دراسة تكشف نقطة ضعف في أشهر أدوات الطب النفسي
7 يونيو 2026
أثارت دراسة علمية جديدة تساؤلات بشأن مدى موثوقية المقابلات التشخيصية التي يعتمد عليها الأطباء والباحثون لتحديد الإصابة بالاضطرابات النفسية وتعاطي المواد المخدرة، بعدما أظهرت أن درجة دقتها تختلف بشكل ملحوظ من حالة إلى أخرى.
ونشرت الدراسة في دورية JAMA Network Open، حيث خلص الباحثون إلى أن المقابلات التشخيصية، التي تُعد الوسيلة الأكثر استخدامًا لتشخيص حالات مثل الاكتئاب والقلق والاضطراب ثنائي القطب واضطرابات الشخصية، لا توفر دائمًا نتائج متسقة يمكن اعتبارها معيارًا نهائيًا للحكم على الحالة النفسية للمريض.
"المعيار الذهبي" تحت المجهر
وقالت الباحثة الرئيسية للدراسة، لورا دانكن، إن هذه المقابلات غالبًا ما تُعامل باعتبارها "المعيار الذهبي" في تشخيص الاضطرابات النفسية سواء في الممارسة السريرية أو الأبحاث العلمية.
لكنها أوضحت أن الأدلة المتوافرة لا تدعم بشكل كامل هذا التصور، مشيرة إلى أن هذه الأدوات لا ترقى إلى مستوى "المعيار الحاسم" الذي يثبت بدرجة عالية من الصلاحية والثبات.
غالبًا ما تُعامل المقابلات التشخيصية باعتبارها "المعيار الذهبي" في تشخيص الاضطرابات النفسية، لكن الدراسات تثبت نتائج متباينة بشأن موثوقيتها
وأضافت أن الدراسات السابقة أظهرت نتائج متباينة بشأن موثوقية هذه المقابلات، إلا أنها ما تزال تُستخدم على نطاق واسع بسبب غياب بدائل أكثر فعالية ودقة.
مراجعة لأحدث الأبحاث
اعتمدت الدراسة على مراجعة مجموعة من الأبحاث المنشورة بين شباط/فبراير 2024 وأيلول/سبتمبر 2025، والتي تناولت ما يعرف بـ"ثبات الاختبار وإعادة الاختبار"، أي مدى حصول الشخص على التشخيص نفسه عند خضوعه للمقابلة التشخيصية ذاتها أكثر من مرة.
واستخدم الباحثون معامل "كوهين كابا" الإحصائي لقياس درجة الاتفاق بين نتائج المقابلات المتكررة، مع استبعاد احتمالات التطابق العشوائي في النتائج.
وأظهرت النتائج أن المقابلات التشخيصية كانت أكثر موثوقية عمومًا عند تقييم اضطرابات تعاطي المواد المخدرة مقارنة بالعديد من الاضطرابات النفسية الأخرى. وسجل اضطراب تعاطي المواد الأفيونية أعلى مستويات الثبات بين جميع الحالات المدروسة.
وتفسر دانكن ذلك بأن معايير تشخيص الإدمان تعتمد بدرجة كبيرة على السلوكيات القابلة للقياس، مثل عدد مرات أو كميات التعاطي، وهو ما يجعل الإجابات أكثر وضوحًا واستقرارًا.
أما في الحالات النفسية مثل القلق أو الاكتئاب، فإن تقييم الأعراض يعتمد غالبًا على المشاعر والتجارب الذاتية، ما يجعلها أكثر عرضة للاختلاف بين جلسة وأخرى.
انتقادات من خبراء الطب النفسي
من جانبه، أبدى الطبيب النفسي، ميشيل فيرست، الذي شارك سابقًا في تطوير المقابلة السريرية المنظمة لتشخيص الاضطرابات النفسية، تحفظات على بعض جوانب الدراسة.
ورغم اتفاقه مع الاستنتاج العام القائل بأن المقابلات التشخيصية ليست متساوية في الموثوقية، فإنه رأى أن الدراسة لم تقدم معلومات كافية حول الأدوات الأكثر دقة مقارنة بغيرها. وقال إن الباحثين كان بإمكانهم تقديم خدمة أكبر للمجال العلمي لو تمكنوا من تحديد الأدوات التي تحقق أفضل النتائج، الأمر الذي قد يساعد المختصين على اختيار الوسائل الأكثر فاعلية في التشخيص.
اختلاف بين أنواع المقابلات
كما انتقد فيرست جمع الدراسة بين نوعين مختلفين من المقابلات التشخيصية:
المقابلات المنظمة بالكامل: تلتزم بأسئلة محددة لا يمكن للمحاور الخروج عنها.
المقابلات شبه المنظمة: تمنح الطبيب حرية طرح أسئلة إضافية وتوضيحية بحسب حالة المريض.
وأوضح أن النوع الأول يحقق عادة درجة أعلى من الاتساق بين المقابلات المتكررة لأنه يعتمد نصًا ثابتًا لا يتغير، لكنه قد يفشل أحيانًا في التقاط التفاصيل المهمة أو توضيح الإجابات المتناقضة.
أما النوع الثاني فيوفر مرونة أكبر تسمح للطبيب بفهم الحالة بصورة أعمق، لكنه قد يؤدي في المقابل إلى تباين أكبر في النتائج بين جلسة وأخرى.
نقص البيانات يعرقل المقارنات
وردًا على هذه الانتقادات، أكدت دانكن أن الباحثين حاولوا بالفعل دراسة تأثير اختلاف تصميم المقابلات على النتائج، لكن معظم الدراسات السابقة لم تقدم معلومات كافية حول هذه التفاصيل.
وأضافت أن غياب البيانات اللازمة للمقارنة الدقيقة بين الأدوات المختلفة يمثل بحد ذاته مؤشرًا على الحاجة إلى مزيد من الصرامة العلمية في مجال تشخيص الاضطرابات النفسية.
ورغم أن فيرست ساهم في تطوير بعض هذه الأدوات التشخيصية، فإنه أقر بأنها ليست مثالية.
وأشار إلى أن الأطباء النفسيين ينتظرون منذ عقود ظهور اختبارات مخبرية أو بيولوجية أكثر موضوعية يمكن الاعتماد عليها في تشخيص الاضطرابات النفسية، إلا أن هذا الهدف لم يتحقق حتى الآن. وقال إن الحديث عن تطوير فحوصات بيولوجية دقيقة للأمراض النفسية مستمر منذ نحو خمسين عامًا دون الوصول إلى حلول عملية شاملة.
وفي ختام الدراسة، طرحت دانكن تصورًا مختلفًا لمستقبل التشخيص النفسي، يقوم على الابتعاد عن التصنيفات التقليدية التي تقسم الحالات إلى "مصاب" أو "غير مصاب". وبدلًا من ذلك، تقترح النظر إلى الأعراض النفسية بوصفها جزءًا من طيف متدرج من الشدة والتأثير، ما قد يسمح بفهم أكثر مرونة وتعقيدًا للحالات النفسية المختلفة.
ويرى الباحثون أن نتائج الدراسة لا تعني التخلي عن المقابلات التشخيصية الحالية، لكنها تسلط الضوء على الحاجة إلى تطوير أدوات أكثر دقة وشفافية، بما يضمن تشخيصًا أفضل للمرضى ويعزز موثوقية الأبحاث في مجال الصحة النفسية.