دخان الحرب يصل مطابخ آسيا.. أزمة غاز تهدد الصحة العامة
16 مايو 2026
تتسع التداعيات الإنسانية والاقتصادية للحرب على إيران، لتصل إلى قلب الحياة اليومية لملايين الأسر الفقيرة في آسيا، بعدما تسبب تعطل إمدادات الغاز القادمة عبر مضيق هرمز في ارتفاع حاد بأسعار غاز الطهي، ما أجبر كثيرين على العودة لاستخدام الحطب والفحم ووسائل الطهي البدائية، وسط تحذيرات من أزمة صحية وبيئية متفاقمة.
وحسب تقرير لصحيفة "الغارديان"، ففي أحد الأحياء العشوائية جنوب العاصمة الهندية نيودلهي، كانت أفشانا خاتون تجلس قرب موقد بدائي أشعلته بأغصان جافة جمعتها بعد ساعات طويلة من البحث في الغابات والمتنزهات القريبة. المرأة البالغة من العمر 35 عامًا تقول إن حياتها تغيرت بالكامل خلال أسابيع قليلة فقط، بعدما أصبح غاز الطهي خارج قدرة عائلتها المالية.
كانت خاتون تعتمد سابقًا على أسطوانة غاز صغيرة لإعداد الطعام لأطفالها الأربعة، لكن الأزمة المرتبطة بالحرب بين إيران والولايات المتحدة أدت إلى اضطراب إمدادات الغاز المسال الذي تعتمد عليه الهند بشكل كبير، إذ يأتي نحو 90% من وارداته عبر مضيق هرمز الذي ما يزال متأثرًا بالتوترات العسكرية المستمرة.
بات الدخان الكثيف الناتج عن احتراق الحطب والفحم داخل المنازل الفقيرة يشكل خطرًا مباشرًا على السكان، خاصة النساء والأطفال الذين يقضون وقتًا أطول قرب مواقد الطهي
ومع ارتفاع الأسعار ونقص الإمدادات، اضطرت آلاف الأسر الهندية للعودة إلى استخدام الحطب والفحم. تقول خاتون إن تكلفة تعبئة الأسطوانة أصبحت تعادل أكثر من أربعة أضعاف السعر السابق، وهو مبلغ لا تستطيع أسرتها تحمله، خاصة أن زوجها لا يجني سوى بضع مئات من الروبيات يوميًا. وتضيف: "أقضي يومي كله في جمع الحطب والطهي. لم أعد أتناول الطعام بشكل جيد، والعمل أصبح مرهقًا للغاية".
تراجع استهلاك الغاز في الهند
تشير البيانات الرسمية إلى أن استهلاك الهند من الغاز البترولي المسال انخفض بمقدار 2.2 مليون طن خلال شهر نيسان/أبريل الماضي، وهو أكبر تراجع تشهده البلاد منذ سنوات.
ورغم تأكيد الحكومة الهندية عدم وجود نقص رسمي في الإمدادات، دعا رئيس الوزراء ناريندرا مودي المواطنين إلى ترشيد استهلاك الوقود، بينما تحدث وزير الدفاع عن امتلاك البلاد احتياطيات تكفي لنحو 45 يومًا فقط.
ويثير هذا التحول القسري نحو الوقود التقليدي مخاوف متزايدة بشأن جودة الهواء والصحة العامة، خصوصًا في مدن تعاني أصلًا من مستويات تلوث مرتفعة مثل نيودلهي، التي تعد من بين أكثر مدن العالم تلوثًا.
مخاطر صحية متزايدة
الدخان الكثيف الناتج عن احتراق الحطب والفحم داخل المنازل الفقيرة بات يشكل خطرًا مباشرًا على السكان، خاصة النساء والأطفال الذين يقضون وقتًا أطول قرب مواقد الطهي.
ووفقًا لمنظمة الصحة العالمية، فإن التلوث الهوائي داخل المنازل وخارجها يتسبب سنويًا في نحو 6.7 ملايين وفاة مبكرة حول العالم، نتيجة أمراض الجهاز التنفسي والقلب والسكتات الدماغية وسرطان الرئة.
ويحذر ناشطون بيئيون من أن سنوات من العمل الحكومي لتشجيع استخدام الوقود النظيف في الهند مهددة بالتراجع بسبب الأزمة الحالية. وكانت الحكومة قد وزعت خلال العقد الأخير أكثر من 100 مليون أسطوانة غاز مدعومة للأسر الفقيرة، لكن الأزمة كشفت أن توفير الخدمة لا يعني بالضرورة القدرة على تحمل تكلفتها.
ويقول الناشط المناخي هارجيت سينغ إن "أفقر الناس هم أول من يُجبر على العودة إلى الكتلة الحيوية عندما ترتفع الأسعار"، مضيفًا أن احتراق الحطب والفحم يعد مصدرًا خطيرًا للجسيمات الدقيقة الملوثة للهواء، خاصة في المناطق المكتظة بالسكان.
الفلبين تواجه الأزمة نفسها
الأزمة لم تقتصر على الهند، بل امتدت إلى دول آسيوية أخرى تعتمد بشكل كبير على إمدادات الغاز المارة عبر مضيق هرمز، ومنها الفلبين التي تستورد نحو 90% من احتياجاتها من الغاز عبر هذا المسار الحيوي.
في أحد أحياء العاصمة مانيلا الفقيرة، جلست جوزفين سونغاليا قرب موقد فحم صغير تحاول إشعاله لإعداد الطعام لأطفالها الثلاثة، بعدما أصبحت أسطوانة الغاز رفاهية لا تستطيع عائلتها تحملها. ارتفعت أسعار أسطوانات الغاز الصغيرة في الفلبين إلى ثلاثة أضعاف تقريبًا، بينما يبقى الفحم الخيار الأرخص رغم مخاطره الصحية الكبيرة.
وتقول سونغاليا إنها تخشى على أطفالها من استنشاق الدخان السام، لكنها مضطرة لاستخدام الفحم حتى تتمكن من طهي الأرز وغلي المياه. كما أشارت إلى أن ارتفاع أسعار الغذاء بالتزامن مع الأزمة دفع عائلتها أحيانًا إلى تخطي بعض الوجبات.
وتظهر الأرقام أن استهلاك الغاز المسال في الفلبين تراجع بنحو 30% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، مع اتجاه مزيد من الأسر إلى الفحم بسبب الضغوط المعيشية. وفي محاولة لاحتواء الأزمة، علقت الحكومة الفلبينية الضرائب المفروضة على الغاز والكيروسين لمدة ثلاثة أشهر لتخفيف العبء عن المواطنين.
وفي أحياء دلهي الفقيرة، عاد مشهد مواقد الحطب والدخان الكثيف ليصبح جزءًا يوميًا من الحياة. وبينما كانت النيران تشتعل مع حلول المساء، كانت شانتي، وهي امرأة هندية تبلغ 75 عامًا وتعاني مرضًا مزمنًا في الرئتين، تحاول بصعوبة التقاط أنفاسها قرب موقد الحطب. تقول المرأة المسنة إن طبيبها نصحها بالابتعاد عن الدخان، لكنها لا تملك خيارًا آخر: "صحتي تزداد سوءًا، لكن عليّ أن آكل".