دراسات: العمل من المنزل مرهق أكثر من العمل في المكتب

دراسات: العمل من المنزل مرهق أكثر من العمل في المكتب

أثبتت الدراسات أن العمل من المنزل ليس أفضل شيء (Getty)

الترا صوت - فريق الترجمة

إذا فكّرت بهذه الاحتمالية للوهلة الأولى: بيئة عمل مصممة على طرازك، وتكاليف شبه معدومة، وساعات عمل مرنة. من البديهي إذ ذاك أن تقول: "من هو الأحمق الذي لا يرغب بترك جحيم المكتب كي يتنعم بالعمل من المنزل؟!".

 ما نسبته 41% من الذين يميلون للعمل في المنزل يشعرون بالإجهاد معظم الوقت مقارنةً بـ25% ممن يعملون في المكتب

هذه الفكرة التي أصبحت شائعةً وممكنةً أكثر بفضل توفّر الأدوات التكنولوجية، من انتشار الإنترنت إلى الخدمات والبرامج الغزيرة التي أعقبت ذلك في سبيل تجاوز مشكلة البعد المكاني، وتيسير التنسيق بين الموظّفين.

اقرأ/ي أيضًا: وظائف عن بعد.. 5 أفكار للعمل من المنزل عبر الإنترنت

ومرةً أخرى ستقول: حسنًا، هذا ممتاز". لكن واقع الحال قد يجعلك تدرك أن منزلك ليس جنة العمل التي كنت تحلم بها، فلو كان لنا أن ننظر إلى ما وراء هذه الإيجابيات المغرية، وكثيرٌ منها حقيقي بالفعل، فلربما نجد أن الفكرة لا تخلو من سلبيات، سواءً على صعيد الإنتاجية والفعالية، أو حتى السلبيات التي تمسّ الموظّفين.

في السطور التالية التي ننقلها لكم بتصرف عن موقع "The Conversation"، تحاول ليبي ساندر إلقاء نظرة أكثر عمقًا وواقعية على فكرة العمل من المنزل.


تخيّل عالمًا ورديًا لا يكون فيه عليك تحمل همّ الاستيقاظ كل يومٍ صباحًا، والذهاب إلى مكانٍ ما لتؤدّي فيه ما كُلّفت به من أعمال.

تخيّل فقط، في هذا العالم أيضًا، كل ما سيكون بإمكانك فعله بدلًا من إضاعة وقتك بين الطرقات، ستستطيع قضاء وقتٍ مع أطفالك أيام عطلتهم، وأزمات المرور ستصبح شيئًا من الماضي.

العمل من المنزل
للعمل من المنزل العديد من الإيجابيات، لكنها تخفي وراءها الكثير من السلبيات

بل إن الفوائد ستتعدّى حياتك اليومية؛ فمديرو عملك، كما تشير بعض الأبحاث، سيلحظون زيادةً في نسبة الإنتاج وانخفاضًا في نسب استبدال الموظفين، وهذا طبعًا فضلًا عن التكاليف المنخفضة. لكن هذه الإيجابيات تخفي وراءها بعض المساوئ التي قد لا تظهر فورًا.

في عام 2010، كانت حكومة جيلارد، رئيسة الوزراء الأسترالية آنذاك، تحاول بناء شبكة إنترنت وطنية. وفي سعيها لتحقيق هذا الهدف، قرّرت الحكومة التركيز على ما عُرِف باسم "العمل عن بعد"، حيث قالت الحكومة إن الاقتصاد الأسترالي يستطيع توفير نفقاتٍ تتراوح ما بين 1.4 و1.9 مليار دولار سنويًا، إذا توجّهت ما نسبته فقط 10% من القوى العاملة إلى قضاء نصف ساعات دوامها بالعمل عن بعد.

لكن هذه الفكرة فقدت زخمها مع وصول حكومةٍ جديدة. واليوم إذا ذهبت إلى الموقع "www.telework.gov.au" فستجد أنه لا يعمل، ولا يوجد حتى إحصاءاتٌ يمكن التعويل عليها لقياس مدى نجاح أو فعالية هذه الفكرة، رغم أنها تبدو فكرة مغرية.

فكرة رائعة؟!

وجدت الدراسات أن العمل من المنزل يُلغي الوقت اللازم للتنقل وما يرافق ذلك من إعياء، وهذا بدوره يقلّل أيضًا من الازدحام المروري وآثاره السلبية على البيئة. حتى أن بعض أرباب العمل في أماكن مختلفة من العالم باتوا أكثر تسامحًا مع هذه الفكرة، أملًا في جذب القوى العاملة أو الحفاظ عليها.

وفي المقابل، يرى الموظّفون ذلك حلًّا مثاليًا لصون التوازن بين عملهم وحياتهم الشخصية، وخصوصًا جيل الألفية أو ما يُعرف باسم "Millennials".

ولا نستطيع طبعًا أن ننكر أن حياة المكتب هي بمثابة جحيم في نظر البعض، وهناك كميةٌ وافرةٌ من الأبحاث التي تبيّن عدم قدرة الكثير من الموظّفين الذين يعملون في مكاتب حديثة على التركيز بسبب الضجيج والملهّيات الذي يُبقيهم في حالةٍ مستمرةٍ من التشتت.

قمت أنا بنفسي بإجراء بعض البحوث في هذا الأمر، وكان هناك عددٌ كبيرٌ من الموظّفين الذين أكّدوا لي أن عليهم العمل من المنزل إذا ما أرادوا إنجاز ما عليهم.

يوجد بحثٌ آخر يدعّم هذه الأبحاث، فقد تمّ إجراء دراسةٌ على مدار عامين ركّزت على مجموعاتٍ عشوائية، واكتشفت الدراسة وجود زيادةٍ في الإنتاج بنسبة 13%، وانخفاضًا في نسبة استبدال الموظّفين العاملين من المنزل، وصل إلى 50%، كما أن هؤلاء يطلبون فترات راحةٍ أقصر وأيام أجازاتٍ أقل بسبب المرض. وفي المقابل توفّر الشركات قيمةً تُقدّر بـ2000 دولار عن كل موظّف بدون تكاليف الإيجار.

يبدو أن كل ما سردناه حتى اللحظة يصبّ بصورةٍ كاملةٍ في قائمة الإيجابيات، وهو سببٌ كافٍ لأرباب العمل للسماح لكل من يرغب بالعمل من المنزل، ولكن نفس الدراسة المذكورة توصّلت أيضًا إلى نتيجةٍ مهمّةٍ يمكن النظر إليها بشيءٍ من الحذر.

العمل من المنزل
العمل من المنزل وسط ضجيج الأطفال ليس أفضل شيء!

النتيجة هي: أكثر من نصف المتطوّعين للمشاركة في هذه الدراسة الذين يعملون من منازلهم، دفعهم شعور العزلة إلى التفكير من الجديد بقرار العمل من المنزل طوال الوقت!

مساوئ العمل من المنزل

مساوئ العمل من المنزل لا تقتصر فقط على العزلة والوحدة، فتظهر الأبحاث أيضًا أن العمل من المنزل له آثارٌ سلبيةٌ كبيرةٌ على تماسك الفريق والابتكار مقارنةً بالعمل من المنزل.

في عام 2013، قامت المديرة التنفيذية لشركة ياهوو، ماريسا مير، بحظر العمل من المنزل، معلّلةً ذلك بأن "إذا ما كنا نريد أن تصبح شركتنا أفضل مكانٍ للعمل على الإطلاق، فإن التواصل والتعاون يحتلّان مكانةً مهمة، ولهذا نحتاج أن نعمل معًا جنبًا إلى جنب. لهذا السبب كان مهمًّا جدًا أن نكون حاضرين جميعًا في مكاتبنا". واقتدت شركاتٌ كبرى أخرى لاحقًا بهذه الخطوة، كبنك أوف أمريكا وIBM.

وعلى عكس ما تتخيّل، فإن الأبحاث تبيّن أن زيادة شعبية الكمبيوترات المحمولة وغير ذلك من الأدوات التي تيسّر العمل عن بعد، تجعل القرب المكاني عاملًا أكثر أهمية.

بيّنت إحدى الدراسات أن احتمالية تواصل المهندسين الذين يعملون معًا في نفس المكتب فيما بينهم رقميًا، تفوق احتمالية تواصل غيرهم من المهندسين الذين يعملون عن بعد بنسبة 20%.

كما أن الموظّفين الموجودين في نفس المكتب يتلقّون رسائل إلكترونية تخصّ العمل على مشاريع مشتركة أكثر بأربع مرات مقارنةً بالعاملين الذين لا يتواجدون في المكتب. وكانت النتيجة، لمشاريع من هذا النوع، هي سرعةً أكبر في إتمام هذه المشاريع بنسبةٍ تصل إلى 32%.

وفي بحثٍ آخر، تبيّن أن التواصل وجهًا لوجه هو عاملٌ جوهري في البحث عن فرص التعاون والابتكار وتطوير العلاقات والشبكات.

هذه الأرقام السلبية ليست محصورةً فقط في سياق الإنتاجية والتعاون وما إلى ذلك، فقد اكتشفت دراسةٌ أخرى تناولت موظّفين يعملون من منزلهم في 15 بلدًا مختلفًا أن 42% ممن يعملون عن بعد، يعانون من مشاكل متعلّقةٍ بانتظام نومهم، مثل الاستيقاظ في منتصف الليل بصورةٍ مستمرة، مقارنةً بما نسبته 29% فقط من العاملين في مكاتب.

كما أن ما نسبته 41% من الذين يميلون بصورةٍ كبيرةٍ إلى العمل في منازلهم يشعرون بالإجهاد "دائمًا أو معظم الوقت" مقارنةً بما نسبته 25% ممن يعملون في المكتب.

ويرتبط هذا الإجهاد، في جزءٍ منه، بأن العاملين من المنزل عليهم البقاء قريبين من أجهزتهم المحمولة طوال الوقت، والتي تكون قريبةً من أسرّتهم معظم الأحيان، فعليهم البقاء على تواصلٍ مستمرٍّ مع زملائهم لتنسيق العمل، كما أن محاولة إجراء المكالمات الجماعية بالقرب من صراخ أطفالك أو نباح كلبك أو رنين الجرس المستمر ليس سهلًا كما يُخيّل لك.

وربما لهذا السبب، لن تتفاجئ إذا ما عرفت أن دراسةً أخرى وجدت أن العمل من المنزل يشوّش على حياتك العائلية، بدلاً من أن يكون عاملًا يساعد على صيانتها.

هناك أيضًا دراسةً أخرى تبيّن أن عدم وجودك في مكتبك باستمرار قد يهدّد مسيرتك، فالبعيد عن العين بعيدٌ عن القلب، وهكذا قد تفوتك فرص العمل على مشاريع أو حتى الحصول على ترقيات.

المزج بين هذا وذاك

حسناً، هناك أسبابٌ وجيهةٌ مبنيةٌ على أدلةٍ حقيقية تدعم إيجابيات العمل في المكتب والعمل من المنزل، فما هو الخيار الأمثل إذًا؟

العمل من المنزل
الذين يعملون في المنزل، يشعرون بالإجهاد معظم الوقت أكثر من الذين يعملون في المكتب

ما يمكن قوله بيقين هو: لا يصحّ أن يشعر الموظّف بأنه مضطرٌ للعمل من منزله لأن الضجيج في المكتب وصل إلى مستوياتٍ لا تُطاق، فيجب أن يتأكّد الموظّف أن مكان عمله مصمّمٌ بفعاليةٍ لطبيعة عمله، وطبعًا لطبيعة الناس الذين يعملون هناك.

تيسير خيارات عمل مرنةٍ، مثل العمل من المنزل، هو أيضاً أمرٌ مهم، ولكن دون إهمال موازنة ذلك مع فوائد التعامل مع الآخرين وجهاً لوجه.

أحد الحلول المجدية، التي توافق بين الحلّين، هو توفير مساحات عملٍ مشتركةٍ للموظّفين الذين يفضّلون العمل من المنزل، أي أماكن يستطيعون الذهاب إليها والعمل مع عاملين من شركاتٍ أو مجالاتٍ أخرى، فيستطيعون هناك حصد بعضٍ من فوائد التواجد في مكتب دون الحاجة إلى الذهاب إلى هناك.

الحل للتوفيق بين العمل من المنزل والعمل في مكتب: توفير مساحات عمل مشتركة للموظّفين الذين يفضّلون العمل من المنزل

لقد أبانت مساحات العمل المشتركة عن فعاليةً عاليةً في تقليل العزلة، مع إعطاء الموظفين فرصةً لبناء شبكاتٍ علاقاتٍ متنوّعة والحصول على أفكارٍ مبتكرةً من مصادر مختلفة.

 

اقرأ/ي أيضًا:

تبذل مجهودًا شاقًا في العمل بلا نتيجة؟.. إليك 3 مفاتيح للعمل بذكاء

الـ"فريلانسر" في مصر: ثورة على نظام العمل

نصائح العمل من المنزل للسيدات

10 أفكار عمل من المنزل مميزة