ultracheck
  1. ثقافة
  2. فنون

دايف شابيل: "Unstoppable" ومعايير أميركا المزدوجة

26 ديسمبر 2025
دايف شابيل
دايف شابيل (AFP)
عبير داغر اسبر عبير داغر اسبر

إنه فنٌّ أميركيٌّ خالص. لم يأتِ، كما قد يُتوقَّع، من المسرح، وإن كان يستخدم الخشبة وسيطًا. إنه نتاجُ أميركا بخلفيتها الطهرانية البروتستانتية، بحشود الشهود ويهوه المبشّرين في طرقاتها، وبالطوائف التي تعيش في مستعمراتٍ مغلقة على أطراف حضارتها، وعلى هامش لعناتها أيضًا.

لا تمتلك أميركا المرجعيات التي تؤهّلها لعلمانية أوروبا، ولا لذلك السؤال الديني المتحرّر الذي عرفته روسيا الشيوعية. فكل ما ينطوي عليه هذا السؤال من شكٍّ يُحيل، في المخيال الأميركي، إلى اقتسام الثورة، إلى الاشتراكية، وهو ما لا تريده الرأسمالية التي تقود بها أميركا العالم؛ حيث يُؤمن بالله وبالدولار معًا. إنها أميركا صلوات الأحد وخطب الوعظ؛ تلك التي أوجدت وطوّرت فنًّا أدائيًا قائمًا على قدرة اللغة وحدها، وعلى تنظيم عرضٍ مسرحيٍّ بممثّلٍ واحد.

من هناك خرجت عروض "الستاند أب كوميدي" لتغزو العالم. ولهذا، لكلّ هذا، يمكننا أن نستوعب لماذا يُعامَل مقدّمو هذه العروض بوصفهم نجومًا حقيقيين، بملايين المشاهدين والمتابعين ومتقصّي الأثر. ومن هنا أيضًا يمكننا أن نفهم كيف يمكن لعرضٍ يقدّمه نجم من هذا الفن، مثل دايف شابيل (Dave Chappelle)، يناقش الجنون الكامن في السياسة الأميركية اليوم، أن يفعل فعلَه على مستوى الشارع، لا على مستوى الخشبة فحسب. ومن هنا، ربما، يمكننا أن نحاول استيعاب المسافة الهائلة التي قطعها الخليج العربي، ليغدو موضع حديث أحد أهم نجوم هذا الفن الأميركي الخالص.

نجم غير قابل للإسكات

في عرضه الأخير، الموسوم باسم (Unstoppable)، والذي قدّمه في "واشنطن دي سي"، يواصل دايف شابيل تفكيك موقعه بوصفه كوميديانًا لا يمكن احتواؤه داخل معايير اللياقة السياسية السائدة. العنوان نفسه، المفتوح على نقاط ثلاث، يقود إلى ذروة العرض، حيث يستعيد مفهوم (The Nigger Act) لا بوصفه إهانة، بل باعتباره اسمًا لذلك الدور التاريخي الذي طُلب من السود أداؤه طويلًا كي يكونوا مقبولين في المجال العام الأميركي.

بين العنصرية بوصفها بنيةً لم تتفكك، والجنون السياسي، وزيارته إلى السعودية وما أثارته من مساءلات أخلاقية انتقائية، يصل شابيل إلى لحظته الأكثر حدّة حين يذكر إسرائيل، لا كموضوع عابر، بل ككاشف للمعيار المزدوج الذي يحكم الخطاب الليبرالي الأميركي. لا يشرح ولا يعتذر؛ يضع الكلمة في مكانها ويترك أثرها يعمل.

في عرضه الأخير، الموسوم باسم (Unstoppable)، والذي قدّمه في "واشنطن دي سي"، يواصل دايف شابيل تفكيك موقعه بوصفه كوميديانًا لا يمكن احتواؤه داخل معايير اللياقة السياسية السائدة

حكى عن العنصرية بامتدادها التاريخي والحديث، كما لو أن شيئًا لم يتغيّر، أو كما لو أن التغيّر لم يمسّ الجوهر. لكنه حكى أيضًا عن فلسطين، من دون أن يسمّيها مباشرة؛ إذ اكتفى بذكر ما تفعله إسرائيل، وكان ذلك كافيًا.

تهم لا نتفك عن التوالد

في عرضه المبهر، تحدّث دايف شابيل عن زيارته إلى السعودية، وكأنه فنان مصريّ أو حتى عربي "مشارقي أو مغاربي"، مطالب بأن يشرح حماسه لمشروعها الجديد. هذا الكوميديان الأميركي "الفلتة"، المتّقد الذكاء وخفيف الدم، واجه الاتهامات الأميركية بمنطقه الأخلاقي الجسور قائلًا: "نعم، كان من السهل التحدث في السعودية مقارنة بالتحدث في أميركا".

هذا الإعلام الأميركي، راعي الديمقراطيات وخطاب الحريات وحقوق الإنسان الذي تعظ به أميركا، يناقح عن حريات "مراوغة" تفصّلها على مقاسها. ولم يتردد شابيل في الرد على كل الاعتراضات ببساطة قاطعة، بكلمة واحدة: "ماذا عن إسرائيل؟". هنا تتجلّى المفارقة الساخرة، المضحكة بقدر ما هي كاشفة.

شابيل، الأميركي، ابن المركز، وجد أنه لا يستطيع إلا أن يُغمر بـ"القوى الناعمة" التي بدأت تحضر بقوة لكل متتبع لما يفعله الخليج أمام الدول المعروفة كمراكز. في تبادل وإعادة تعريف للسلطة "الفكرية" بين الهامش والمركز.

الأميركيون اليوم: ماذا عن إسرائيل؟

ما آثار الضحك حقًا؟ كان أن شابيل، القادم من دولة تقود النظام الرأسمالي العالمي، وجد نفسه يُحاسَب بالمنطق ذاته، بل بالصيغة ذاتها تقريبًا: كيف تتحمّس لمشروع لا يشبه "قيم" الديمقراطية الأميركية؟ كيف تزور، كيف تمدح، كيف تضحك هناك؟

الأكثر سخرية أن هذا السؤال لا يُطرح انطلاقًا من نقد حقيقي للسلطة، بل من انتقائية أخلاقية فادحة. فالمنظومة ذاتها التي تتغاضى عن إسرائيل وعن الحروب ودعم أنظمة أكثر عنفًا، تستنفر فقط حين يتعلّق الأمر بالخليج. شابيل، بدوره، لم يقدّم مرافعة سياسية، ولم يعتذر، ولم "يفسّر". قال، كما أوضحنا سابقًا، كلمة واحدة فقط، لكنها كانت كافية لكشف البنية كلها: إسرائيل.

وبهذه الكلمة، انفتح السؤال الحقيقي: من يحق له أن يسأل؟ ومن يُعفى من السؤال أصلًا؟

قد يبدو هذا الموقف بديهيًا أو مفروغًا منه، وربما بلا قيمة. لكن من يتابع الثقافة الشعبية الأميركية، لا السياسة الأميركية، سيدرك أن هذا العرض الأخير يمثّل انتصارًا حقيقيًا للسؤال الأخلاقي الفلسطيني. لن نذكر ما قدمته "الحالة الخليجية" من انتصار هنا؛ فهذا شأن دول مستقرة، متماسكة من الناحية الاقتصادية والسياسية، وقد لا تنتظر اعترافًا من أحد. أما فلسطين، تلك التي تخوض حرب وجود يومي مع إسرائيل، فهي بحاجة إلى كل دعم ممكن: من مفكر، ومنظّر، وأيضًا من "ستاند أب كوميديان" حين يكون مشبعًا بثقافة متماسكة ووعي أخلاقي صلب مثل دايف شابييل.

إن كان هناك انتصار للسؤال الفلسطيني، فهو إعادة تعريفه أخلاقيًا وتصويب استقباله، لا في الشارع الأميركي المسيس، بل داخل ما هو أعمق وأبعد، أي حضوره في الثقافة الشعبية الأميركية (Pop Culture).

العرض موجود حاليًا على منصة "نتفليكس"، وهو عرض ملهم عن الإتقان والسيطرة على هذا الجنس الفني، صاحب الجنسية الأميركية النقية، لا يكتفي بأن يكون "ضد السائد"، بل يؤسّس لفكرة معارضة السائد، ويشارك فعليًا في خلق وعي شعبي مغاير.

كلمات مفتاحية
ربيع وهبة

الأفلام الرمادية

منذ أن قرأته في كتاب عن الفيلسوف جيل دولوز، ظلّ السؤال يلاحقني كشبح: ما الذي منحته السينما لمن لا يشتغلون فيها؟

ويليام دوفو

في حب ويليام دوفو

ثمة ممثلون نُعجب بهم، وثمة ممثلون نحبهم. الفارق بين الحالين ليس في مقدار الموهبة، بل في نوع العلاقة التي تنعقد بيننا وبينهم على الشاشة

أرغن

حفل موسيقي بدأ قبل ربع قرن.. ولن ينتهي قبل عام 2640

من حضر انطلاق المشروع لن يكون موجودًا عند نهايته. الفكرة صُممت لتعبر أجيالًا متعاقبة، بحيث يواصل أشخاص لم يولدوا بعد متابعة المقطوعة حتى تصل إلى نغمتها الأخيرة

ربيع وهبة
فنون

الأفلام الرمادية

منذ أن قرأته في كتاب عن الفيلسوف جيل دولوز، ظلّ السؤال يلاحقني كشبح: ما الذي منحته السينما لمن لا يشتغلون فيها؟

لبنان
رياضة

معركة محتدمة بين جمهوري السلة في لبنان ومصر: أيّ الدوريين هو الأقوى؟

اشتعلت عبر مواقع التواصل الاجتماعي معركة جانبية بين جمهوري كرة السلة في لبنان ومصر، وكل طرف أكّد أنه يمتلك دوري كرة السلة الأقوى في المنطقة، برأيك، أي البطولتين أقوى؟

غزة
مجتمع

السرطان ينهش غزة.. مرضى يموتون انتظارًا للعلاج

هناك نحو 17 ألف فلسطيني مصاب بالسرطان في غزة، من دون خيار محلي للحصول على العلاج الكيميائي أو العلاجات المتقدمة الأخرى

بوتين
سياق متصل

بعد زيارته جزر كوريل.. بوتين يتسبب بأزمة دبلوماسية مع اليابان

تعود جذور الخلاف إلى الأيام الأخيرة من الحرب العالمية الثانية، عندما أعلن الاتحاد السوفييتي الحرب على اليابان في 8 آب/أغسطس 1945