهود في الحرب العالمية الثانية من النازية وقصة الهولوكوست بكثير من التعاطف فينسى المشاهد العربي، وحتى الفلسطيني، نفسه لحظة المشاهدة هوية البطل بعد دقائق ويتورط في مشاعر إنسانية معه، ناسيًا، بفضل قوة السيناريو وإخراج رومان بولانيسكي وروعة أداء أدريان برودي، أنه أمام صناعة بروباغندا المظلوم والهولوكوست التي ما زالت محل جدل، ويعتبرها بعض المفكرين في الغرب نفسه مجرد أسطورة.

من المؤكد أن الجيش التونسي لم يطلب من مؤسسة التلفزة إنتاج هذه البرامج والأعمال للدعاية له

إن الأعمال المصرية مهما اختلفنا حول دوافعها فإن حدًا أدنى من الجودة الفنية يظل مضمونًا معها على عكس التجربة التونسية الفتية التي تخوضها مع المسلسل الذي يعرض في رمضان 2020. بعنوان "27" تأليف واخراج يسري بوعصيدة، الذي قدمه التلفزيون الرسمي على موقعه بـ"أول عمل درامي يكرم حماة الوطن من الجيش التونسي، ويثمن انتصاراتهم في مكافحة الإرهاب من خلال الفرقة 27 التي تتشابك فيها أقدار أعضائها بين حياتهم الشخصية وواجبهم الوطني".

اقرأ/ي أيضًا: الدراما المشتركة 2020.. بين دراما محاصرة وأخرى ميتة سريريًّا

وكما يظهر في التعريف نية البروباغندا واضحة ولكن ليست البروباغندا هي المشكلة إنما نتائجها، فقد أخفق المسلسل من أول حلقة وظل يراكم الاخفاق مع كل حلقة جديدة.

ولعلنا نرجع هذا الإخفاق الكبير أولًا إلى طبيعة الجيش التونسي الذي ليس له سوابق في مجال الإشراف والإنتاج لهذه النوعية من الأعمال، فهو جيش غير معني بالأعمال الفنية، ولا يبحث عن بروباغندا، لأن مشروعيته اكتسبها من مصداقيته التاريخية لا من التخييل، وكانت الثورة التونسية حاسمة في إظهار تلك الاستقلالية عندما عُرض عليه الحكم ورفضه وتمسك بحفظ أمن البلاد والعباد حتى يعيد المشهد السياسي المدني تشكيل نفسه. على عكس الجيش المصري المسيطر سيطرة كاملة على إنتاج الدراما منذ عقود، وتخضع الدراما إلى رقابة صارمة في كل العصور.

المؤكد أن الجيش التونسي لم يطلب من مؤسسة التلفزة إنتاج هذه البرامج والأعمال للدعاية له، فهو زاهد في الظهور في البرامج الإخبارية لتقديم انتصاراته أو عد ضحاياه. ويبدو أن مساهمته اقتصرت على توفير الجانب اللوجستي لفريق الإنتاج وتمكينه من مشاهد استعراضات عسكرية طلبها المخرج.

ومن ثم فالعمل، على ما يبدو، لم يخضع لرقابة وتثبت في جودة العمل من حيث هو عمل دعائي، وكان يمكن أن يمنع لو مرر على لجنة عسكرية لما ألحقه بالمؤسسة من أضرار، فرداءة العمل حولته من عمل بروباغندا إلى عمل كوميدي هزلي وموضوع تفكه في وسائل التواصل الاجتماعي والصحافة، وبذلك أضر بصورة المؤسسة العسكرية من ناحية رداءة الإخراج ورداءة النص ورداءة التمثيل. فالنص هزيل وساذج لا يحقق المطلوب من الواقعية السردية وهو في الغالب تجميع لكليشيهات متكررة في الدراما العربية الرديئة، حتى أن المشاهد يتوقع ما سيحدث قبل أن يحدث.

عمل دكتاتوري في زمن الانتقال الديمقراطي

إن ما جعل العمل يحقق كل هذه الرداءة الشاملة هو أنه عمل دكتاتوري. نعم، البلد العربي الوحيد الناجي من ظلام الربيع العربي الذي اندلع للإطاحة بالدكتاتورية ينتج عملًا دكتاتوريًا. وتلفزيون ذلك البلد الديمقراطي الوحيد في المنطقة أعطى الفرصة لدكتاتور لينتج عملًا لمؤسسة ناهضت الدكتاتورية ووقفت مع الشعب الذي طالب بالحرية.

تتمثل الدكتاتورية في مسلسل 27 في كون المخرج بكل هشاشته انفرد بالعمل وفرض نفسه عليه من كل الجهات

تتمثل الدكتاتورية في أن المخرج بكل هشاشته انفرد بالعمل وفرض نفسه عليه من كل الجهات، فهو صاحب النص وهو الممثل الرئيسي، وقد نجح في إدارة فشله الشامل وعمم ذلك على كل من شارك في العمل، بما في ذلك الممثلين المحترفين، حيث كان في كل حلقة ينتصر على فشله بفشل أكبر مبينًا عن ضحالة كفاءته في إدارة الممثل والإخراج والمونتاج والمكساج، وقبلها كلها ضحالة في كتابة السيناريو.

اقرأ/ي أيضًا: الدراما السورية في 2020.. الجدار لا يزال مسدودًا

عادة ما يتغاضى المشاهد التونسي عن سوء الإخراج بالانشغال بجودة الأداء التمثيلي، لكن مع هذا العمل كان أمام ما يمكن أن سميه بـ"ما بعد الرداءة"، فقد قدم لنا المخرج باقة من البلادة المشهدية، ولذلك لم يُرحم هذا المسلسل في الصحافة ولا في وسائل التواصل الإجتماعي من أول حلقة، ففنحن المشاهدون كما يقول الناقد السينمائي توني بار في كتابه التمثيل للسينما والتلفزيون: "يمكننا أن نسامح الممثل الرديء الذي يبذل أقصى ما في طاقته، ولكن لا يمكننا أن نسامح الممثل الممل المتبلد الحس".

بدت الشخصيات في العمل التونسي مسطحة جدًا، مجرد كليشيهات، والجندي يقدم بلا روح ولا حياة خاصة حقيقية، ولا ذاكرة ونمط واحد، بينما على عكس من العمل المصري الذي تميز بالاشتغال على الشخصية من زوايا مختلفة واستعان كاتب السينارريو بتقنية الفلاش باك للعودة بالشخصية إلى مراحل بنائها الأولى، وكيف تربت منذ الطفولة على خطاب العنف والإقصاء بالنسبة إلى شخصية عشماوي الإرهابي، وعلى خطاب التسامح والاعتدال مع شخصية أحمد المنسي العسكري الشهيد.

في الخفة وردود صاحب الأثر

من أدبيات الإبداع أن يختفي صاحب الأثر بمجرد أن يطلق عمله للجماهير كتابًا كان أم فيلمًا، أو أي شكل من أشكال الفنون ، ويترك العمل لمصيره مع المتلقي، لكن صاحب مسلسل 27 لم يتلزم بالصمت حتى ينتهي بث عمله ويرد على منتقديه، بل انفجر بعد الحلقة الأولى ليكيل الاتهامات للصحفيين والمشاهدين الذين سخروا من عمله أو نقدوه وأخذ يلاحق المعلقين في كل مكان. وبقراءة سريعة لما تابعناه من ردوده بدا لي صاحب هذا العمل في دفاعه عن عمله يبحث عن مشروعية لعمله من خارج العمل نفسه، كأن يتحدث عن مقاومة الفساد ويحتمي بكلمة الجيش، وهذا أمر كارثي أن يحتمي الفنان بتيماته التي فشل في معالجتها فنيًا بالطرق الجيدة، ولم يبق للمخرج إلا أن يتهم منتقديه بالخيانة العظمى بما أنه يتناول الجيش التونسي. ونتساءل: ماذا لو كان موضوع مسلسله شخصية دينية هل سيكفر المنتقدين من المشاهدين؟

بالعودة إلى ما قبل إنتاج المسلسل نقرأ عن انسحابات نجوم الدراما التونسية مثل كمال التونسي وخالد هويسة ونجيب بلقاضي من المسلسل، بسبب ضعف السيناريو والأجور الزهيدة التي عرضها عليهم، وكانت ردوده أيضًا عن تلك الانسحابات مؤذنة بخراب المحتوى وكاشفة طريقة لتفكيره التي فيها مزايدة بالوطنية فيجيب مراسل "العربي الجديد" الذي استفسر عن سبب كل تلك الانسحابات "قيمة المسلسل تستمد من طبيعة الموضوع الذي يطرحه، وهو الحديث عن الجيش التونسي الذي يحظى بثقة التونسيين وإعجابهم". ويضيف الصحفي أن المخرج "أشار إلى أنه لم يفكر عند إنجاز العمل في مكاسب مالية بقدر ما يهمه نجاح المسلسل في الوصول إلى أكبر عدد ممكن من التونسيين، من خلال بثّه على شاشة التلفزيون التونسي في شهر رمضان الذي تعرف فيه الأعمال الدرامية التونسية ذروة المشاهدة".

 البروباغندا التي صنعت مجد النازية كانت على يد المخرجة ليني ريفنشتال التي أرعبت العالم حتى اعتبر عملها نصف الترسانة الحربية لأودولف هتلر

وهي إجابات في حاجة إلى محلل نفسي ليفهمها، فهو من ناحية يقول إنه عمل وطني، ومن ناحية ثانية هو يبحث عن انتشاره جماهيريًا، وضمن الإجابة الكثير من الادعاء كصاحب الرسالة العظمى التي سيقدمها للجماهير.

اقرأ/ي أيضًا: الدراما الخليجية في السنوات الأخيرة.. مسلسلات لصناعة تاريخ آخر

إن مسلسل 27 أعطى شهادة أخرى للجيش التونسي على مدنيته وزهده في الدعاية، لأنه يبدو لم يتدخل قبل إنتاج العمل ولا أثنائه، ولا حتى بعد أن بثت حلقاته رغم عديد النداءات بإيقاف المسلسل الذي يسيء له. ولكن المسلسل قدم لنا أيضًا شهادة وفاة لثلاثة أشخاص دفعة في واحدة: موت المؤلف وموت الممثل وموت المخرج. والحق أن تجربة السيناريست تبدو فقيرة ومحدودة حيث سبق وقدم سيناريست لعمل تلفزيوني ضعيف يستند فيها على شخصية فتوة شعبية هو علي شورب، وتعرض المسلسل للكثير من النقد في جزئه الأول ومنها نسبته له بعد أن ظهر شخص آخر يدعى رياض النفوسي يقول إنه الكاتب الأصلي للسيناريو. وقد استند في تجربته السينمائية، أيضًا، إلى مسألة ظلت إلى اليوم غامضة هي قضية القناصة في الثورة التونسية وأخرج فيلمًا بعنوان "القناص"، ومع ذلك لم يشفع له الموضوع المثير ولا العنوان المباشر أمام ضعف الفيلم.

ومن ثم فأعمال السيد بوعصيدة لا تنطلق من أصالة فكرة بل تبحث دائمة عن مشروعية من خارجها، مرة سطوة شخصية تاريخية شعبية على الأذهان ومرة إجماع شعبي على الجيش التونسي، لكن الجماهير الشعبية لم تغفر له إخفاقه الفني.

إن البروباغندا التي صنعت مجد هتلر مع ليني ريفنشتال، المخرجة الخطيرة التي أخرجت الاستعراضات العسكرية وخطاباته الحماسية، وقدمت الأفلام الوثائقية عن الرايخ التي أرعبت العالم حتى اعتبر عملها نصف الترسانة الحربية لأودولف هتلر، وأصبحت تلك الصور والأفلام تدرس بأقسام السينما وتحليل الصورة في كليات العالم كله. تلك البروباغندا التي صنعت الرجل الأبيض الأمريكي والتي استعانت بها الولايات المتحدة التي خرجت جريحة من حرب فيتنام لتعالج شعبها من مشاعر الهزيمة وتخرجه من سوداويته، عبر أعمال سينمائية تجارية هوليودية كسلسلة أفلام رامبو وحرب فيتنام والبروباغندا التي استعانت بها في حربها الباردة مع الاتحاد السوفييتي بإنتاج سلسلة أفلام المخابرات 007. تفتح اليوم شرايينها منتحرة في تونس عبر عبقرية الفشل وما حدث لها مع ما ارتكبه المخرج والكاتب والممثل يسري بوعصيدة.

ولعل هذا الإخفاق الشامل يكون سببًا في مراجعة التلفزيون الرسمي، الذي مازال أمل التونسيين، لبرامجه والتخطيط لها.

اقرأ/ي أيضًا:

مسلسل "مملكة إبليس".. غرائبية محمد أمين راضي

حوار| رافي وهبي: الدراما السورية عرضة للتفكك