دبلوماسية الآيس كريم ومصير خفض التصعيد

دبلوماسية الآيس كريم ومصير خفض التصعيد

بوتين واردوغان يتناولان الآيس كريم

يبدو حصاد الزيارة التي قام بها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى نظيره الروسي فلاديمير بوتن، للحد من اندفاعة الجيش الأسدي المدعوم بالترسانة الجوية الروسية للسيطرة على بلدات منطقة خفض التصعيد الخامسة، مخيبًا للآمال، إذا ما أخذنا بعين الاعتبار مواصلة طائرات الاحتلال الروسي قصفها للبلدات الواقعة على طول الطريق التجاري الواصل بين حلب – اللاذقية، على الرغم من مضي يوم على انتهاء الزيارة، يقابلها في الوقت نفسه محاولة مستميتة من قبل الطرف التركي لنشر المزيد من نقاط المراقبة، في محاولة على ما يبدو لترسيم الحدود الفاصلة بين قوات النظام السوري ومعارضيه، إنما دون جدوى تذكر.

الخلاف بين الروس والأتراك عميق لدرجة لا تقبل المساومة في تفسير وفهم بنود اتفاقية خفض التصعيد الموقعة بين الطرفين في سوتشي

الخلاف بين الروس والأتراك عميق لدرجة لا تقبل المساومة في تفسير وفهم بنود اتفاقية خفض التصعيد الموقعة بين الطرفين في سوتشي. فروسيا بوتين تصر في تعاملها مع الاتفاق على أن تقرأه من منطق المنتصر، الذي يستطيع فرض إرادته على الآخر المهزوم، المحروم من أي تسوية تحفظ له ماء الوجه، وهو هنا الأتراك وحلفاؤهم في المعارضة.

اقرأ/ي أيضًا: معارك ريفي إدلب واللاذقية.. تصعيد مستمر

وفق هذا المنطق، يحق لقوات النظام على الجانب الآخر من منطقة خفض التصعيد الاحتفاظ بكامل عتادها الثقيل، كما عديد قواتها المرافقة لها، في حين تحرم المعارضة من هذا الحق، سواء كانت تنتمي إلى النصرة أو لغيرها، مع فرض شرط التحقق من امتثالها لمثل هذا الإملاء عن طريق دوريات تركية روسية مشتركة، وإلا واجهت خطر الهجوم الكاسح على مواقعها وحاضنتها الشعبية بوصفها قوة إرهابية تستحق الموت والتدمير.

في مقابل هذه القراءة المتطرفة من قبل الروس، يحاول الأتراك التخفيف من غلواء شريكهم الضامن الراغب بفرض إرادته على الجميع، عبر إبقاء الوضع على ما هو عليه، فالمهم بالنسبة لهم ليس إخراج أو محاربة النصرة ومن والاها من منطقة خفض التصعيد، بل تفعيل الخطين التجاريين اللاذقية ـ حلب، وجسر الشغورـ حماة، بما يعود بالخير على الجميع روسًا وأتراكًا ونصرةً ونظامًا.

إلا أن قراءة الأتراك البراغماتية سرعان ما أثبتت خطأها، فالروس لا يطمحون لتفعيل هذا الخط التجاري وحسب، بل واستئثارهم بمنافعه لهم وحدهم، مع محاولة مبيّتة لتوريطهم بالاصطدام مع النصرة، دون أي ضمانة تذكر ببقاء تلك المناطق تحت نفوذهم.

للخروج من المأزق التي وجد الأتراك أنفسهم فيه، كان عليهم إما المشاركة بالقضاء على النصرة على نحو مجاني، أو تحملهم مخاطر تدفق لاجئين جدد على حدودهم.

يحاول أردوغان مجاراة بوتين في دبلوماسية المَعَارض الدفاعية وتناول الآيس كريم، عله يقنعه بالتوقف عن إصراه بالسيطرة على الطرق التجارية "إم أربعة" و"إم خمسة" وما يقع في طريقها من بلدات وقرى عبر سياسة الأرض المحروقة.

يحق لقوات النظام على الجانب الآخر من منطقة خفض التصعيد الاحتفاظ بكامل عتادها الثقيل، كما عديد قواتها المرافقة لها، في حين تحرم المعارضة من هذا الحق

اقرأ/ي أيضًا: أملاك رامي مخلوف في ذمة الأسد.. ما علاقة روسيا؟

وقائع المؤتمر الصحفي تشير إلى عدم نجاحه في تليين موقفه في قضية إدلب، مع أنه نجح في تليين موقفه من قضية المنطقة الآمنة التي يجري التعاون في تنفيذ مراحلها مع الأمريكان. فهل ما منحه بوتين من مباركة لأردوغان في قضية المنطقة الآمنة هو الثمن الذي يتوقع منه أن يسدده في قضية إدلب؟ أم أن قضية إدلب بما تحمله من حيث كونها قنبلة بشرية موقوتة قد تنفجر في أي لحظة في وجه أردوغان، كما في وجه العالم، أمر لا يقبل المساومة، ولا تنفع معه سياسة الاكتفاء بنشر المزيد من نقاطة المراقبة العاجزة عن حماية نفسها؟ كما لا تنفع معه مأزق دبلوماسية الآيس كريم التي تحاول مقايضة قضية على حساب أختها؟

 

اقرأ/ي أيضًا:

تقدير موقف: اتفاق إدلب.. فرص النجاح وتحديات التنفيذ

ما هي فرص استمرار التحالف الروسي الإيراني بعد انتهاء الحرب السورية؟