ultracheck
  1. سياسة
  2. سياق متصل

دخول الهند إلى الشرق الأوسط.. إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية

26 فبراير 2026
ميناء حيفا
استحوذت شركة موانئ "أداني" الهندية بعقد إدارة ميناء حيفا (وسائل التواصل الاجتماعي)
نادين الكحيل نادين الكحيل

خلال السنوات الأخيرة، برزت الهند لاعبًا جيوسياسيًا في الشرق الأوسط، وفاعلًا استراتيجيًا مؤثرًا في السياسات الاقتصادية والسياسية والأمنية للمنطقة. ويعود ذلك إلى موقعها الجغرافي الرابط بين آسيا وأوروبا وأفريقيا، إضافة إلى قوتها الاقتصادية المتنامية، التي باتت تؤثر في توازنات الطاقة والتجارة والاستثمار والصراعات الإقليمية. هذا التحول يثير تساؤلات حول دوافع الانخراط الهندي المتزايد في الشرق الأوسط، ولا سيما الشراكة الاستراتيجية مع إسرائيل في ميناء حيفا، ومبادرة الممر الهندي–الشرق الأوسط–أوروبا (IMEC)، فضلًا عن طبيعة "المحور الجديد" الذي تحدث عنه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وما يمكن أن يتيحه ذلك من فرص وتحديات للمنطقة وللهند على حد سواء.

السياق التاريخي.. من حضارة وادي السند الى جمهورية الهند

تُعدّ الهند إحدى أقدم الحضارات في العالم، إذ تعود جذورها إلى حضارة وادي السند في الألفية الثالثة قبل الميلاد. وعلى امتداد قرون، شكّلت طرق التجارة البحرية في المحيط الهندي قناة تواصل حيوية بين الهند والجزيرة العربية وشرق أفريقيا وجنوب شرق آسيا، ما رسّخ تقاليد الانفتاح التجاري والثقافي.

في الحقبة الاستعمارية البريطانية، جرى دمج الاقتصاد الهندي في النظام الإمبراطوري البريطاني، واستُخدمت الموانئ الهندية لخدمة التجارة العالمية. وبعد الاستقلال عام 1947، تبنّت نيودلهي سياسة عدم الانحياز في سياق الحرب الباردة، محافظة على توازن بين المعسكرين الشرقي والغربي.

تثار تساؤلات حول دوافع الانخراط الهندي المتزايد في الشرق الأوسط، ولا سيما الشراكة الاستراتيجية مع إسرائيل في ميناء حيفا، ومبادرة الممر الهندي–الشرق الأوسط–أوروبا (IMEC)

لكن التحول المفصلي جاء بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، إذ أطلقت الهند عام 1991 إصلاحات اقتصادية هيكلية عميقة بقيادة رئيس الوزراء آنذاك مانموهان سينغ، نقلتها من اقتصاد موجّه إلى اقتصاد أكثر انفتاحًا على الأسواق والاستثمار الأجنبي. وأسست هذه الإصلاحات لانطلاقة نمو مستدام، بمتوسط بلغ نحو 7% سنويًا خلال العقود اللاحقة، مع توظيف التنمية الداخلية كأداة لتعزيز الحضور الخارجي.

في القرن الحادي والعشرين، تحولت الهند من قوة إقليمية في جنوب آسيا إلى لاعب دولي فاعل في نظام عالمي متعدد الأقطاب، بصفتها عضوًا في مجموعة العشرين وعضوًا مؤسسًا في مجموعة "بريكس"، ما منحها ثقلًا مزدوجًا في الترتيبات الأمنية والاقتصادية العابرة للأقاليم، مع تركيز خاص على المحيطين الهندي والهادئ، وامتدادات متزايدة نحو الشرق الأوسط وأفريقيا.

أهمية الهند الجيوسياسية ومكانتها الاستراتيجية

تنبع الأهمية الجيوسياسية للهند من موقعها في قلب المحيط الهندي، الذي يُعد شريانًا رئيسيًا للتجارة والطاقة العالمية. فموقعها يتيح لها الإشراف على خطوط الملاحة الحيوية من مضيق ملقا إلى الخليج العربي والقرن الأفريقي، ما يمنحها قدرة تأثير في أمن الطاقة وسلاسل الإمداد الدولية.

إلى جانب ذلك، تتمتع الهند بثقل ديموغرافي هائل، إذ يبلغ عدد سكانها نحو 1.47 مليار نسمة، ما يجعلها أكبر دول العالم سكانًا تقريبًا، مع قاعدة شبابية واسعة تعزز إمكاناتها الاقتصادية. كما يتعزز موقعها الاستراتيجي بصعودها العسكري والتكنولوجي، وشراكاتها المتوازنة مع قوى كبرى كالولايات المتحدة وروسيا، إضافة إلى انخراطها في ترتيبات مثل “التحالف الرباعي” (QUAD)، بما يعزز دورها في موازنة النفوذ الصيني في آسيا، ويمتد تأثير ذلك إلى الشرق الأوسط حيث تتقاطع مصالح الطاقة والتجارة والأمن.

أسباب ودوافع دخول الهند إلى الشرق الأوسط

في ظلّ النموّ المتسارع للاقتصاد الهندي والحاجة إلى تأمين مصادر الطاقة، تتجه الهند نحو توسيع علاقاتها مع دول الشرق الأوسط، ولا سيما الدول المنتجة للنفط، مثل المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، حيث تعمل على بناء شراكات استراتيجية مع دول الخليج من خلال المشاريع الاقتصادية والاستثمار في مجالات متعددة، كالبنية التحتية والطاقة وتكنولوجيا المعلومات. وبذلك ستتمكن الهند من تعزيز نفوذها في المناطق الجيوسياسية الرئيسية في الشرق الأوسط. ومن هنا تبرز الدوافع والأسباب المرتكزة على:

الاستراتيجية الاقتصادية.. بين التوسع التجاري والحاجة الى الطاقة والاستدامة

تُعدّ الهند واحدة من أسرع الاقتصادات العالمية نموًا، إذ صعدت لتصبح رابع أكبر اقتصاد في العالم، متجاوزةً اليابان. ومن المتوقع أن يحافظ الاقتصاد الهندي على وتيرة نمو ثابتة تبلغ 6.7% سنويًا خلال العامين الماليين المقبلين، وفقًا لتوقعات البنك الدولي، الذي أكد أن الهند ستظل أسرع الاقتصادات الكبرى نموًا في العالم بفضل قوة الطلب المحلي واستمرار نمو الاستهلاك.

غير أن البنك الدولي نبّه، في الوقت نفسه، إلى أن الرسوم الجمركية الأمريكية الجديدة، البالغة 50% على الصادرات الهندية، قد تترك آثارًا سلبية على الاقتصاد خلال العام المقبل؛ لذلك خفّض توقعاته لنمو الناتج المحلي الإجمالي للهند للعام 2026–2027 من 6.7% إلى 6.5%، كما توقّع أن يبلغ معدل النمو في السنة المالية 2027–2028 نحو 6.3 %.

وبحسب وكالة "رويترز"، فإن زيادة واشنطن الرسوم الجمركية على السلع القادمة من الهند تهدف إلى الضغط عليها لوقف مشترياتها من النفط الروسي. وبموجب اتفاق تجاري مؤقت، خفّضت الولايات المتحدة معدل الرسوم إلى 18%، وألغت الرسوم العقابية البالغة 25%، مشيرة إلى أن نيودلهي وافقت على وقف الشراء من موسكو.

وأدى انخفاض واردات النفط الروسي إلى زيادة اعتماد الهند على دول الشرق الأوسط، إذ بلغ نصيب النفط القادم من المنطقة نحو 55% من إجمالي وارداتها النفطية في يناير 2026. وفي هذا السياق، تسعى الهند إلى توسيع شبكة صادراتها، وتخفيف تكاليف النقل، وتنويع شراكاتها التجارية. وقد أصبحت دول الخليج الشريك التجاري الأهم للهند، إذ بلغ حجم التجارة الثنائية مع دول مجلس التعاون الخليجي نحو 161.59 مليار دولار خلال الفترة 2023–2024، ما يجعل الشرق الأوسط سوقًا رئيسيًا للمنتجات الهندية، ومصدرًا مهمًا للاستثمارات والصناعات الخليجية في الهند.

كما أشار بنك الاحتياطي الهندي، في نشرته الصادرة في يناير 2026، إلى استمرار انتعاش الطلب مع بداية العام الجديد، بعد أن خفّض البنك المركزي أسعار الفائدة بمقدار 125 نقطة أساس منذ فبراير 2025، وهو أكبر خفض للفائدة منذ عام 2019.

الشراكة الاستراتيجية مع إسرائيل

يُعدّ ميناء حيفا أحد أكبر الموانئ التجارية وأهم نقاط العبور البحري في شرق البحر المتوسط، إذ يلعب دورًا استراتيجيًا في حركة التجارة والاقتصاد، كما يحتضن منشآت صناعية وبتروكيماوية مهمة.

في كانون الثاني/يناير 2023، وُضع حجر الزاوية للحضور الهندي في المنطقة عبر خصخصة ميناء حيفا، بعد فوز تحالف تقوده شركة موانئ "أداني" الهندية وشركة "غادوت" الإسرائيلية بعقد إدارة الميناء، في صفقة بلغت قيمتها نحو 1.18–1.2 مليار دولار. وتوزعت الملكية بين شركة "أداني" بنسبة 70%، وشركة "غادوت" بنسبة 30%، على أن يمتد عقد الامتياز 66 عامًا لإدارة الميناء وتشغيله وتطويره.

وتُعدّ الشراكة في ميناء حيفا نواة اقتصادية للعديد من المشاريع الإقليمية، من بينها تعزيز النفوذ الجيوسياسي والاقتصادي عبر الربط بين آسيا والشرق الأوسط وأوروبا ضمن مبادرة ممر الهند–الشرق الأوسط–أوروبا(IMEC)، في مواجهة المبادرات المنافسة مثل مبادرة الحزام والطريق الصينية 2050، إضافة إلى إيجاد منافذ تجارية بديلة لمسارات التجارة التقليدية عبر قناة السويس أو الطرق البحرية المتأثرة بالصراعات الأمنية.

كما يبرز البعد الجيوسياسي في موقع الميناء القريب من قواعد عسكرية، ما يجعله نقطة استراتيجية أمنية في البحر الأبيض المتوسط. وبالتالي، فإن هذا الاستثمار يشكّل بوابة تجارية للهند نحو أوروبا عبر المتوسط.

تُعدّ الشراكة الهندية الإسرائيلية في ميناء حيفا نواة اقتصادية للعديد من المشاريع الإقليمية، من بينها تعزيز النفوذ الجيوسياسي والاقتصادي عبر الربط بين آسيا والشرق الأوسط وأوروبا ضمن مبادرة ممر الهند–الشرق الأوسط–أوروبا(IMEC)

وباختصار، لا تقتصر أسباب انخراط الهند في الشرق الأوسط على الدوافع الاقتصادية فحسب، بل تشمل أيضًا اعتبارات أمنية تتعلق بتأمين الممرات البحرية، وموازنة التقارب التركي–الباكستاني والسعودي–الباكستاني، إضافة إلى التواجد الصيني في المنطقة. وبحسب صحيفة "يديعوت أحرونوت"، فإن التعاون الإسرائيلي–الهندي سيشهد إقامة نظام "حفاظ على السر"، بما يتيح فتح أنظمة إسرائيلية كانت مغلقة أمام الهند حتى الآن، من بينها دمج الجانب الهندي في منظومة الدفاع الجوي بالليزر "أور إيتان". ويأتي ذلك في إطار ما أعلنه نتنياهو عن تشكيل "حلف جديد" يضم الهند ودولًا عربية وإفريقية وآسيوية، إلى جانب اليونان وقبرص، في مواجهة ما وصفه بالمحاور الراديكالية.

الممر الهندي – الجديد: من البضائع إلى البنى التحتية

يسلّط ممرّ الهند–الشرق الأوسط–أوروبا الاقتصادي (IMEC)، الذي أُطلق خلال قمة مجموعة العشرين عام 2023، الضوء على النفوذ الاستراتيجي المتزايد للهند في غرب آسيا. ولا يمثّل هذا الممر مجرد طريق تجاري يربط الهند بالاتحاد الأوروبي عبر شبكة من الموانئ والسكك الحديدية التي تمرّ بدول الخليج وإسرائيل والبحر الأبيض المتوسط، بل يجسّد طموح نيودلهي إلى بناء علاقات اقتصادية ودبلوماسية أعمق في الشرق الأوسط، وترسيخ مكانتها لاعبًا رئيسيًا في إعادة تشكيل سلاسل التوريد العالمية.

الهند في معادلة التوازن الشرق الأوسطية المستقبلية

إنّ دخول الهند إلى معادلة الشرق الأوسط يتضمن أبعادًا متعددة، استراتيجية واقتصادية وجيوسياسية. فلم تعد الهند مجرد شريك تجاري في المنطقة، بل باتت قوة اقتصادية وسياسية صاعدة تسعى إلى إعادة تشكيل توازنات التجارة والسياسة فيها، من خلال بناء شبكة ردع وتكامل اقتصادي عبر شراكات استراتيجية، مثل ميناء حيفا، ومجلس السلام في غزة، والحلف الجديد مع إسرائيل، إضافة إلى مبادرات بنى تحتية كبرى، كممرّ الهند–الشرق الأوسط–أوروبا (IMEC)، الذي يُعد أداة لإعادة هندسة النظام الإقليمي.

وعليه، يُتوقَّع أن تلعب الهند دورًا محوريًا في إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية خلال العقود المقبلة.

كلمات مفتاحية
 منشآت تحويل اليورانيوم في أصفهان

بعد روسيا.. الصين تدخل على خط نقل اليورانيوم الإيراني

الصين وروسيا تطرحان حلولًا لليورانيوم الإيراني وسط تحفظ أميركي وإيراني ضمن مسار المفاوضات النووية

شهداء قطاع غزة

المرحلة الثانية من اتفاق غزة: تعثر مستمر وخلافات حول الأولويات

تعثر المرحلة الثانية من اتفاق غزة وسط خلافات بين حماس وواشنطن حول ترتيب الأولويات وآليات التنفيذ

النبطية جنوب لبنان

إسرائيل تضرب رغم الهدنة وحظر ترامب.. ماذا وراء ذلك؟

إسرائيل تواصل ضرب لبنان رغم الهدنة، وسط تناقض بين حظر ترامب ونص الاتفاق الأميركي

صورة تعبيرية
أعمال

أرباح الحرب.. شركات النفط الأوروبية تتفوق على نظيرتها الأميركية

راهنت الشركات الأوروبية على التداول والمرونة، بينما ركزت الشركات الأميركية على الإنتاج طويل الأجل، ما يفسر تفوق الأولى في وقت الأزمات

unhcr
حقوق وحريات

الأمم المتحدة: عام 2025 هو الأكثر دموية في مسار لاجئي الروهينغا البحري

سوق العقارات في مصر
مجتمع

السودانيون في مصر: أموال واستثمارات تواجه خطاب "العبء"

الاستثمارات السودانية في قطاع العقارات بمصر، ارتفعت إلى نحو 40  مليار دولار، بعدما كانت في حدود 23 مليار دولار مع بداية الحرب قبل ثلاثة أعوام

صورة تعبيرية
علوم

كم يحتاج كوكبنا للتعافي من الحرب؟

الأضرار التي تتعرض لها البيئة بسبب الحرب لا تبقى ثابتة، بل قد تتفاقم مع مرور الوقت، عبر تفاعلات كيميائية أو بيولوجية تجعلها أكثر سمّية أو أكثر انتشارًا