داعشي الهوى

داعشي الهوى

نور عسلية/ سوريا

 موجودون هم في كل مكان،

في كل مرفق من مرافق حياتنا

ولديهم الاستعداد، كل الاستعداد، ليكشروا عن

أنيابهم عند أول نفير.

 

صديقي الأستاذ رشيد، مدرس مميز لمادة اللغة العربية، وعاشقٌ لغرائبها وحوشيها. كان لطيف المعشر، دمث الأخلاق، وكان يُعِدُّ أُطروحةً لنيل شهادة الماجستير في "أدب الديَّارات".

وحين التقيته منذ أيام، تبادلنا التحية، وأخبرني انه يبحث عن حلاق جيد، "ليقص له لِبْدَتهُ" هكذا قال مبتسمًا، وهو يشير الى شعره الكثيف، وذقنه الخشنة.

الحلاق الذي أعرفه في "صالون النعيم" لم يكن موجودًا حين دخلنا الصالون، واستقبَلَنا بدلًا عنه قريبٌ له قلما احتككت به او تحادثت معه، وهو عملاق أصلع بلحية خفيفة، وشارب محفوف، رحب بنا بحِرَفيةٍ مُبالَغٌ فيها، وأجلس الأستاذ رشيد قِبالَة مرآة كبيرة، وهمس في أذنه، ربما ليسأله عن شكل الحلاقة المطلوبة، ثم عاد ليكمل مع أحد الجالسين حوارًا يبدو أنه انقطع بدخولنا.

كان الحديث بينهما يدور حول القرآن، وهل فيه كلمات أعجمية أم لا؟

رجلٌ إلى جانبي كان يرغي ويزبد بصوت أجشٍ وعالٍ، ولأنني كنت مستغرقًا في قراءة صحيفة قديمة بين يدي، ما كان بمقدوري متابعة الصراخ والزعيق الذي لم أفهم له سببًا. لكن الحلاق انتشلني من استغراقي وهو يشير إليَّ قائلًا:

-ليش حتى نروح لبعيد! هاي الأستاذ بسلامته بيعرف أحسن مني ومنك.

ولَجَمَتْ الحيرة لساني، واعتذرت بأني لا أعرف موضوع الحوار.. وتابعتُ ضاحكًا:

-هكذا أنا.. عندما أقرأ أو أكتب.. أكاد لا أعرف ما الذي يجري من حولي.

ودفنت وجهي في الصحيفة مرة أخرى.

كان واضحًا أن الحلاق ليس من النوع الذي يرضى من الغنيمة بالإياب، فتابع بإصرار وانفعال:

-المشكلة يا أستاذ.. في واحد (رفع يديه إلى السماء) وتمتم بكلمات لم أسمعها، ثم تابع.. واحد بيقول إنه فيه بالقرآن كلمات (مو عربية).. تصور!! كلمات مو عربية في القرآن، هل هذا شيء معقول يا أستاذ؟

وبالكاد فتحت فمي لأقول شيئًا وإذ بالرجل الآخر إلى جانبي، وكان ذو كرش كبيرة، وعنق غليظة اختفت وراء لحيته الكثة، صرخ مزمجرًا والزبد يتطاير من فمه:

-بالله عليك يا أستاذ.. يعني ربنا اللي خلق كل القرآن، كان عاجز حاشاه، وتمتم بكلمات لم أسمعها.. ثم تابع بانفعال.. كان عاجز يجيب كم كلمة عربية بدل الكلمات الأعجمية ويحطون بالقرآن!! "إنا جعلناه قرآنا عربيًا لعلكم تعقلون" صدق الله العظيم.

عيناه كانتا قد جحظتا واحمرتا، في حين أنه كفه الضخمة كانت قد بدأت ترتجف، وكذلك شفته السفلى.

ولأني كنت أعرف ان الحلاق أُميٌّ لا يكاد "يفك الخط"، وكان واضحًا أيضًا أن الرجل الآخر أكثر أُمّية منه، وأن الصراخ والزعيق هما سيدا الموقف في هذا الموضوع، لذلك فقد تشاغلتُ بتقليب الصحيفة بين يدي، محاولًا التملص من الحوار بكيفية ما، ثم.. وفجأة تذكرت صديقي الأستاذ رشيد، الجالس بين يدي الحلاق، وفي المرآة المواجهة له رأيت عينيه نصف المغمضتين، ووجهه المغطى أكثره برغوة الصابون، ورأيتُني أقول متضاحًا:

-يقولون إنه لا يُفتى ومالكُ في المدينة.

وأشرتُ إلى الأستاذ رشيد.. وقدمته لهم:

-إنه إستاذنا كلنا.. وهو متخصص في أمور اللغة، بل هو مرجع في هكذا أمور، وهو أفضل مَنْ يفيدنا في هذه الموضوع.

عندما قلتُ ذلك، لم يكن يخطر ببالي قط انني أُسلِّم "عنق" صديقي الأستاذ الفاضل، لموسى الحلاق.

قال الحلاق وهو يلوح بالموس بيمينه أمام ناظري الأستاذ رشيد:

-أي والله.. جيت والله جابك.. يقول كلمات أعجمية في القرآن!! بالله أستاذ شو تفضلت..

ومرت فترة صمت طويلة... قبل أن ينطق الأستاذ بصوت متردد لا تكاد تَبينُ حروفُه:

-كلمات أعجم.. أعجمية في القرآن.. الحقيقة.. لا لا طبعًا.. أستغفر الله.. كلمات أعجمية في القرآن!!

ونظر في المرآة الى الرجل الضخم الجالس إلى جانبي وهو يقول له مستنكرًا:

-ما كان لازم تسكت له.. هادا ما بيخاف الله، هادا كُفْر وتطاول على القرآن!

وقفز الرجل السمين بحماس لا يتناسب مع جسمه الضخم، رافعًا يديه وهو يصرخ:

-ينصر دينك يا أستاذ، والله انا ما سكتت، بهدلته، ومسحت به الأرض..

 ثم تدخل الحلاق بعده ليقول بلهجة تطفح بالرضى:

-يسلم فمك يا أستاذ.. والله برَّدت قلبي.. آخ وينو هذا الـ... الـ (وتلفظ بكلمات نابية) يجي ويسمعك.

ولأنني كنت متأكدًا من أن الأستاذ رشيد لا يتكلم حسب قناعته، ولا يقول ما يعرفه، مع ذلك.. فقد هززتُ رأسي هزة المغلوب على أمره، فقد كان الموقف أوضح من أن يحتاج إلى تفسير.

فالأستاذ كان قد أغمض عينيه باسترخاء تام، مسَلِّمًا عنقه للحلاق، فيما كان الحلاق يتابع حلاقة آخر بقعة في عنقه المشرعة للموسى.

 

اقرأ/ي أيضًا:

الصندوق الأسود

مشاهدات امرأة من تحت الأنقاض