دراسة: تغيّر المناخ بفعل النشاط البشري تسبب بفيضانات مدمّرة في آسيا
14 ديسمبر 2025
كشفت دراسة علمية حديثة أن الارتفاع غير المسبوق في درجات حرارة المحيطات، الناتج عن تغيّر المناخ بفعل النشاط البشري، لعب دورًا حاسمًا في تغذية الأمطار الغزيرة التي تسببت بفيضانات وانهيارات أرضية مميتة في عدد من دول آسيا خلال الأسابيع الأخيرة، مخلفة خسائر بشرية ومادية واسعة النطاق.
الدراسة، التي أصدرتها منظمة World Weather Attribution (WWA)، وكشفت عنها وكالة "أسوشيتد برس"، ركزت على موجة الأمطار العنيفة المصاحبة للإعصارين سينيار وديتواه، واللذين ضربا ماليزيا وتايلاند وإندونيسيا وسريلانكا منذ أواخر الشهر الماضي. وخلص التحليل إلى أن الارتفاع الملحوظ في درجات حرارة سطح البحر في شمال المحيط الهندي وفّر طاقة إضافية للإعصارين، ما أدى إلى تضاعف شدّة الهطولات المطرية.
تعكس هذه الكوارث صورة متزايدة الوضوح لتداعيات تغيّر المناخ في آسيا، حيث تتقاطع العوامل الطبيعية مع الهشاشة الاجتماعية والعمرانية
وبحسب المعطيات، تسببت الفيضانات والانهيارات الأرضية المرتبطة بهذه العواصف في وفاة أكثر من 1600 شخص، في وقت لا يزال فيه مئات آخرون في عداد المفقودين. وتُعد هذه الكارثة حلقة جديدة في سلسلة من الظواهر الجوية العنيفة التي شهدتها منطقة جنوب وجنوب شرق آسيا هذا العام، وأسفرت عن دمار واسع للبنية التحتية وخسائر كبيرة في الممتلكات.
من قلب المأساة، وصفت شَنموغافاديفو أروناتشالام، وهي معلمة تبلغ من العمر 59 عامًا من بلدة هاتون الجبلية في إقليم الوسط بسريلانكا، حجم الكارثة بقولها: "نحن معتادون على الأمطار، لكنها لم تكن يومًا بهذا العنف. عادة ما تتوقف الأمطار مع نهاية أيلول/سبتمبر، لكن هذا العام كان مختلفًا تمامًا. كل مناطق سريلانكا تضررت، ومنطقتنا كانت من بين الأكثر تضررًا".
وأظهرت الدراسة أن درجات حرارة سطح البحر في شمال المحيط الهندي كانت أعلى بنحو 0.2 درجة مئوية من متوسط الثلاثين عامًا الماضية. كما أكدت أن هذه الدرجات كانت ستنخفض بنحو درجة مئوية كاملة لولا ظاهرة الاحتباس الحراري، ما يعني أن المحيط الأكثر دفئًا وفّر كميات أكبر من الحرارة والرطوبة للعواصف.
ويأتي ذلك في وقت تشير فيه بيانات الإدارة الوطنية الأميركية للمحيطات والغلاف الجوي (NOAA) إلى أن متوسط درجة حرارة العالم ارتفع بنحو 1.3 درجة مئوية، مقارنة بمستويات ما قبل الثورة الصناعية في القرن التاسع عشر.
وتوضح مريم زكريا، الباحثة في مركز السياسات البيئية بكلية إمبريال في لندن وأحد مؤلفي التقرير، أن "ارتفاع حرارة الغلاف الجوي يسمح له بالاحتفاظ بكمية أكبر من بخار الماء، ونتيجة لذلك تصبح الأمطار أكثر غزارة مقارنة بعالم لم يتأثر بتغيّر المناخ".
وتُعرف منظمة World Weather Attribution بأنها شبكة من الباحثين تستخدم أساليب علمية خضعت لمراجعة الأقران لإجراء دراسات سريعة تربط بين الظواهر الجوية المتطرفة وتغيّر المناخ. وتؤكد زكريا أن سرعة إصدار هذه التحليلات لا تعني التهاون العلمي، موضحة أن الإجراءات البحثية معروفة ومحددة مسبقًا، ويتم تدقيق النتائج داخليًا وإخضاع أجزاء منها لمراجعة علمية حتى بعد نشر النسخة الأولية.
وتضيف زكريا أن الهدف من هذه السرعة هو رفع وعي الجمهور بأسباب ما يحدث من كوارث في محيطهم، وفهم السياق الأوسع للظواهر المناخية المتطرفة حول العالم. ورغم ذلك، أقر الباحثون بعدم قدرتهم على تحديد النسبة الدقيقة لمساهمة تغيّر المناخ في شدة الإعصارين والأمطار المصاحبة لهما، وذلك بسبب محدودية نماذج المناخ المتاحة لبعض الجزر والمناطق المتضررة.
من جانبها، وصفت جميلة محمود، من مركز سنواي لصحة الكوكب في ماليزيا، الاحترار العالمي بأنه "مضخّم قوي" للفيضانات والأعاصير والانهيارات الأرضية التي اجتاحت آسيا هذا العام. وأشارت إلى أن لعقود طويلة تم إعطاء الأولوية للتنمية الاقتصادية على حساب استقرار المناخ، ما خلق ما سمّته "دينًا كوكبيًا متراكمًا" أدى إلى تفاقم الأزمات الحالية.
كما لفتت الدراسة إلى أن التوسع العمراني السريع، والكثافة السكانية المرتفعة، وبناء البنية التحتية في السهول الفيضية المنخفضة، كلها عوامل زادت من تعرّض المجتمعات المحلية لمخاطر الفيضانات.
وفي هذا السياق، قالت مايا فالهبرغ، المستشارة الفنية في مركز المناخ التابع للصليب الأحمر والهلال الأحمر، إن "الخسائر البشرية الناتجة عن إعصاري ديتواه وسينيار صادمة"، مؤكدة أن الفئات الأكثر هشاشة هي من تتحمل العبء الأكبر، وتواجه طريقًا طويلًا وشاقًا نحو التعافي.
وتعكس هذه الكارثة، بحسب الخبراء، صورة متزايدة الوضوح لتداعيات تغيّر المناخ في آسيا، حيث تتقاطع العوامل الطبيعية مع الهشاشة الاجتماعية والعمرانية، لتجعل من الظواهر الجوية المتطرفة كوارث إنسانية متكررة.






