دجلة القتيلة

دجلة القتيلة

قوراب على ضفاف دجلة في بغداد (Getty)

يمنح شارع الرشيد -أحد أقدم وأعرق شوارع العاصمة بغداد- ظهره للنهر. لا تُطلُّ شرفاته عليه، وليس هناك علاقة بين سكّان الشارع ونهر دجلة، لاسيما وأنه آذاهم لفترات طويلة خلال سنوات تأسيس الدولة العراقية الحديثة بسبب غضبه الذي يأتي على شكل فيضانات تغمر البيوت وتنشر الأمراض.

بناء صدام حسين لقصوره على ضفاف دجلة، وأقربائه كذلك، حوّل النهر إلى ما يشبه الملكية الخاصة بهم

إلا أنه بالرغم من غضب النهر المستمر هذا، ظلّت علاقة العراقي بالنهر ملتبسة وشائكة، لا سيما في المناطق الحضريّة من بغداد، ففضلًا عمّا يُمكن عدّه خللًا عمرانيًا في استثمار النهر من قبل المعمارين العراقيين، فإن هناك مشكلًا آخر ظل قائمًا طوال العقود الأربعة العجاف الأخيرة، أنتجته سلطتا البعث والأخرى التي تلت احتلال العاصمة في نيسان/ أبريل 2003، وهو احتكار النهر وتحويله إلى ثكنة يمنع الاقتراب منها. 

بنى صدّام حسين، الدكتاتور العراقي القلق على أمنه، أغلب قصوره على ضفاف النهر من جانب كرخ بغداد، وحذا طريقه أقرباؤه وأنسباؤه وقيادات حزبه، الأمر الذي حوّل دجلة إلى ملكيّة خاصّة بهم، وهم قلقون من العراقيين الناقمين عليهم، ولذلك كانت ضفاف النهر مليئة بالعساكر وبنادقهم، والجميع خاضع للمراقبة حتّى النوارس التي تعاني الهزال.

واقع السلطة الديكتاتورية والقمعية لا يبدو مختلفًا في "العراق الجديد". القصور التي استغلتها السلطة الجديدة هي قصور البعث ذاتها، والملكيّة تحوّلت إلى إقطاعيات كبيرة، أما النوارس فهي على وشك أن تختفي مع اختفاء الأسماك، وعلاقة العراقي بالنهر زادت سوءًا، والنهر ذاته بات يعاني الجفاف بعد أن دخل في اللعبة السياسية لتركيا وسورية للضغط على الحكومة العراقيّة في ملفات مختلفة.

اليوم، في أحد أكبر المتنزهات المحاذية للنهر، ينتشر العساكر ويمنعون التصوير ويطردون الشبان إذا ما صعبت السيطرة عليهم. أما العائلات، وسط الظلام الذي يعم المتنزه ليلًا، فلا مكان لها لتقضي أوقاتها؛ وعلاوة على ذلك، فيمكن عد المطاعم والمقاهي على شاطيء دجلة على أصابع اليد، وتعود ملكية الكثير منها إلى متنفذين في الحكومة أو مقربين منها، ولا يبدو غريبًا، والحال هذه، أن تخصص السهرات في نصف عدد هذه المطاعم للمسؤولين ليعقدوا صفقاتهم "اللصوصية" على صوت تكسر أمواج دجلة. أيخون دجلة السكّان مجددًا؟

يبدو أن دجلة محض جثّة أخرى مُضافة إلى جثث العراقيين التي تملأ الشوارع

ودجلة الذي يشق بغداد إلى نصفين، كرخ ورصافة، الزوارق فيه كجثث ملفوظة، ليس لها حركة مستمرة وهي تقوم برحلات سياحية، أو لتنقّل سكّان بغداد من هذه الضفّة إلى تلك، لا يعوّض ولا يأخذ حِملًا عن أسفلت العاصمة الذي يشهد زحامات قاتلة.

في ظلّ واقع كهذا، ألا يبدو أن دجلة، الذي تغنّى به الشعراء وغنى له المطربون، هو محض جثّة أخرى مُضافة إلى جثث العراقيين التي تملأ الشوارع. ألا يبدو أنه مشهد مكمّل لمقتلة العراقيين على يد سلطاته المتعاقبة، ألا تبدو هذه السلطات مبدّدة لجميع أنواع الحياة؟

بغداد تحتضر فعلًا، ولا أحد يُريد إعادة الحياة إليها.

اقرأ/ي أيضًا: 

شارع المتنبي..ليس الكتاب وحده هناك

دفاعاً عن "ألمان" بغداد